الدولار.. مشكلتكم أيضاً

1٬517

سرمد عباس الحسيني /

في هذا الوقت بالذات من العام الماضي، دعا الرئيس الأمريكي (جو بايدن) إلى مصادرة الأصول الروسية المجمدة لديهم والمملوكة إلى البنك المركزي الروسي، والمتعاونين معهم من الأثرياء الروس، وتحويلها إلى أوكرانيا لتعويضها عن بعض ما لحقها من أضرار بسبب الحرب، إذ قالت وزيرة الخزانة الأمريكية (جانيت إيلين) إنه “من الضروري أن يتخذ الكونغرس الأمريكي إجراءات من أجل السماح باتخاذ مثل هكذا خطوات.”
وهو الأمر الذي حذر منه متابعون لهذا الشأن، وتمثل بتقرير نشرته (نيويورك تايمز) حول تبعات هذا الأمر ومخاطره، حين أشارت إلى أن مصادرة هذه الأصول ستلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وأنها سوف تقوض –مستقبلاً- الثقة العالمية بالدولار، وهو العملة الأكثر استخداماً في التجارة والتحويلات المالية، مؤكدة في الوقت ذاته على أن حجج المسؤولين الأمريكان حول هذا الموضوع، بمن فيهم (جانيت إيلين)، ستشكل سابقة لانتهاك الأسس القانونية المالية العالمية، ما سيؤدي مستقبلاً إلى سعي الدول المتعاملة في هذا الشأن مع الولايات المتحدة، إلى أن تكون أقل رغبة في إبقاء ودائعها أو رؤوس أموالها في البنوك الأمريكية، أو حتى الاستثمار فيها، خشية مصادرة أصولها حسب مزاج الولايات المتحدة الامريكية ومشرعيها.
لكن تلك التحذيرات لم تجد صدىً في آذان معنييها، لتذهب أدراج الرياح، إذ باشرت الولايات المتحدة في شهر شباط / 2023، ومن خلال تأكيد وزير العدل الأمريكي (ميريك جارلاند) في البدء بأول عملية تحويل مالي لأصول روسية مصادرة إلى أوكرانيا!! وليترجم ما حذرت منه (نيويورك تايمز) ومتابعو شأن سياسيون واقتصاديون، إلى خطوات فعلية نحو التحليق بعيداً عن سرب الدولار، وكانت أولى تلك الخطوات سعي دول (بريكس) وهي (الصين- روسيا- الهند- جنوب افريقيا- البرازيل)، إلى تكثيف اجتماعاتها من أجل خلق نظام مالي عالمي جديد يحل بديلاً عن الدولار، وسعيها الحثيث نحو إصدار عملة خاصة بها، مدعومة بالذهب والسلع الأخرى.
هذه الفكرة، وبسريع خوادم محركاتها جاءت كرد فعل طبيعي على إقدام الولايات المتحدة على مصادرة الأصول الروسية واستخدامها المتكرر للسلاح الاقتصادي المعتمد على الدولار كأساس هيكلي يعتمد عليه، ودفعت في ذات الوقت دولاً أخرى إلى أن تلتحق بفكرة ومظلة (بريكس) في تنويع سلّات عملاتها بعيداً عن الدولار، كالسعودية والجزائر والأرجنتين وتركيا والإمارات وإيران، عبر تقديم طلبات الانضمام اليها.
من جانب آخر دعت مجموعة (الآسيان)، التي تضم عشرة بلدان من دول جنوب شرق آسيا في جدول أعمالها، إلى ضرورة تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي واليورو والجنيه الإسترليني والين في تعاملاتهم المالية، والتوجه نحو عملاتهم المحلية، ليجد هذا الأمر صداه في النصف الآخر من المعمورة، حيث أعلنت البرازيل والأرجنتين استعدادهما لمناقشة وإطلاق عملة مشتركة تسمى (سور) خاصة بأمريكا الجنوبية، إذ صرح الرئيس البرازيلي (لولا دا سيلفا) فور وصوله إلى الصين في أولى زياراته الخارجية منذ توليه منصبه بداية العام الحالي، وفي خطاب ألقاه في بنك التنمية الجديد في (شنغهاي)، بأنه يسأل نفسه كل ليلة: “لماذا يتعين على جميع الدول أن تبني تجارتها على الدولار الأمريكي وليس على أساس عملاتها المحلية مثلا؟!” مضيفاً أنه “يحاول معرفة من الذي قرر بأن يكون الدولار هو العملة التجارية المعتمدة بعد اختفاء معيار الذهب عنه؟!” ودعا (سيلفا) في الوقت ذاته (بريكس) إلى تسريع إصدار عملتها المستقبلية البديلة عن الدولار.
قد يبدو منطقياً ما ذكر أعلاه تجاه (هروب) دول من مظلة الدولار، كون أغلب هذه الدول لديها سياسات متقاطعة مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الغريب في الأمر هو أن يصدر تصريح لرئيس دولة متماهية إلى حد النخاع مع السياسة الأمريكية تجاه العالم بعمومه، إذ صرح الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) بعد عودته من زيارته إلى الصين بضرورة أن يقل اعتماد أوروبا على الدولار الأمريكي خارج الحدود الإقليمية، مؤكداً على نظريته حول الحكم الستراتيجي لأوروبا، التي من المفترض أن تقودها فرنسا لتصبح قوةً عظمى ثالثة (حسب تعبيره).
هذه الدعوات وما يدور في فلكها جاءت بسبب الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة على النظام المالي العالمي، الذي يسمح لها بالتدخل بأي صراع في أرجاء المعمورة، وتدمير اقتصاد من تعتقد بغنائه خارج سربها، وإن كان ذا صوت حسن.
فعلى سبيل المثال، فإن نظام (SWIFT) هو عبارة عن نظام مالي رقمي يشبه الأوعية الدموية للهيكل المالي العالمي، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، التي استطاعت من خلاله تعليق وصول إيران مثلاً (التي تعاني من عقوبات أمريكية خانقة لما يزيد عن أربعين عاماً) وكوريا الشمالية، وروسيا حالياً إلى هذا النظام المالي، كما تتمتع الولايات المتحدة في ذات الوقت بميزة استخدام احتياطياتها من النقد (الدولار) ضد هذه الدول، ومن تنقم عليه أمريكا.
هذه الدول بدأت بالاستيقاظ من سباتها الذي ارتضته لنفسها منذ سبعينيات القرن الماضي بفعل الشراكة الستراتيجية السعودية_ الأمريكية في عهد الرئيس (نيكسون)، الذي استطاع أن يربط الصادرات النفطية السعودية وتسعيرها بالدولار الأمريكي، وهو الأمر الذي أسهم في ترسيخ مكانة الدولار كعملة مفضلة ومهيمنه بين احتياطيات النقد الأجنبي حول العالم.
وبفعل (ثقل) هذه الشراكة، سار على نهجها العديد من دول العالم، ولاسيما البترولية منها، التي بدأت بتسعير بترولها بالدولار، وهو الأمر الذي أسهم بصناعة القوة الأمريكية، وبتنامي جبروت قبضتها.
لذا.. فإن الولايات المتحدة تعتقد جازمة بأن أية خطوات أو تغيير في أسس هذه المعادلة، سيعني تغييراً عميقا في أسس قواعد اللعبة السياسية العالمية، وتتعدى جانبها الاقتصادي إلى حد بعيد، وليتحول الهاجس الذي أجبرت فيه دولاً غنية بالموارد واستبدال ثرواتها بقطع ورقية رخيصة لا تكلف طباعتها بضعة سنتات، بعد أن علقت الولايات المتحدة الأمريكية ربط عملتها بالذهب عام 1971 حين فاجأ وزير الخزانة الأمريكي (جون كونيلي) الصحفيين قائلاً ((The dollar is our currency.. but it is your problem)) (هي أموالنا.. ولكنها مشكلتكم) ، الى كابوس مفزع لهم .. يردد في صدى المستقبل القادم

((.. It is your problem now. Too)) (هي مشكلتكم الآن .. أيضاً).