“السعدون” فقد بهجته وشاخ قبل الأوان!

443

عبد الجبار العتابي _ عدسة: صباح الامارة/

يحاول شارع السعدون أن ينهض بنفسه من بين العناءات الكثيرة التي ألمت به، خاصة في استعادته لبهجته كونه (قلب بغداد النابض) الذي يتغنى به السهار حيث تستمر أنواره مضاءة حتى تغسله إشراقات الصباح التي تمنحه تجدداً وحيوية.

لكن شارع السعدون فقد بريقه ولم يعد ذلك المكان الذي يحتل الأولوية في عيون من أعتاد أن يرتاده ويفضله عن شوارع بغداد، بعد أن خفتت أنواره وفقد بريقه وحيويته، وهجره رواده، ولم تبق سوى ذكرى جميلة لمن عرف الشارع قبل أن يشيخ سريعاً.

اختفت جماليات الشارع فلا سينمات، ولامقاه كمقاهي زمان، ومكتبات زمان، وحتى محاله التجارية، خسرت زبائنها ونقل الأطباء عياداتهم إلى شوارع أخرى.

حتى مكاتب السفر للخطوط الجوية، ومابقي من عيادات أطباء، وفنادق، ومطاعم، وكازينوهات، وحدائق وأشياء أخرى بدت حزينة وغير قادرة على إعادة الحيوية للشارع.

ساحة التحرير

من شمالي الشارع حيث ساحة التحرير والنفق والنظر إلى أفق الشارع الممتد بشكل غير مستقيم بأبنيته وألوانه وضجيجه وفي نهره زحامات السيارات، وقد لعبت الظروف لعبتها فتغيرت الكثير من ملامحه ومسراته واضمحلت الدهشة من مساءاته، فما عاد ذلك الشارع الأهم والأجمل والأكثر غناء وسهراً، واذ لابد من البدء.. فالنظر إلى مكتبة المثنى أول ما تقع عليه العيون، هذه التي نقرأ على ملامحها أحزاناً لا متناهية وقد هجرتها الكتب وجامع الاورفه لي الذي عمرته نجية عبد الرحمن الاورفه لي عام 1953 وهو مهدم بعضه حالياً وعلى ملامحه اثار الانفجارات، ومطعم تاجران وعمارة (فاطمة) والمكتبات ومزاد الحاج أحمد الصباغ وشركة الأخوان ( J BROSS CO) التي افتتحت أول مكتب ومعرض لها في شارع السعدون في بداية الخمسينات، وتستورد الأجهزة الكهربائية والبطاريات والدراجات الهوائية، ومدرسة الراهبات (العقيدة) التي لها حكاية مع رأس الشارع، فهي في الأصل كانت (ديرا) يحمل اسم (دَير راهبات التقدِمة) بني عام 1920 على أرض اهداها عبد الرحمن الاورفه لي لـ (جمعية اخوات المحبة الفرنسيات)، ويذكر العارفون أن هذا الدير ما كان يملك أي مورد مادي لادامة الحياة فيه، لذلك فكر أصحاب الشـأن في استثمار الأرض الواقعة على الشارع وذلك بطرح موضوع (المساطحة) طويلة الأجل لبناء عمارة، وبالفعل تم ذالك بداية الأربعينات من القرن العشرين وقد سميت بـ (عمارة فاتيما) تيمناً بكنيسة (فاتيما) في البرتغال التي ظهرت فيها السيدة العذراء(ع) وهي ذات خمسة طوابق مع الطابق الأرضي، لكن لافتة رفعت على باب العمارة تحمل اسم (فاطمة) واشتهرت به، خاصة بعد أن أصبحت احدى شققها مقراً لجريدة (الرياضي) وحسابات اللجنة الأولمبية آنذاك، ويذكر بعضهم أن محال العمارة شغلتها في بدايتها (كيت كات) لبيع العصائر والمأكولات الخفيفة ومحل (فلسطين اكسبريس) للعصائر والمأكولات أيضاً ثم محل (لطفي اسكندر) لتصليح أجهزة الاستنساخ والرونيو ثم محل (ميري اخوان) لبيع الملابس الرجالية ثم باب العمارة الأسود بعدها يأتي محل (جواد باقر الشكرجي) ومحل لبيع الحلويات ثم مكتبة النهضة وآخر محل كان لـ(عبد الكريم قنبراغا) لبيع أجهزة الاستنساخ، قبل أن تلعب الأزمنة والأحداث والتطورات ألعابها لتتحول محال المكان إلى مكتبات كبيرة مثل: التحرير والنهضة والكتاب العلمي والحضارة العربية والشروق ومن ثم المدى، وهو الحال الذي نال من أغلب أشياء الشارع فتحولت إلى محال أخرى مثلما اغلق البعض منها لأسباب مختلفة،و ازدهرت تجارات وتطورت بنايات.

شارع الأطباء

واشتهر الشارع أيضاً بمحال الساعات السويسرية وكان أشهرها حتى ثمانینات القرن الماضي محل الحاج ناجي جواد الساعاتي، والأطرف أن الشارع امتلك تسمية شعبية هي (شارع الأطباء) وقد أصبح الجزء الشمالي منه عيادات للأطباء منذ مطلع السبعينات وقد تواجد فيه أشهر أطباء بغداد وكذلك الصیدلیات والمختبرات، حتى صار المكان مستشفى كبيراً مفتوحاً فضلاً عن أن الرصيف اكتظ بالبسطيات ومازالت تتسع لتدخل الشوارع الفرعية.

كان الشارع في الأزمنة القديمة يسمى شارع (كلواذى)، القرية البابلية الصغيرة (الكرادة الشرقية) التي يقع بابها في منطقة (الباب الشرقي)، يقع ضمن المنطقة التي تسمى حوله بالاسم ذاته، فضلاً عن كونها خارج حدود مدينة بغداد المدورة، ومن ثم أنه يقع إدارياً خارج حدود مدينة بغداد أي بعد الباب الشرقي وسوره الذي هدمه أمين العاصمة (ارشد العمري 1887-1979) في الثلاثينات،فيما صار المكان وما حوله مناطق زراعية تقلبت عليها الأزمنة، كما يبدو، لتكون لرجل اسمه (مصطفى اغا عطفة) فاشتراها منه (عبد الرحمن افندي الرهاوي/ الاورفه لي) سنة 1821 حسب الوقفية المؤرخة في 1821 م/1237هـ / وزرعها اشجاراً متنوعة وانشأ عليها بستاناً وعرف المكان بـ (الاورفلية)، وقد تحولت أرض هذا البستان إلى منطقة سكنية في ثلاثينات القرن العشرين.

فندق بغداد

وكان لشارع السعدون حضور في واقع المحلات التي امتد على أراضيها، فهو يبدأ في محلة الاورفه ليه من مدرسة الراهبات (العقيدة حالياً) الى نهاية سينما الاورفه لي (السندباد/ الملغاة)، فيما المنطقة المجاورة هي محلة الرواف، كان المكان عبارة عن ثلاثة بساتين اشترتها خديجة خاتون بنت عبدالله آل شريف جلبي، زوجة الحاج محمد جلبي بن عبدالله الرواف، فعُرفت منذ ذلك الحين ببساتين الرواف، واستبدلت هذه الموقوفات بالنقد سنة 1930، فنهضَت على الفور محلَّة سكنية باسمها عُدَّت في حينها من الأحياء الراقية في ضواحي بغداد، يحدها من الشرق شارع أبو نواس المحاذي لشاطئ دجلة، ويشقها من الغرب شارع السعدون الذي عُبِّد بعد ذلك التاريخ بمدة قليلة، ومن أبرز المعالم الحالية فيها فندقُ بغداد الواقعُ على شاطئ دجلة، وعمائرُ كبيرةٌ أخرى، ويمتد الشارع ليشق محلة (العلوية) التي كانت عام 1924 مجرد قرية سكنها الضباط الانجليز.

شارع البتاوين

وحسب (محمود آل جمعة المياحي): كان شارع السعدون يسمى بـ (شارع البتاوين) وقد ظهر للوجود كممر ترابي يخترق البساتين وكذلك يمر بالأراضي المنخفضة، وقد أصبح له وجود أكثر مع دخول الانجليز إلى العراق بداية القرن العشرين حيث استخدم لمرور العربات التي تجرها الخيول ولم يفكر (نشاة السنوي) الذي كان رئيساً للبلدية وهو بمثابة (أمين العاصمة) في ذلك الوقت بتحديث هذا الممر بالشكل الذي ينسجم والعصر الجديد إلا بعد مجيء السيارات إلى العراق سنة 1924.

ويضيف: بدأ الاهتمام والتنظيم أكثر بهذا الشارع بعد عام 1929 نتيجة لطبيعة الحركة عليه حتى تم تبليطه بشكل حديث سنة 1953 وشيئاً فشيئاً بدأت تختفي البساتين لتظهر الأزقة والدور والدكاكين وذلك في الثلاثينات من القرن العشرين.

تسمية الشارع

استعار الشارع اسمه من عبد المحسن السعدون، رئيس الوزراء العراقي السابق الذي انتحر في 13 تشرين الأول عام 1929، حيث قرر المجلس البلدي لمدينة بغداد تسمية الشارع باسمه (شارع السعدون)، ثم وضع له في عام 1933 تمثالا من البرونز نحته وصبه في ايطاليا الفنان الايطـالي(بيتروكا نونيكا)، كان مكانه في البداية وسط فضاء اقيمت عليه (ساحة الملكة عالية / 1946) (ساحة التحرير حاليا) وكان المكان (عبارة عن (فَسحة) كبيرة تتوسطها شجرة السدرة (النبكَة) ولايوجد فيها اي تكوين يشار اليه بسبب عدم ظهور الشوارع بشكلها الحالي بشكل واضح وانما كانت عبارة عن ممرات ضيقة للمسير مكتظة بالأشجار، ثم تمّ نقل التمثال الى بداية ركن الشارع بعد انشاء جسر الملكة عالية (جسر الجمهورية) الذي تم أفتتاحه عام ١٩٥٤وعند الشروع باقامة نفق التحرير عام 1972 من قبل المقاول (سامي علوان العاني) نُقِل التمثال الى موقع ساحة النصر الحالية، وقد تعرض للسرقة عام 2003 لكن الفنان النحات طه وهيب اشتغل بديلا عنه من مادة الجبس ونصب على القاعدة ذاتها

ازدهار الشارع

بدأ تطوير الشارع في الثلاثينات من القرن العشرين، وسرعان ما برزت ملامح أزدهاره ليأخذ زمام المبادرة من شارع الرشيد الذي ضاقت محلاته وفروعه، لا سيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقد لاحت في اجوائه حركة اعمار ونشاط اقتصادي مميز، وأصبحت الشركات تفتح لها مكاتب فيه ومعارض وأصبح يشكل المكان الجديد لتجارة العراق وبدأت العلامات التجارية العالمية تغزو الشارع ومن ثم تحوله الى شارع ثقافي وسياحي فيه كل ألوان المتعة، لاسيما بعد أن بنيت سينما النصر سنة 1961، التي افتتحت بفيلم (غرام في اسبانيا) بطولة (كلين فورد, ديبي رينولدز , مارلون براندو) وكانت مقاعدها تسع 1200 شخص، وغنى على مسرحها المطرب عبد الحليم حافظ عام 1964، وازدهرت دور السينما فبنيت: السندباد والنجوم واطلس وسميراميس وبابل وسابعتهن سينما السعدون التي ما زالت ترفض أن تغلق بابها، وكل واحدة من هذه الدور تمتلك مواصفاتها الجمالية والمعمارية والفنية وكل أسباب الراحة، لكنها بدأت تتقهقر في الثمانينات وازداد سوءها في التسعينات حتى انطفأت أضواؤها وما عاد لها وجود بعد عام 2003 وتحولت الى مخازن ومكاتب ومسارح شعبية وغير ذلك.