الراحل عبد عون الروضان تراجيديا حياتية قلما تعرض لها مبدع كبير

357

جاسم عاصي /

الكتابة عن تجربة وحياة القاص والروائي والباحث (عبد عون الروضان) صورة مفجعة، ولّدت تراجيديا أثـّـرت في نشاطه الإبداعي، وأثـْـرَت نصه بمحمولات معرفية، بما وفّرته من مساحة للرؤى. فشمولية ثقافته ظاهرة معرفية ساعدت على تصعيد وتيرة النص لديه.

غير أن جانبا مهماً في اشتغاله لابد من التنبيه له، وهو يخص تشكّل شخصيته الاجتماعية والأسرية التي لعبت دوراً كبيراً في ترصين كتاباته، بمعنى أن ما مر به في حياته الخاصة من تجارب ومِحَن، كان بمثابة عامل ساعده على تجسيد تراجيديا المجتمع والواقع العراقي. وما أسعفه هنا هو نمط رؤيته الصوفية التي حوّلت فاجعته بفقدان أبنائه إلى ملحمة كبيرة عالج من خلالها كل ما أصاب الآباء والأمهات من فواجع الحرب وآثارها المدمرة ، وذلك بأن استثمر هذا الخاص في إبداعات متنوعة.

مسيرته الأدبية

عبد عون الروضان في مجمل مسيرته الأدبية والحياتية؛ لم يترك فجوة من دون أن يشغلها الإبداع. فمن التعليم وتجاربه من خلال معايشة بيئات مختلفة، إلى التقاعد والتجوال بين أروقة متون المعرفة داخل العراق وخارجه، وسعيه للدراسة وتمكّنه من الأداء بلغات أخرى. كل هذا كان بمواجهة تراجيديا حياتية قلما تعرّض لها أب ومبدع كبير وحساس مثله.

مثابرة مستمرة

صبر الرجال اجتمع في رجل واحد، جسّدها أكثر في مثابرة مستمرة لإنجاز أعمال بحثية خارج اهتمامه الأدبي، غير أنه وجدها تصبّ في داخله. وفعلا هي بمثابة المعين الذي يُعين الكاتب ويلوّن أجواء نتاجه في القصة والرواية. فاختياراته للمعاني والأشكال والرموز كانت أهم ما يُميّز نصوصه. كذلك قدرته على تقريب الخاص من العام.
(الروضان) ينظر إلى الواقع من عدة وجوه، والفانتازيا واحدة من تلك الوجوه التي مارس الكتابة من خلالها، ومنها (الواقعي، التراجيدي، السحري، والغرائبي) ونقصد بالواقعي الذي ما يراه المبدع بعيون داخله وإحساسه الإنساني المحمول على مفاهيم تكفل أبسط مقومات الحياة، وهي الديمومة والتلقائية ونمو حيثياتها كما تنمو الزهور والأعشاب. عيونه تكمن في وعيه ولا وعيه. فهي ترى ما لا يراه غيره. فالمبدع فيه يرى الأبعاد المختلفة بجمالها وتشوّهاتها. وبالتالي تراجيديتها، بالضبط كما يرسم سلفادور دالي أو بيكاسو (الثور هو الثور، هكذا يراه الناس لكن المبدع قد يختزله إلى زوبعة هائجة بقرنين). ينظر الجميع إلى الديكتاتور كما هو سلطة متعسفة، لكن المبدع يراه بعين ثالثة. من هنا تتحدد رؤية المبدع نحو الواقع من أجل خلق واقع جديد، أي إعادة إنتاج الواقع كما فعل الفنان.

الثقافة الشاملة

(جواد سليم) مثلاً، أو كما جسد أفكاره (بيكاسو) في الجورنيكا. إننا نحاول خلق ملحمة الوجود على وفق تصوراتنا الإبداعية.
إن حكاية الواقع الذي يتعامل معه (الروضان) تستمد حيويتها من بنية الحلم، وهو جزء ومكوّن رئيس من المخيّال السردي. والحلم لديه أخذ بعوالم المحو، نتيجة الفقدان المتواصل لنسغ وجوده في فقدان الأبناء . وقد حوّل كل هذه المآسي إلى نصوص روائية تحاكم الواقع. على أساس إن الحلم من مفردات اللاوعي المخبأة عن العلن، والفعالة في الجوّاني من وعيه،. وتظل هذه الأحلام وما يخبؤوه اللاوعي عنده تحمل بصمات كوامنها الإبداعية. زائية الوجد

لقد تأكد؛ من أن (الروضان) تعامل مع الخاص على أنه جزء من العام، لاسيّما في زمن الحرب. لذا كانت نصوصه لا تعني رثاء الذات، بقدر ما كانت رثاء للواقع . فالتراجيديا التي اتسمت بها حياته، استطاع أن يوظفها بشكل متوازن إبداعيا ليـُحيلها إلى مأساة وتراجيديا اجتماعية. لعل رواية (زائية الوجد) واحدة من تلك النصوص التي ترثي الفقدان والخسارة التي صنعتها الحرب. فمنذ استشهاد ولده (زيدون) وهو يُسطر في ذاكرته نمطا من التعبير في زائية، اقتطع منها مشاهد عبـّر عنها في المحافل والدوريات. وكأني به منذ ذلك الزمن يحاول أن يدخل مخاضا لإنتاج ملحمة يجمع خيوطها. ولا يدري أن الزمن يدفع بتلك الخيوط بأن تحيك نسيجها بمعزل عن إرادة الإنسان. فكانت فاجعته بابنته مع زين الرجال (زيدون، وأحمد) والأب يحفر ويرتب ما تزاحم في الذاكرة، كي ينسج ملحمته. فكانت الزائية نشيدا مفجعا للذات العامة. لكنها فاجعة تميّزت بالرصانة والتوازن. غير أن القارئ المتفحص والعارف بـ (الروضان) يدرك مدى الألم الذي تمازج مع هذه الملحمة الروائية، وكيف سطّر حروفها وهجاً كي توقظ جمرة الحزن والبكاء المكبوت. فطوبى للآباء من مثل (عبد عون الروضان) الذين ضغطوا على مشاعرهم وهم يُجسدون مأساتهم على أنها مأساة الجميع.