الشامانية في الأساطير والمعتقدات الأرواحية

118

باسم عبد الحميد حمودي /

تشغل موضوعات قائمة ومتباعدة عن أطياف الفكر الحضاري المتقدم كثيراً من علماء الأنثربولوجيا والأديان والملل والنحل القديمة ومنها البحث في (الشامان) و(الشامانية) كمعتقد أرواحي.
الشامان، ابتداءً ساحر العقيدة المتجسِّدة في مجتمع متخلف حضارياً، بالقياس الى الحضارات الإنسانية المعروفة، حيث مجتمعه يعد مجموعة بشرية قد يكون تعدادها كبيراً مثل تلك التي في جنوب السودان أو في الجزر الكورية وبعض الجزر اليابانية، ولدى شعب البوغوس في جزيرة سوليس الأندونيسية التي يقطنها ستة ملايين نسمة.
والبوغوس مجتمع فلاحي يعمل في زراعة الرز وفي التجارة بالقوارب والصنادل مع سكان الجزر الاندونيسية الاخرى القريبة.
توجد العقيدة الأرواحية الشامانية في أشكال متعددة خارج الديانات الاخرى غير السماوية، مثل البوذية والزرادشتية وتتخذ مسارات مختلفة في العبادات والطقوس، ذلك أن الطقوس الأرواحية في الجزر والمديات السيبيرية الواسعة تكاد تختلف عن عبادة (الشتو) في اليابان.
وإذا كان الكاهن الشاماني في معظم هذه العقائد وتمثلاتها رجلا يتمتع – في عرفهم – بقدرات استثنائية بشرية، فإن الشامان في كوريا الذي يسمى (مودانغ) هو مجاميع من النساء وبقدر أقل من الرجال، وذلك للقدرات الإقناعية التي تتمتع بها الشامانية الكورية التي تستخدم الرقص الإيقاعي والغناء الهامس للتأثير، وتستخدم الموسيقى الشامانية في تجمعات سييبريا الواسعة بطريقة الغمغمة مع أصوات الريح وتقليد أصوات الطيور لإيقاع الشد النفسي لدى الحاضرين من الشامان الرئيس الذي يقود هذه الاحتفالات.
وفي لغة التونجوس السيبيرية يفسّر أصل كلمة (شامان) بمصطلح (صامان) المسمّى أيضا أيفنك evenk، وهو مصطلح مأخوذ من اللغة المنغولية المنتشرة حتى حدود الصين، والكلمة مشتقة من (ص) أي المعرفة، وكلمة (صامان) معناها لديهم (الذي يعرف) وتلفظ المعرفة بالكورية (مو – مودنغ) في ديانة كوريا وهي الديانة الأرواحية التي تسمى عندهم الشينية، والشامان رجلاً كان أم امرأة هو الوسيط بين الأرواح والبشر في معتقدهم، ولكل منطقة في الكوريتين نوع من الشامان يختلف شكلاً لكن الواجبات شبه متشابهة، فهو الوسيط بين البشر والأرواح وهو الموجّه والمحدّد للوصايا والنواهي والموافقات، وهو ومن يتتلمذ عليه يقودون المجاميع وقت التعبد والرقص والحزن.
في الكوريتين نجد أن 53% من الشعبين يؤمنون بالديانات السماوية فضلاً عن البوذية، وما تبقى هم أتباع العبادة الأرواحية.
في أمريكا الشمالية أُفنيت المجتمعات المؤمنة بالشامانية جراء حملات الإبادة ضد الهنود الحمر في القرون السالفة، ولكن هناك إيمان اجتماعي متجذّر عند عوام الهنود الحمر بالمسار الأرواحي للحياة المتكونة من طبقتين: عليا تخص الأطياف والسحرة والآلهة وسفلى تخص البشر الخاضع لهذه السيطرة بمجمل التعازيم والرقصات والسير بوجه الريح المتوثبة في فضاءات الأرض.
يقول الاستاذ خوسيه كابرينسمن من جامعة فيلادفيا في مقالة له في مجلة بانس: إن علماء الآثار قد اكتشفوا عبر تنقيباتهم في مناطق الانكا كيساً جلدياً ضخماً يحوي مجموعة من العظام القديمة وأرجل ثعالب وجرذاناً صغيرة وعصا الساحر. ودرسوا هذا الكيس وسواه من أكياس الشامان الهندي الأحمر وتبين لهم أن هذه هي أدواته السحرية للتوحد مع الأرواح ولتأكيد أرواحيته وسحره، وتأثيره في مجتمعه عند استسقاء المطر أو الصيد أو أي متطلبات أخرى يريدها الشاماني من مجتمعه أو العكس.
وقد كشف الدارسون الاثنولوجيون عن أن دين أقزام البوشمن هو شاماني، أي إنهم يتحركون ضمن قدرة السحرة الأرواحيين، وهم يؤمنون بأن أبا البشر هو (تولي) الذي أنجب مع أخته (نغو لوينزو) سائر البشر (الذين هم البوشمن وسواهم)، لكن هذا الاب لا يتدخل في شؤون البشر بل ترك الامر للأشباح والرياح التي يحركها الشامان الذي تجب طاعته على الجميع.
طبول الشامان
وللشامان طبوله الخاصة التي تستخدم للتنبيه من أعداء قادمين، وعلى الأرواح المنتبهة دحرهم، أو أن يستخدم الطبل للاستشفاء عند المغول القدامى عن طريق تنشيط القلب ودفع المريض الى الحركة بمواجهة الشامان، وتصنع الطبول الشامانية من الجلود الحيوانية واليقطين ومن شجر الصبار، ويستخدم الشامان الصفارة المصنوعة من الطين المجفف ومن عظام حيوان المايا كما يستخدم الخشخشة الصوتية الناجمة عن احتكاك اليقطينة ببذورها الجافة للتنبيه والتعزيم وتحريك نشاط القلب.
ريكي زن
وتقول أكاديمية ريكي زن الامريكية إن تقنية أماديوس العلاجية تقع ضمن العلاجات الشامانية القديمة بصنع الترددات والذبذبات في الجو، بنقرات على الطبول ربما، أو العزف بالنقر على سطوح موصوفة لتخفيف الضغط النفساني عن الإنسان في حالة الكآبة.
مكتشف هذا العلاج الشاماني القديم الباحث البرتو أغواس الذي يستخدم الطبول والعزف لتحقيق الهدوء النفسي فضلاً عن مكملات غذائية يقترحها لمريضه الكئيب الموسوس، لكن ذلك لا يتشابه مع قدرات الشاماني المطلقة في قبائل الازتك والمغول والكيوكتل وسكان سيبريا وسواهم الذين كانوا يذعنون لضربات الطبل الشاماني وصفيره ويتهادون معه في حالة من الوجد الداخلي الذي يشعرهم بالصفاء.
من أساطير الشامان
مثلما يبدو اتونابشتم في المرويات والأساطير السومرية نوحَ الطوفان وجدّ كلكامش الباحث عن عشبة الخلود، يبدو (أودن) في الأساطير النوردية الاوربية راعيا للبشر، بينما تبدو سطوة (جيسوك بون بري) في الأساطير الشامانية الكورية تجربة لوجود البشر وتبريراً لذلك، وبالمقابل، فإن أساطير الأقاليم الخمسة الكورية لا تتقاطع لكنها لا تتشابه في التفاصيل بشأن خلق البشر والكون، فهناك أسطورة الفصوص الخمسة من نبات الثوم، إذ يتجمعن ويصبحن امرأة تتزوج فيكون البشر، وهناك أسطورة الفتاة الباحثة عن ولديها إذ تغدو كاهنة شامانية يتقرب اليها البشر، وهناك أساطير تسعى لإثبات التاريخ الشعبي الأسطوري للشامان في كوريا، وسائر المناطق التي يوجد فيها تأثير للوجود الشاماني، وثمة قناعة شعبية بذلك في معظم أرجاء العالم.