الذوق الأدبي عند جلالة ملك العراق

646

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

رعاية الملوك للأدب والأدباء من أهم أسباب تقدم النهضة الأدبية، وقد كان لهذه الرعاية فضل عظيم على تاريخ الأدب في الجيل الماضي، وفي الأجيال السابقة، ويسرنا أن نرى ملك العراق، الوارث لعرس العباسيين يعنّى بالأدب والأدباء ويشملهم بحس الرعاية. واجهني أحد الاصدقاء بهذا السؤال: كيف سكت عن جلالة ملك العراق مع أنك أكثرت من الكتابة عن شؤون العراق؟

وهذا حق، فأنا لم أكتب شيئاً عن جلالة الملك غازي الأول، الا فقرات قصيرة في كتابة “ليلى المريضة في العراق”
ولكن هذا السكوت من جانبي له سوابق، فأنا أتجنب الكتابة عن الملوك، وأبتعد عامداً متعمداً عن التقرب الى الملوك، والسر في ذلك يرجع الى صلتي الوثيقة بمراجع الأدب القديم، وهي تضع صنوفاً من الآداب لمن يتصل بالملوك، وقد درست نفسي حق الدرس فوجدتني لا أصلح الا لحياة الجندية في الميادين العلمية والأدبية.

وقد اتفق لي ان أهدي كتاب “الأخلاق عند الغزالي” الى جلالة الملك فؤاد الأول طيب الله ثراه، ولم أطلب التشرف بمقابلته لأقدم الى جلالته ذلكالكتاب، وقد نبهني الدكتور طه حسين بك مرة الى هذا الواجب، فاعتذرت بأني أهديت الكتابة الى جلالة الملك فؤاد الأول بوصف أنه صاحب الفضل الأكبر على الجامعة المصرية التي قدمت إليها ذلك الكتاب لنيل الدكتوراه في الآداب.

وفي صيف سنة 1972 دعاني الدكتور الديواني مدير البعثة المصرية في باريس، وسألني بطلف: “هل يسرك أن اعطيك تذكرة لاستقبال جلالة الملك يوم يشرف في باريس؟”

فقلت: “ذلك يسرني جداً، اذا سمحت أن أذهب لاستقباله مع المستقبلين بلا طربوش، لأني استبيح لبس الطربوش في باريس” فابتسم وقال: “يظهر أنك تلميذ متمرد!”

واعطاني تذكرة الاستقبال

مضيت الى المحطة يومئذ بلا طربوش، فرأيت جميع الطلبة مطربشين، وكان في ذلك ما آذاني، فقد شعرت بأنني بينهم غريب، ولما نزل جلالة الملك من القطار اقتربت منه وأنا متهيب وقد اخفيت القبعة خلف ظهري، فابتسم جلالته ابتسامة لطيفة دلت على أنه فطن لهذا الشذوذ!

وفي سنة 1932 تفضل جلالة الملك فؤاد بزيارة البناء الجديد لمعهد الليسية بالقاهرة، وكنت يومئذ مدرساً بذلك المعهد، وتقرر في برنامج الزيارة أن يحضر جلالته درسين، درساً في اللغة الفرنسية ودرساً في اللغة العربية، اما الدرس الفرنسي فعهد تحضيره الى المسيو رابنوي وقد اختار أن يكون خاصاً بتاريخ مصر في عهد اسماعيل “والد الملك فؤاد” وهو اختيار لا يخلو من لباقة وذكاء.

واما الدرس العربي فعهد تحضيره الي، وسألني المسيو دي كومنين عن موضوع الدرس، فأجبت بانه الدرس المقرر القاؤه من قبل، فابتسم وقال: “ما عندك موضوع خاص؟” فقلت: “ما أحب أن أغير موضوع الدرس بمناسبة زيارة جلالة الملك. وانما أحب أن يرى درساً عادياً كسائر الدروس التي ألقيها على تلاميذي في كل يوم” فضغط المسيو دي كومنين على يدي وقال: “ان ما اعرف من شمائل الملك فؤاد يبشر بانه سيرتاح الى درسك البسيط كل الارتياح”.

وتفضل جلالة الملك فؤاد فحضر درسي بمعهد الليسيه، وقد اديته تأدية حسنة في نحو عشر دقائق، ولم ينصرف الى بعد أن صافحني وحياني وبهذا الخلق الذي يتهيب التقرب الى الملوك دخلت بغداد
فماذا اصنع في سبيل التشرف بمقابلة ملك العراق؟

كنت أعرف أن جلالة الملك غازي الأول يسره أن يتسقبل الأساتذة المصريين، وقد تشرف كثير منهم بمقابلته في قصر الملك او في قصر الزهور، ولكني مع ذلك لم أطلب التشرف بمقابلته، لأني كما قلت اتهيب الاتصال بالملوك، وأن كنت أديت بعض الواجب بتقييد اسمي في دفتر التشريفات يوم دخلت بغداد.

وبالرغم من هذا التحفظ كنت أتحرق شوقاً الى معرفة الذوق الأدبي عند صاحب الجلالة غازي الأول، فهو من أسرة هاشمية لها ماض مجيد في رعاية الأدب الرفيع، وهو يجلس على عرش العراق الذي ازدهر الأدب في رحابه حيناً من الزمان.

ماذا أصنع لمعرفة الذوق الأدبي عند هذا الملك؟ ماذا أصنع؟ ماذا أصنع؟

أيجوز أن أعرف كل شيء من مظاهر الأدب في العراق، وأجهل الذوق الأدبي عند ملك العراق؟.

اترك هذا الكلام وأتحدث عن قضية اهتزت لها المقامات الرسمية في بغداد قضيت أول مساء في فندق تايجرس مع الدكتور محمود عزمي، فحضر شاب عرفت انه سكرتير الاذاعة اللاسلكية وهو السيد فؤاد جميل، وقد طلب أن اواجه الجمهور العراقي بكلمة في الاذاعة اللاسلكية، فاعتذرت ثم اعتذرت، لان الدكتور طه حسين بك كان اوصاني بأن اترك “الهوسة الأدبية” أيام اقامتي في العراق، وكان الدكتور طه حكيماً حين خصني بهذه الوصية، فهو يعرف أخلاقي، ويرجو الا تنتقل مشاغباتي من الميادين المصرية الى الميادين ولكن السيد فؤاد جميل عاود الطلب وألح إلحاحاً عنيفاً، وانضم اليه الاستاذ محمود عزمي وعاونه سائر الحاضرين، فقلت: أنا مشغول باعداد الدروس التي القى بها تلاميذي في بغداد، ولاأستطيع التفرغ لدرس موضوع اواجه به الجمهور العراقي، فقال السيد فؤاد جميل: يكفي أن تقول كلمة موجزة عن رمضان.

وهو كذلك؟

ومضيت فأعددت كلمة من “الأسمار والأحاديث في ليالي رمضان” وازنت فيها بين القديم والجديد في استقبال شهر الصيام.

وبعد اسبوعين مضيت، فألقيت ذلك الحديث بمحطة الاذاعة العراقية.

وما كدت اخرج من باب الاستوديو حتى رأيت السيد فؤاد يصيح وهو مبهور:

تليفون، تليفون، تليفون!

مضيت الى التليفون وأنا أنتظر أن أتلقى تحية من أحد المعجبين، ولكني سمعت صوتاً رصيناً يناقشني في دقائق المحاضرة.

فقلت: أستطيع أن أعرف حضرة المتكلم؟

وما كدت افوه بهذه العبارة حتى عرفت أنه القى السماعة وانصرف من هذا المعترض؟ لا أعرف!

ونظرت الى سكرتير الاذاعة اللاسلكية فرأيته في صفرة الأموات، اسأله فلا يجيب من ذلك المعترض؟ ليتني أعرف!
وبعد لحظات طوال، دخل السيد يونس بحري فراعه أن يرى سكرتير الاذاعة مكروباً مغموماً، فقال: إيش بيك يا فؤاد؟ إيش بيك يا فؤاد؟ إيش بيك يا فؤاد؟

واخيراً هتف فؤاد: جلالة الملك! جلالة الملك!

فوقف يونس بحري وقفة الاجلال

اما أنا فقلت في صوت هادئ رزين:

“يسرني أن يكون جلالة الملك سمع حديثي واعترض عليه” وانصرفت وفي اليوم التالي طلبني الدكتور محمود عزمي بالتليفون، ودعاني الى مقابلته مساء في فندق مود، فلما التقينا عرفت ان هذه المحادثة الملكية كان لها رنين في المقامات السياسية، واشار بأن اقابل رئيس الديوان الملكي واشرح له مغازي الحديث الذي القيته بالاذاعة اللاسلكية، فرفضت، وكانت حجتي ان الحديث لا غبار عليه، وقد ارسلت نصه الى جريدة الاهرام قبل ان القيه، وسيطلع عليه جلالة الملك

كان السيد فؤاد جميل يحب ان اتحدث في الاذاعة اللاسلكية مرة كل اسبوع، وكان مفهوماً انني سأتلقى من المكافآت المالية ما يغريني باعداد تلك الاحاديث ولكن السيد فؤاد انصرف عني قطعاً، فعرفت انه لن يدعوني الا اذا فهم ان جلالة الملك يسره ان يسمع صوت الدكتور زكي مبارك.

وبعد نحو خمسة أسابيع صار تليفون دار المعلمين العالية لا يكاد يعرف غير السؤال عني، وممن، من سكرتير الاذاعة اللاسلكية!

ولم يكتف سكرتير الاذاعة بذلك، بل كان يمضي الى منزلي فيطرق بعنف، وكان من عادتي وأنا في بغداد أن لا اجيب من يسألون عني في البيت، لأن بيتي كان فقيراً لا يزينه أثاث ولا رياش، ولأني كنت أكتب في كل يوم يوم نحو عشر صفحات ويهمني أن اهرب من الناس، فكان سكرتير الاذاعة يكتب على الباب بالطباشير:
واخيراً مضيت لمواجهة السيد فؤاد جميل بوزارة المعارض، فقال: يا مولانا، أين وعودك؟ فأسررت اليه أني أخشى أن أتلقى بالتليفون درساً جديداً من جلالة الملك، فابتسم، وقال: ومن أين عرفت ان جلالة الملك لا يسره ان يسمع صوتك؟

وكان معنى ذلك ان جلالة الملك يقبل كل شيء من ضيوف العراق

ودارت الأيام بالسعد فكنت القى في الاذاعة العراقية كل ما أشاء، ولكني كنت أراعي كل مرة ان جلالة الملك قد يسمع حديثي فأبذل في اعداده كل ما أملك من ذوق وعقل، فان كان أهل بغداد اعجبوا باحاديثي في الاذاعة اللاسلكية، فليعرفوا ان الفضل يرجع الى رقابة ذلك الملك الأديب.

والواقع أن غازي الأول ورث الذوق الأدبي عن فيصل الأول. فقد كنت اسمع مرة مع الاستاذ حسين بستانة المتخرج في دار العلوم بالقاهرة، وهو أديب موهوب سيكون له في خدمة العراق مجال، فحدثني عن قصيدة لشاعر عراقي كبير قالها في هجاء الملك فيصل، وانشد منها أبياتاً، فقلت: “أنت عرفتأني أكره اغتياب الملوك”.

فقال: “عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء، ويجب ان تعرف ان الملك فيصل حين سمع بهذه القصيدة طلب ان يسمعها من الشاعر نفسه ومنحه جائزة “!

هل في الدنيا ملوك يحبون ان يسمعوا ما يقال فيهم من هجاء؟

ذلك ما وقع من الملك فيصل الأول، وهو تذكير بعهود الحضارة في بني العباس.

اما بعد فان الجماهير في البلاد العربية لا تنظر الى صورة الملك غازي الأول الى مقرونة بحبه للطيران، فليعرفوا ايضاً انه يحلق من حين الى حين في جو الأدب والخيال وليعرفوا إن شاءوا انه مولع بالفنون، وانه يعطف على الأغاني العربية أيها العراق: قد أنسى كل شيء، ولكني لن أنسى أيامي في حماك.