الساعات البغدادية أعجوبة علمية ظنّها الناس سحراً!

530

ارشيف واعداد عامر بدر حسون : بقلم الدكتور مصطفى جواد /

يراد بالساعات الروحانية تلك التي يحركها شيء خفي يشبه الروح في تحريك الأجسام بحسب رأي كثير من الناس، والساعات الروحانية فرع من فروع علم “البنكام” وهو علم صناعة الساعات لمعرفة الوقت.
وكلمة “بنكان” (1) بالباء الفارسية (P) والجيم العكية (G)، نسبة الى قبيلة من قبائل العرب اليمانية، فارسية أيضاً، معناها زجاج الساعات الرملية، وفي العربية تعني كل آلة تعلم بها الأوقات. كذا قال مؤلف (كشف الظنون).
وللبنكام ثلاثة أقسام: الرملي والمائي والدوري الدولابي، ومرادنا هاهنا “البنكام المائي” ويقابله بالإنكليزية Cup perforqted for measuring وهو داخل في صناعة الموقتات الآلية المعروفة بالفرنسية باسمHorlogerie. وقد برع العرب في هذه الصناعة فصنعوا “الساعات العربية الروحانية” التي أشرت إليها بالعنوان في أول المقالة، وغيرها. وألّف بديع الزمان او المعز بن اسماعيل بن الرزاز الجزري، ونسبه الى جزيرة ابن عمر، كتاب “الآلات الروحانية” في ذلك الوقت، وقد طبع قسماً منه بعض المستشرقين، ألّفه لقرة أرسلان التركي الأرتقي ملك ماردين (658-691هـ) وجعله ستة أنواع: الأول في الساعات، والثاني في الأواني العجيبة والثالث في الآلات الزامرة والرابع في آلات إخراج الماء من المواضع العميقة والخامس في الأباريق والطسوت والسادس في صور وأشكال تختص بذلك.
إن “مجلة الأدب والفن” التي كانت تصدر في انكلترا باللغة العربية نشرت منه “صورة ساعة مائية” أعدنا نشرها في هذه المجلة، إلا أن ناشرها الأول ظنها “صورة لموسيقارين لبعض السلاطين في مدخل قصره”، وما هي إلا صورة إيوان الساعة. ومن أشهر الساعات الروحانية المائية الساعة التي وصفها ابن جبير الرحالة الأندلسي وكانت في مسجد دمشق في القرن السادس للهجرة وما بعده، قال في رحلته: “وعن يمين الخارج من باب جيرون، في جدار البلاط الذي أمامه، غرفة لها هيأة طاق كبير (2) مستدير، في طيقان صفر، قد فُتحت أبواب صغار على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيراً هندسياً، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من فمي بازيين مصورين من صفر، قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار، الى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان عنقيهما بالبندقتين، الى الطاستين ويقذفانهما بسرعة، بتدبير عجيب، تتخيله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة بلوح من الصفر، لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات، ثم تعود الى حالها الأول، ولها بالليل تدبير آخر: وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة أمامها شعاعها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم ينتقل ذلك الى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها، وهي التي يسميها الناس “المنجانة”.
رأى ابن جبير هذه الساعة العجيبة سنة (579هـ-1183م) وقد أنشئت بعدها ببغداد سنة (633هـ-1235م) ساعة مثلها قبالة باب المدرسة المستنصرية التي لا تزال بفخامة بنائها تعد فخراً لفن العمارة العربي، قال بعض المؤرخين في حوادث سنة (633هـ):
في هذه السنة تكامل بناء الإيوان الذي أنشئ مقابل المدرسة المستنصرية وعملت تحته صفة.. وبنيت في حائط هذه الصفة دائرة، وصورت فيها صورة الفلك وجعلت فيها طاقات لطاف.. ووصفها بنحو وصف ابن جبير لساعة دمشق وزاد عليه قوله: “ثم تطلع شموس لازوردية في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية وتدور مع دورانها وتغيب مع غيبوبتها، فاذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها، كلما تكاملت ساعة تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر ثم يبتدئ في الدائرة الأخرى الى انقضاء الليل وطلوع الشمس، وفيها يقول ذو الملكتين الناثر الشاعر عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني:
ما مثل الفلك العظيم لمبصر
في الأرض قبل إيالة المستنصر
هذا بناء معرب عن قدرة
رفعت قواعده بفعل مطهر
حسدت به الأرض السماء ولم يزل
حسد الفضائل في طباع العنصر
انظر تجد نظم الثريا في ذرا
شرفاته وضياء نور المشتري
فالأفق بين مفضض ومذهب
والجو بين مكوفر ومعنبر
والأرض حاسرة القناع كأنها
خود تبرج في رداء أخضر
وقد اشتهرت جماعات بحرفة هذه الساعات فعرفوا بالساعاتيين والواحد “ساعاتي” وعرف كل من أبنائهم بابن الساعاتي، منهم ابن الساعاتي الشاعر المقتدر المشهور “بهاء الدين علي بن رستم” وأخوه الحكيم الطبيب “فخر الدين رضوان رستم” و”نور الدين علي بن تغلب الساعاتي” وكان يتولى تدبير الساعات التي كانت تجاه المدرسة المستنصرية وابنه “مظفر الدين احمد بن علي المعروف بابن الساعاتي” وحفيده “محمد بن أحمد بن الساعاتي”، و”أبو عمرو عثمان برمكي السعدي”، قال جمال الدين بن الصابوني: “وهو كثير المحفوظ، وله اليد الطولى في عمل الساعات ومعرفة الاصطرلاب” (3).
وممن ألّف في صناعة “البنكام” تقي الدين محمد المعروف بالراصد المتوفي سنة 993 هـ فله كتاب “الطرق السَّنية في الآلات الروحانية” وكتاب “الكواكب الدريّة في البنكامات الدورية”، ومن الكتاب الأخير نسخة محفوظة بدار الكتب الوطنية بباريس وقال كشاجم الأديب الشاعر يصف البنكام:
روح من الماء في جسم من الصفر
مؤتلف بلطيف الحس والنظر
تنشاله حركات في أسافله
كأنها حركات الماء في الشجر
(1) هذا هو الأصل ومعناه بالفارسية “اناء مثقوب لقياس الأوقات” فعرّبه العرب بصورة “بنكام” وجمعوه على “بنكامات”.
(2) طبق هذا الوصف على الصورة
(3) تكملة إكمال الإكمال “ص227” طبعة المجمع العلمي العراقي ومن مطبوعاته الحديثة.