السلك الحاسم

86

مقداد عبد الرضا /

لماذا ظلّت وستظل الدراما المحلية تتلكأ؟ من المسؤول عن هذا التراجع العجيب؟ نحن قلنا وسنظل نقول، إن تاريخ هذه البلاد؛ سواء أكان قريباً أم بعيداً يحمل في طياته الكثير من التعرجات والمنبسطات التي تؤكد حضوره الواضح عربيا، من المسؤول عن هذا التلكؤ؟ أهو الانتاج؟ أم المال والخوف عليه من البعثرة، أهو عدم القدرة على التوزيع، أم عدم الرغبة في استقبال العمل المحلي عربياً؟ عدم احترام البعض من أهل الايادي الطولى تاريخ هذه البلاد؟ هذه ألغاز بحق وتحتاج إلى فك.
بسلك رفيع شدّه بين أكرة الباب والإطار، استقر فوق كرسي منخفض بعض الشيء، استل سكيناً من جيبه، هكذا بهدوء، مررها على رسغه، انخفض قليلاً ليسمح للسلك أن يحجب الهواء عن رئتيه حاسماً أمراً ظل يشغله طوال أكثر من ثلاثين عاماً، الموت هذا الظل المفزع خلق صراعاً حاداً بين الشهرة والموهبة، لم تكن المدية والشرايين التي تقطعت سبباً للموت، بل انحسار الهواء عن الرئتين، لم يكن روبن وليامز يشعر أنّ حياته والنجاح الذي حقّقه متوافقين مع طموحاته وقناعاته، فهو يشعر أنّه أكبر من الذي حصل عليه، فتسربلت حياته بالادمان على الكحول والمخدرات وتحول كل هذا إلى كآبة حادة ثمّ موت غير مصدق، المؤتمر الذي عقد في كاليفورنيا حدّد سبب الموت بأنّه (الانتحار)، النكوص المهني سبب الوفاة الرئيس، هذا الموت التراجيدي سبب صدمة كبيرة للعالم كلّه، الرئيس باراك أوباما أرسل برقية تعزية الى زوجة ويليامز سوزان شنايدر، جاء فيها: «كان روبن وليامز متعدد المواهب، فهو طائر محلّق، وطبيب، وجني، ومربية، ورئيس وبروفسور، وكل ما يقع بين هذه الأدوار، لقد كان وليامز من ذلك النوع الذي جاء من الفضاء ليحط بعبقريته على الأرض ملامساً كل الأرواح البشرية وكل القلوب بحنو ودفء، لقد أضحكنا وأبكانا، منح موهبته التي لا حدود لها بحرية وسخاء لمن هو بحاجة، قواتنا العسكرية المرابطة في أجزاء كبيرة من العالم، ولاياتنا الكبيرة، الشوارع، الناس جميعاً، نحن باراك أوباما وعائلته نقدّم خالص التعازي الحارة الى عائلة روبن وليامز، لأصدقائه ولكل من وجد في روحه ممثلاً له).
من ناحية أخرى غرّد الممثل ستيف مارتن على صفحته في تويتر: “لا يمكنني الصمت حيال موت روبن وليامز، إنّه ذلك الشخص الرائع صاحب الموهبة الاستثنائية الذي يمتلك روحاً متميزة”، روزي ساندا كتبت: “لا استطيع أن أعثر على الكلمات التي أعبّر فيها عن حزني العميق تجاه هذه الخسارة الموجعة، إنني الآن استرجع لحظات ضحكي وبكائي مع وليامز في كلّ حياتي، في حين أكدت المغنية ليني كزافيتس وهي تضع صورة وليامز: “لقد كانت معرفتي بك شرفاً”.
ولد روبن وليامز في شيكاغو في الحادي والعشرين من تموز العام 1951 من أم امتهنت تصميم الأزياء وأب مدير عام في شركة فورد للسيارات، في عام 1973 قُبل من بين عشرين طالباً في معهد جيلارد للفنون، منذ تلك اللحظة أفصح عن موهبة كبيرة ومهمة، لا سيما في تقليد الشخصيات المهمة، حتى أنّك تستطيع أن تلحظ ذلك في فيلم جمعية الشعراء الموتى حينما استطاع أن يقلّد الممثل مارلون براندو بطريقة رائعة، وكذلك حينما استضافه مقدم برنامج ستديو الممثل الذائع جيمس لبتون، إذ قدّمه بطريقة رائعة، إنّه طاقة لا تصدّق في الكوميديا، فقد استطاع أن ينتزع الضحك بطريقة مذهلة أكثر من أي شخص آخر على مدى تاريخ الكوميديا الطويل. وفي هذا البرنامج استطاع وليامز أن يقلّد أكثر من عشر شخصيات بطريقة رائعة.
استطاع وليامز أن يضع أول قدم له في الشهرة عن طريق مسلسل تلفزيوني يحمل عنوان موروك وميندي 1978-1982، لكن هذا العمل لم يكن الأول في حياته المهنية، هناك أعمال عدة منها ريتشارد بوير شو 1977 و داخل الضحك 1977، ثمانية تكفي 1977، أميركا في الليل 1978، لكن الخطوة الأهم كانت في السينما حين قدّم واحداً من أجمل أدواره على الإطلاق، مجسّداً الشخصية الكارتونية (بوباي) لينتزع تصفيقاً طويلاً وثناء كبيراً من النقاد، هذا الفيلم وضعه في الشهرة تماماً إذ تهافتت عليه هوليوود فقدّم عملاً أكثر روعة من السابق (صباح الخير فيتنام) ذلك البرنامج الذي كان يقدّم أثناء الحرب بين أميركا وفيتنام وينتهي بـ “صباح الخير فيتنام”، حتى في اللحظة التي توقّف فيها قلب وليامز، لوّح له سلاح الطيران الأميركي معزياً بـ “صباح الخير فيتنام”، استمر وليامز بالصعود وحصل على جوائز عدة في الغولدن غلوب والبافتا، وفي عام 1989 وتحت قيادة المخرج بيتر ويير، قدّم واحداً من أروع أدواره الذي سيظل طويلاً في الذاكرة، إنّه الفيلم الأثير والرائع «جمعية الشعراء الموتى»، رشّح فيه للأوسكار كأفضل ممثل رئيس، لكن دانيال دي لويس اختطفها عن فلم قدمي اليسرى، ظل وليامز يترشّح ويحصل على جوائز كثيرة، لكن أهمها كانت جائزة الأوسكار كممثل ثانوي عن فلم good will hunting، هذا الحصول لم يكن يقنعه إذ يعتقد أنّه يمتلك طاقة أكبر وأهم، وهذه الطاقة غير مستثمرة، فدفعه هذا الحال الى الادمان منذ عام 1988.
مثّل وليامز في أفلام كثيرة تقارب 60 فيلماً، نذكر أهمها:
بوباي
صباح الخير فيتنام
العالم اعتمادا على كراب
السيدة دوبتفاير
جمعية الشعراء الموتى
Good will hunting