السيدة الأولى في العراق.. أولى في كل شيء!

481

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

تستحق السيدة صبيحة الشيخ داوود لقب السيدة الأولى في العراق فهي كانت أول طالبة حقوق وأول مدرّسة وأول قاضٍ في العراق، وواجهت في خطواتها الرائدة تلك سخرية وعداء المتخلفين في المجتمع.. والمثير للانتباه هنا أن من دعمها في ريادتها تلك كان والدها. . رجل الدين الشيخ أحمد الداوود

ضيفة الأسبوع

أول قاضية من شقيقاتك في العراق

أول قاضية في العراق الشقيق، وواحدة من الرائدات هناك، في وجهها المضيء ملاحة، وسماحة، وابتسامة تفيض بالرقة والتواضع، هذه هي ضيفة مصر هذا الاسبوع، الآنسة صبيحة الشيخ، التي سعدت بلقائها، “حواء” في جلسة قصيرة ولكنها حافلة.

إن حياتها تمثل في الواقع كفاح المرأة العراقية، وثورتها وانتصارها، فقد كانت صبيحة الشيخ أول طالبة في أول مدرسة للبنات اقيمت في العراق، سنة 1930، وفي تلك الأيام والبلاد ترزح تحت قيود الاحتلال، عارض الرجال بشدة إنشاء هذه المدرسة، ولكن والد صبيحة الشيخ أحمد الداوود، كان في مقدمة المؤيدين للفكرة والداعين لها، برغم قسوة المعارضين، وبرغم الرسائل الكثيرة الخالية من التوقيع التي كانت تصل اليه كل يوم مليئة بالوعيد والتهديد والسباب.

وعندما تخرجت صبيحة في هذه المدرسة، كانت البلاد في حاجة الى المعلمات، فعملت مدرسة في نفس المدرسة، ثم تولى العلّامة العراقي الاستاذ ساطع الحصري، وزارة المعارف فأنشأ أول مدرسة للمعلمات، وكانت صبيحة هي الطالبة الأولى بها أيضا، وللمرة الثانية في حياتها لم تكد تتخرج في هذه المدرسة، حتى عيّنت مدرسة بها.

العباءة والنقاب في الحقوق تقول صبيحة:

وفي سنة 1935 كانت قد تعددت المدارس الثانوية للبنات في العراق، ولكن لم تكن هناك مدارس عالية لهن، فأخذت بعض الخريجات يسافرن الى الخارج، وخاصة الى بيروت، لاستكمال دراستهن، ولما كنت غير قادرة على نفقات السفر والدراسة في الخارج، فقد تقدمت بطلب لدخول مدرسة الحقوق، طلبي أثار ضجة واعتراضاً من الكثيرين، ولكن القانون لم يكن فيه نص يمنع ذلك، فانتصرت في النهاية وتحقق لي أن أكون أيضا أول فتاة عراقية تدخل مدرسة الحقوق.

وكنت أذهب الى هذه المدرسة مرتدية العباءة والنقاب، وعندما أدخل الفصل أخلع النقاب وأبقى بالعباءة، وكنت الوحيدة بين مائتي طالب كانوا يضايقونني ويرسمونني على السبورة بعباءتي ويكتبون تحت الرسم “المحامية الفاشلة” ويعقدون المناظرات لمهاجمة المرأة ممثلة في شخصي الضعيف!

وأذكر بهذه المناسبة أن أحد الأساتذة، وكان يدرّس القانون الروماني، كان يقف في صف الطلبة دائماً ضدي، فانتهزت فرصة في احدى المناظرات وقلت له: ليس غريباً على العقليات المتحجرة، التي تعيش في قيود القانون الروماني، أن تعارض رغبة المرأة في أن تتعلم وتتقدم!

وقد ظللت طوال سنتين هدفاً لمضايقات زملائي الطلبة وسخريتهم من رغبة المرأة في التعليم والتحرر من قيود الحجاب والجهل..

ثم تعودوا بعد ذلك وجودي بينهم ولكنهم ظلوا حتى السنة النهائية يتجمعون عند الباب كلما رأوني مقبلة في الصباح، ثم يحيطون بي على الجانبين في موكب يرافقني حتى أدخل الفصل، وكأنني زائر بالغ الأهمية!

وفي ذلك الوقت كان معظم أساتذة الحقوق من المصريين، كان العميد هو المرحوم الدكتور محمود عزمي، الصحفي المشهور، وكان أستاذي في مادة العقوبات هو الأستاذ عبد العزيز محمد، رئيس محكمة النقض في القاهرة، وكنت الأولى دائماً في امتحانات كل عام، حتى تخرجت في سنة 1941 بدرجة الشرف، ولكني منعت من الاشتغال بالمحاماة، لم أمنع رسمياً بالطبع، ولكن رئيس الوزراء في ذلك الحين، وكان هو السيد رشيد عالي الكيلاني، عرض عليّ أن أعمل مفتشة بوزارة المعارف، فبقيت في هذه الوظيفة حتى سنة 1956.

وفي خلال هذه المدة تخرجت فتيات كثيرات غيري في الحقوق واشتغلن بالمحاماة فاشتغلت بها أنا أيضا مدة شهرين، ثم عرض عليّ منصب قاض في محكمة الأحداث، وكنت وقتئذ عضوا في أكثر الجمعيات العراقية النسائية، ووجدت أن مجال الخدمة في هذه الوظيفة أوسع منها في المحاماة، فقبلت الوظيفة وما زلت بها.

الجمعيات النسائية في العراق

وعندما سألنا الآنسة صبيحة عن عدد الجمعيات النسائية في العراق أجابت تقول:

هناك عدد كبير من الجمعيات النسائية عندنا، أولها الاتحاد النسائي الذي انشئ سنة 1945، ثم الفرع النسوي لجمعية الهلال الأحمر، وقد انشئ سنة 1933، وجمعية حماية الأطفال التي تكوّن الفرع النسائي بها سنة 1945، وجمعية بيوت الأمة التي تأسست سنة 1935، وجمعية مكافحة العلل الاجتماعية وقد انشئت سنة 1937، وجمعية البيت العربي لايواء النساء والأطفال الذين يفقدون المأوى بسبب الكوارث والحروب، وقد أنشئت سنة 1948، وجمعية الأخت المسلمة، التي بدأت نشاطها سنة 1951، ثم جمعية رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، وقد اوقفت نشاطها حكومة «نوري السعيد» في العهد البائد، ولكنها ظلت تمارس نشاطها سراً حتى قامت الثورة وتحررت البلاد.

أول الطريق

والكتاب الذي اصدرته صبيحة الشيخ في هذا العام، وعنوانه «أول الطريق» في العراق الشقيق، ومن هذا الكتاب نعرف أن والد صبيحة الشيخ أحمد الداوود، وكان مديراً للأوقاف، يعتبر من أوائل الأحرار الذين ناهضوا الاستعمار، وقد تعرض للاضطهاد والنفي، الى جزيرة «هنجهام» في المحيط الهندي، ولكن والدة صبيحة تلقت تلك الكارثة بشجاعة ورباطة جأش، وسارعت بإخفاء الوثائق الوطنية الخاصة بزوجها والتي جاء جنود الاحتلال الانجليزي يبحثون عنها في كل ركن بالمنزل، فاستقبلتهم في جرأة واستخفاف واستطاعت أن ترغمهم على العودة خائبين.

ومن هذا الكتاب القيِّم نعرف مدى التجاوب العظيم بين النهضتين في مصر وفي العراق، فقد قامت الثورة المصرية الأولى عام 1919، وقامت الثورة العراقية عام 1920، حيث خرجت المرأة العراقية الى الطريق لأول مرة لتقف مع الرجل جنباً الى جنب في كفاحه الوطني، تماماً كما فعلت اختها في مصر.

وتاريخ المرأة العراقية بعد ذلك، يكاد يكون نسخة طبق الأصل من كفاح شقيقتها المرأة المصرية، فقد واجهت العراقية نفس الصعوبات لتحصل على حقوقها، وعندما تكوّن الاتحاد النسائي في مصر سنة 1927 بزعامة هدى شعراوي، تكوّن الاتحاد النسائي العراقي. والثورة المصرية الأخيرة، اعطت المرأة المصرية حقوقها السياسية، وكذلك الثورة العراقية الأخيرة أعطت المرأة العراقية حقوقها السياسية.

مشاكلهم ومشاكلنا

تقول صبيحة إنها الآن مشغولة بتأليف كتابين جديدين، كتاب عن «دور المرأة العراقية في الثورات» يبدأ بثورة 1920 وينتهي بالثورة الحالية.. والكتاب الثاني اسمه «مشاكل الجانحين» أي مشاكل الأحداث ومشاكل الأحداث في العراق مشابهة لمشاكلهم عندنا، ولا يوجد حتى الآن شيء غير «الإصلاحية» كعلاج للأحداث المنحرفين هناك، ولكن الحكومة تعمل الآن لإنشاء الملاجئ والمدارس الخاصة بهم، كما أعدت وزارة الشؤون الاجتماعية مشروعات جديدة.

وقد لاحظت صبيحة الشيخ كقاضية لمحكمة الأحداث أن نسبة البنات المنحرفات لا تزيد على 5 حالات في كل 1200 حالة، ومن رأيها أنه يجب تطوير قانون الأحداث بحيث تحل المراقبة محل الإرسال الى الإصلاحية، فإن هذا يتيح للحدث فرصة الارتداد الى السبيل القويم، بغير أن يحمل وصمة «الإصلاحية» طوال حياته.