الخريف.. أجمل فصول العام وأشدها تناقضاً

83

ترجمة: آلاء فائق – عن موقع بوزتفلي برزنت /

أيام الصيف الغامضة وأمسياته العليلة الطويلة رائعة ولكن لا شيء يضاهي روعة ألوان الخريف. يقول الروائي الفرنسي ألبير كامو: “الخريف هو ربيع ثانٍ حين تكون كل ورقة زهرة”، فباقات أوراق أشجاره الباذخة هي ألوان مبهرة على سفوح الجبال المنحدرة، لكن يبقى للطبيعة سرها المميّز بالمزج بين الباذخ والواطئ، فتبرز الألوان الناريّة الحمراء والصفراء والبرتقالية لأشجار الخريف كمثال حي على هذا التمازج.
يعدّه كثيرون أفضل فصول العام فكلّها متشابهة، الا الخريف فعندما يحل علينا نشعر وكأنّنا نعيش أجواءه لأول مرة في حياتنا، من المنطقي الاحتفال بقدومه، فهو مؤشر للتغيير الجميل، هو لحن عاصف تعزفه الطبيعة، وأشد فصول العام تناقضاً، ربما هنا تكمن سر روعته، المتمثلة بالتغييرات التدريجية والألوان والأعياد – كلها ساحرة، وسرعان ما تبهرك اجواؤه لتختفي ويحل فصل الشتاء.
عشاق الخريف بالعالم كثر، وتتعدّد أسباب حبّهم له التي منها:
طقطقة أوراق الخريف
إذا كنت تحبّ الخريف، فلا شيء يضاهي صوت طقطقة الأوراق وانكسارها تحت قدميك، إنَّه صوت وشعور لا يوصفان ولا أعتقد أن أحداً سئم سماعها او الشعور بها، بعدد المرات التي نمر فيها فوق الأوراق. في الحقيقة، ثمة من يبحث عنها ويبذل قصارى جهده لسحق أكبر كمية ممكنة منها. إذا كان بإمكانك السير على أكوام الأوراق المتجمعة على الأرض أو ما حولها، ستصدق هذا الشعور. الأطفال يستمتعون بالقفز عليها، لكن وجود الثعابين، قد يفسد نشاطهم. ويظل الاستمتاع بطحن أوراق الشجر بقدميك من أفضل أنشطة وقت الخريف!
تغيّر ألوان الأشجار
يبدو تغيّر ألوان أوراق الأشجار الخلاب في الخريف وكأنّه مهرجان استعراضي، فأوراق الأشجار بهذا الفصل في تغيّر دائم، لا تتفاجأ إن رأيت شجرة تبهت ألوانها من الأحمرللبرتقالي، ثم الأصفر فالأخضر.
من الطبيعي بهذا الفصل رؤية صف متكامل من الأشجار تتغيّر جميعها بشكل مختلف، مما يخلق تأثيراً يشبه ظاهرة قوس قزح. ولكون ثمة الكثير من الناس ينبهرون بالألوان (وألوان قوس قزح على وجه الخصوص)، فهم يحبون رؤية الطريقة التي تخلق بها الطبيعة قوس قزح الخاصة بها على الأرض. جميل أن ترى الأوراق تتغيّر، ومن المدهش أيضاً أن تفعل ذلك كل عام. عندما كنّا صغارا، كنّا نعتقد أن الأمر ضرب من ضروب الخيال، كما لو أن الأشجار تعرف متى تغيّر ألوانها، وهذا الخيال سيبقى قائما، طالما أنَّ التحولات الصغيرة في لون الأوراق مستمرة كل يوم.
نسماته الباردة اللطيفة
كثيرون ينهكهم الصيف بشمسه الساطعة وأجوائه اللاهبة فيتنسمون خيرا بقدوم الخريف الذي يشهد انخفاضا تدريجياً بدرجات الحرارة، إذ يكون شهر سبتمبر آخر شهور الصيف وتبدأ معه درجات الحرارة بالانخفاض التدريجي، لا سيما أثناء الليل وخلال النصف الثاني منه، حيث يبدأ فصل الخريف فلكياً في الـ23 من هذا الشهر بتعامد الشمس على خط الاستواء، ثم بعد ذلك تتجه ظاهرياً جنوباً نحو مدار الجدي. ولفصل الخريف طقسان مختلفان، لا سيما في شبه الجزيرة العربية، الطقس الأول يكون حاراً مصاحباً للسحب الماطرة والعواصف الترابية، والثاني لطيفاً ماطراً.
لكن ما يميّز طقس الخريف في غالبية دول العالم هو المزيج المثالي من الشمس والغيوم والبرودة الطفيفة كما وقد تمّ دمجهما معاً لخلق أفضل طقس على الإطلاق. كثيرون يحبون الشعور بالتباين بين يوم دافئ وليلة باردة، لا شيء يمكن أن يضاهي درجات الحرارة المثالية والنسيم العليل بفترة ما بعد الظهيرة.
الغذاء الخريفي هو الأفضل
لا يزال بإمكاننا دمج السلطات وأوراق الأشجار ولكن ما يزال ثمة مجال أوسع لبعض الأطعمة المريحة قليلاً. فجأة أصبح العشاء المشوي أكثر جاذبية في ليالي الخريف المعتدلة البرودة، وعادت اللازانيا والريزوتو (طبق إيطالي من الأرز المطبوخ مع مكونات أخرى كاللحوم والخضراوات) إلى موائد محبيها، ولا ينسى الكثير في دول الغرب طبق الضفدع في الحفرة أو السجق وهو طبق تقليدي إنكليزي يتكوّن من النقانق في عجينة بودينج يوركشاير، ويتمّ تقديمه عادةً مع مقلاة البصل والخضراوات.
رائحة نسماته مميزة
فضلا عن ملامح فصل الخريف المميزة التي من أبرزها تغيّر لون أوراق الشجر وسقوطها، وبدء الانخفاض التدريجي لدرجات حرارته، فإنَّ رائحة الهواء تختلف كذلك بالمقارنة مع فصول العام الأخرى.
سرّ رائحة الخريف المميّزة مرتبط بدرجة الحرارة، إذ يمكن أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة لزيادة شدّة التأثر ببعض الروائح وكذلك العكس، إذ يمكن أن تقلل درجات الحرارة المنخفضة من شدتها.
كما ثمة روائح مختلفة في الهواء تلتقطها في فصل الخريف، لعل من أقواها رائحة الأوراق الميتة والمواد النباتية المتحللة، ذكر عالم الأرصاد، ماثيو كابوتشي، لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أنّه “عندما تسقط الأوراق تموت، وبينما هي تلتقط أنفاسها الأخيرة تزفر بكل أنواع الغازات التي تشبه إلى حد ما غاز الكلور”.
كما تعمل رائحة فصل الخريف على تحفيز عصب بالدماغ يسمى العصب ثلاثي التوائم، وهو المسؤول عن الأحاسيس في الوجه بما في ذلك الأنف، وعند التنفس يتم تشغيل ذلك العصب، ولهذا يربط الدماغ الهواء البارد بتلك “الرائحة”.
الاحتفال بعيد الهالوين
تعد دول كثيرة في العالم فصل الخريف أروع وقت في العام، خاصة في الولايات المتحدة، كندا، آيرلندا وبريطانيا وأجزاء أخرى من العالم، لأنَّ شعوب هذه الدول تحتفل ليلة 31 (أكتوبر) تشرين الأول من كل عام بعيد الهالوين وذلك عشية العيد المسيحي الغربي.
كما تحتفل دول كثيرة حول العالم بعيد الهالوين متأثرين بالنسخة الأميركية، وذلك بفضل هيمنة الثقافة الأميركية على الإعلام في عصر العولمة، وهي نسخة بعيدة كل البعد عن الجذور الدينية، ويعد مناسبة ثقافية يحتفل بها الجميع.
وتشمل تقاليد الهالوين لعبة يلعبها الأطفال، حيث يجولون من منزل لآخر مرتدين أزياء تنكرية ويطلبون الحلوى وذلك بإلقاء سؤال “خدعة أم حلوى؟” على من يفتح باب المنزل. وتعني العبارة أنَّه إذا لم تعطونا الحلوى فسنلقي خدعة أو سحراً على أهل المنزل. ومن طقوس العيد أيضا التنكر بزي الهالوين، والتزيين، ونحت القرع ووضع فوانيس جاك، ومشاعل الإضاءة، وزيارة المعالم السياحية المسكونة، وقراءة القصص المخيفة ومشاهدة أفلام الرعب، وعيد الهالوين تحول بمناطق مختلفة من العالم إلى احتفال تجاري وعلماني.
وقت إضافي للنوم
مع بدء الخريف تبدأ فترة النهار بالتراجع وساعات الليل بالازدياد؛ مما يجعلنا نكسب وقتاً إضافياً للّيل، كما أنّ اعتدال درجة حرارة الخريف يحسّن ظروف النوم ويجعلها أكثر ملائمة لنوم هادئ وعميق؛ مما يعزّز صحّة أجسامنا.
فرصة لاستعادة اللياقة
درجات الحرارة المرتفعة خلال فصل الصيف تحول دون ممارسة النشاطات البدنية، وانخفاض درجات الحرارة خلال الخريف يجعلنا قادرين على البدء بممارستها من جديد؛ إذ بالإمكان السير على الأقدام مثلاً بدلاً من ركوب السيّارة، وهذا ما لا يمكننا فعله خلال فصل الصيف الحارّ والشتاء البارد، كما بالإمكان ممارسة كافّة أنواع الرياضات الأخرى في الهواء الطلق وفي أي وقت خلال اليوم.
تناول المشروبات الساخنة
درجات الحرارة المرتفعة في الصيف تُبعدنا عن تناول المشروبات الساخنة المفيدة كالشاي الأسود أو الأخضر، والإقبال على المشروبات الغازية الباردة ذات المحتوى المرتفع من السكّر، والمعروفة بأضرارها الكبيرة على الجسم؛ أمّا في الخريف فنعود لتناول المشروبات الدافئة ونبتعد عن المشروبات الغازية.
انتظام الحياة
تفرض أجواء الصيف علينا عيش حياة صاخبة وفوضى، وخلال الخريف تنتظم الحياة أكثر؛ فيعدّل الأطفال ساعات نومهم وطعامهم بما يتفق مع ساعات المدرسة التي تفتح أبوابها في الخريف، وتنتظم حياة الكبار تبعاً لانتظام حياة صغارهم، وكذلك نتيجة غياب المناسبات الاجتماعية والسهرات التي غالباً ما تتم خلال الصيف.