الزبير… قلادة الرمل وممر القوافل

372

طالب عبد العزيز /

قد يبدو الخيال قاصراً اليوم، عن تصور أبيات الشعر النبطي التي كان يطوح بها قاصدِ البصرة من بلدة الزبير(20كلم غربي المدينة) الذي سيتوجب عليه أن يحمل في خرج البعير الذي يحمل صرّة ثيابه ومتاع نهاره وليله، فالجوع في البرية بين البلدتين قاتل، والماء شحيح أو منعدم، ولعل الخبز المعجون باللحم والبصل والثوم والخضار قمين بتكلفة ثمن الحياة هناك. في المبعدة تلك، حيث لا يبين من الزبير شيءٌ أبعد من منارة مسجدها الجامع.

باب الزبير

لنتذكر أن ابن بطوطة سنة 771 للهجرة ترك مركبه في نهر الأبلّة ليصعد منه الى الزبير التي لا يجد عابر برِّيتها من جهة البصرة سوى خرائب السور، وبقايا باب قديم، سقط من مدونة الأزمنة، يسميه الناس جزافاً بـ”باب الزبير” والذي سيسمى فيما بعد بـ (ساحة فنجان، موقف البلشقات –الربل- الى مستشفى الجنرال مود، مستشفى البصرة العام) ولأن الطريق جدُّ طويلة، فقد كان على أبي أن يحمل متاعه (خبزاً وتمراً وقثاءً، ربما)على برذونه الخفيف ويقصدها باكراً نهاية كل أسبوع!! أتذكر قصص أسفاره مع صديقه (عودة اليعقوب)، يبيعان التمر والحشف هناك ويشتريان البصل والثوم والبطيخ.

مسجد النجادة

إذا كانت البصرة قد تأسست سنة 14 للهجرة على أعتاب دخول جيش المسلمين العابر منها الى بلاد فارس، حيث كانت تسمّى باصورا وبسي راه وأرض الهند، فيمكننا أن نقول بانَّ الزبير لم تكن مدينة بالمعنى التام، لولا هجرات النجديين واليمانيين، التي بدأت في الربع الأخير من القرن العاشر الهجري، وإن سلمنا بحقيقة من تحدث عن قيام السلطان سليمان القانوني بترميم ضريح الصحابي الزبير بن العوام سنة 1571 ميلادية، وجعل التاريخ ذاك مفصلاً أساسياً في وجود المدينة فسيكون لزاماً علينا إرجاع تأسيسها الحقيقي الى عام 1003 للهجرة، حين بنى النجديون أول مسجد لهم(مسجد النجادة) الذي ما زال قائما حتى يومنا هذا، والذي بات العلامة الأكيدة على نشأة المدينة ووجودها كمركز تجاري، تعبره القوافل الى بغداد والشام وتدخلها من جهة خور عبد الله وخور الزبير على البحر سفن الهند محملة بالخشب والبهارات والكحل وبذور الهيل والكتّان والعطور وغيرها.

الملك عبد العزيز

ولأننا في فسحة المنى فلنتأمل البراحة، براحة الصلاة التي تقع قبالة المسجد الجامع، ولنقف طويلاً بباب الدروازة ونسأل أحد الخارجين منها على دابته قاصدا فسحة غيرها في البعيد عن مشيخة الزهير وآل إبراهيم وثويني المنتفجي وعن بيت العون والمنديل… وماذا لو أطلعنا أحدهم(لعله حفيدٌ لحفيد) تاجر من سكنة الزبير، على صورة جمل يبرك أمام بوابة دائرة الجمارك، بالعشار بانتظار حصوله على ترسيم بضاعته والإذن لها بالمرور عبر مخاضات الماء والرمل والحصى، قاطعاً الطريق الموحشة تلك الى نجد او طالعاً بها تجاه الشام؟ وكيف ستبدو دهشتنا إذا اطلعنا على صورة الملك عبد العزيز آل سعود، أيام كان ولياً للعهد وهو يزور بلدة الزبير ويلتقي بالجالية التي قاربت الـ 250 ألف نسمة، وفيهم من كبار التجار وأصحاب المال العظيم؟ ماذا لو وقفنا في منتصف الطريق، بين بغداد والشام لننظر مشدودين ومندهشين حيث يمر أسطول تجاري لا حدود له، هو قافلة من 5000 بعير، قادمة من الزبير، تحمل البريد المحلي أو محملة بالحرير والجلود والعطور وبحثنا في همايين أصحابها عن الليرة العثماينة الذهبية او بريالات ماري تيريزا الفضية حيث يكون التعامل هناك؟

أمير الشعراء

أو دعونا نترك هذه وتلك ونسمع حكاية أمير شعراء النبط (محمد بن لعبون) (ت 1247هجرية) حين غضب عليه أمير الزبير علي بن يوسف الزهير وأمره بمغادرة الزبير خلال ثلاثة أيام، لأنه هجاه. فرد بن لعبون بأنه لن ينتظر، بل سيغار الزبير حالاً. ويطلب منه قربة ماء فارغة ويتجه إلى آبار الدريهمية ليملأها، لكنه يتوقف ليسمع صوت دفٍّ(طار) ومن حينها يروح ينشد: ذا حسِ طارٍ أو ضميرك خفوقه؟! يدق بهْ من نازحِ الفكر دقاق– الحي أهو حيّك وطيبه وفوقه –والدار هي دارك وهذيك الأسواق– يا قلب وإن كانت علومك صدوقه — بينك وبين الدار عهد وميثاق.
وللذين لم يسمعوا به من قبل نقول: ابن لعبون المولود في البحرين، الذي يقول: “كلما دقيت في قاعٍ وتد— من رِداة الحظ تطلع لي حصاة” كان قد سكن الزبير سنوات وذاق من حلاوة العيش فيها ما لم يذقه أحدٌ هناك، وأنه قضى فيها من الليالي الجميلة ما قضى فالزبير كانت حاضرة الأنس والخمرة والصحبة الطيبة فهو الذي يقول:

“ناسٍ سقوني بكاسْ بطُوُل – خمْرِ المُواصِلْ غذوني بَهْ

واليوم راحوا، وأنا ما طول- ما راحوا إلا فؤادي بَهْ”

وله البيت الجميل هذا:

“هم بروني وأنا عودي رفيع-يا علي، مثل ما تبرطوّعوني وأنا ما كنت أطيع- واغلبوني وانا ظفرٍ شجاع.”
وأيضاً :

“تلّيت ردنهْ وانتهضْ بالهُون – وله كَذلةٍ بالمسك راعيها

يا من يباصرني، أنا مفتون – روحي ترى فيها الذي فيها”

هل نقول بأن الذين سكنوا الزبير من الأسر النجدية بمن فيهم الشاعر محمد بن لعبون وجدوا فيها ما وجده في بغداد علي بن الجهم؟