الشباب الخريجون.. يقطفون ثمار مشاريعهم الخاصة

36

#خليك_بالبيت

فكرة الطائي /

كلما مررت بالطريق السريع الرابط بين المحمودية واللطيفية في طريقي إلى محافظة كربلاء (أو ما يطلق عليه الطريق الحولي)، أرى خضرة الأرض مفروشة على امتداد البصر، وهناك بيوت حديثة متباعدة. تساءلت لماذا هذه الأرض مستغلة زراعياً وتسهم في إنتاج المحاصيل المختلفة وتدعم سلّة الغذاء العراقي، وفي المقابل هناك أراض شاسعة قاحلة لم تستثمر طيلة عقود؟
أنظر في وجوه الشباب من باعة محاصيل تلك المزارع على جانبي الطريق وهم يبتسمون لكل من تقف سيارته بالقرب منهم، فالواقف لابد له من أن يتبضع ما يحتاجه في البيت أو يأخذه هدية للأقارب الذين يروم زيارتهم، ولن يكون تبضعه مثلما هو في سوق المدينة أو القضاء، فعند هؤلاء الشباب كل شيء طازج لأنه قطاف اليوم والأسعار أقل من أسعار أسواق المدن.
أراضٍ خُضر
كانت البضاعة معبأة بأكياس نايلون وبعيدة عن التعرض للشمس، قادتني رغبتي في التحدث مع هؤلاء الشباب الباعة على الطريق السريع. نزل الأولاد من السيارة وراحوا ينظرون بفرح واضح إلى كل تلك الخضار المتنوعة التي تزهو على أرض الطريق. وجهت حديثي في بداية الأمر لشاب في العشرين من عمره ومعه مجموعة من الشباب أصغر منه بأعمار مختلفة: هل أنتم باعة أم أن هذا إنتاج مزارعكم؟
قال لي الشاب (قاسم)، الذي عرفني باسمه قبل أن يبدأ الحديث معي:
“ما ترونه أمامكم من فواكه وخضار هو من إنتاج مزرعتنا، نحن مزارعون ولسنا باعة على الطريق، هؤلاء إخوتي معي يساعدونني في أوقات فراغهم في السقي والكري والجني، أما أنا فأقف هنا لتسويق منتجاتنا، مع العلم أني طالب جامعي في كلية التربية جامعة بغداد المرحلة الثالثة وإخوتي هؤلاء هم طلبة في الإعدادية والمتوسطة.
* ومن يدير شؤون المزرعة؟
– والدي هو الذي بادر في إقامة هذا المشروع بعد أن جمع مبلغاً من المال ليشتري هذه الأرض، كانت البداية كما يقول صعبة، لكنه بمساندة والدتي واصل العمل في الأرض، ليرى حلمه يتحقق بعد أن فشل في تحقيق حلمه في الحصول على وظيفة.
سنوات الحرب والحصار
“لم تكن مشكلة الشباب في البحث عن فرص التعيين في مؤسسات الدولة وليدة الظرف الراهن وإن برزت بشكل واضح في الآونة الأخيرة، وإنما هي امتداد موروث من زمن النظام السابق”، هذا ما يؤكده المهندس الزراعي السيد (حميد سمير الزيدي) الذي أنشا له مزرعة أسماك في محافظة واسط. يضيف: “بعد تخرجي في كلية الزراعة / قسم وقاية النباتات والحيوانات في منتصف الثمانينيات، ثم إتمام واجب الخدمة العسكرية، لم يكن من السهل الحصول على فرصة تعيين حكومية، ولاسيما في فترة الحصار الاقتصادي، لذا مارست مهناً عدة لا علاقة لها باختصاصي الزراعي.”
* لكن هذا ضياع لسنوات الدراسة وخسارة للاختصاص..
– قد يكون كذلك إذا ما بقينا على هذه الحال، لكن الظروف الصعبة تتطلب من الإنسان التكيّف من أجل مواصلة العيش في انتظار أن تأتي الفرصة المناسبة، وجاءت هذه الفرصة بعد عام 2003 لاستثمار أراضٍ زراعية في منطقة سكناي خارج العاصمة، وعملت مع بعض الشركاء على تحويلها إلى أحواض لتربية الأسماك ، وتمكنت بالعمل الجاد والمثابرة من تطوير هذا المجال في منطقتي واستقطاب العديد من الشباب للعمل وبالتدريج.
*وما النتائج الإيجايبة للمشروع؟
– من النتائج الإيجابية لهذا المشروع الخاص أننا لمسنا في مشروعنا هذا أنه أسهم بسد حاجة العاصمة من الأسماك.
* لكن أرى في المشروع إضافات أخرى غير أحواض السمك؟
– هذا صحيح، فبعد أن كنا نشتري الأعلاف من معامل تصنيع العلف، عملنا على افتتاح معمل خاص بنا لتصنيع العلف بغية اكتمال المشروع واختزال التكاليف وذلك بغية تحقيق التكامل الاقتصادي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المشروع.
*من خلال تجربتك العملية في المشروع الخاص بماذا تنصح شباب اليوم؟
– أدعو الطلبة من خريجي كليات الزراعة والطب البيطري إلى ممارسة اختصاصتهم عملياً، لأن مثل تلك المشاريع تعمل على تطوير الزراعة والثروة السمكية وتربية الحيوانات كالدواجن والأبقار والعجول وتوفر فرص عمل للكثير من العاملين في هذا المجال.
أسعى الى تطوير مشروعي
أفرحني جداً كلام الدكتور عباس محمد سلمان “خريج كلية الطب البيطري” وهو يعمل داخل مشروعه الصغير لتربية العجول في منطقة سدة الهندية، إذ بادرني بالقول “هذا مشروع صغير لتربية العجول والأغنام، بدايته قبل سنوات كانت بسيطة جداً، بعد أن تمكنت من شراء قطعة الأرض الزراعية (2دونم) والتي أتمنى من خلالها أن أطور هذا المشروع في المستقبل إلى مشاريع إنتاجية عدة تخدم أبناء المنطقة.”
* كيف بدأت الفكرة؟
– بعد تخرجي في كلية الطب البيطري وجدت نفسي عاطلاً عن العمل، لم أقبل بهذا الوضع وفتحت عيادة بيطرية، ومن خلال هذه النافذة الصغيرة تعرفت على الكثير من العوائل الفلاحية في المنطقة، وأحببت إصرارهم على العمل في الزراعة وتربية الحيوانات، كما وجدتهم قانعين بحياتهم البسيطة، لذا فكرت مع نفسي: لماذا لا أخطو خطوتي الأولى في البحث عن أرض لإقامة مشروعي الخاص؟ هذه الفكرة لاقت الترحيب من أهلي جميعاً ووقفوا معي ليكون ما حلمت به مجسداً على أرض الواقع.
*والآن كيف تنظر إلى مشروعك هذا؟
– أنظر إليه بفرح كبير، فهو الوليد الذي يكبر خطوة فخطوة، وهو المشروع الذي أطبق فيه كل خبرتي العلمية التي زودتني بها دراستي الجامعية لكي يكون مشروعاً منتجاً ونجاحاً يخدم أهالي المنطقة.
دعم الإنتاج المحلي
تركنا محافظة واسط وأحواض الأسماك وتوجهنا إلى بغداد، فهناك عند ذراع دجلة أقام السيد (علي أحمد)، خريج كلية الطب البيطري، مشروعه الخاص بتربية الدواجن، وهو أيضاً حاله يشبه حال أقرانه من الخريجين الذين لم يحظوا بفرصة التعيين في دوائر الدولة، ليستثمر اختصاصه في إنجاح مشروعه الخاص. قلت للسيد علي:
*متى فكرت في إنشاء مشروعك هذا؟
– بعد أن تعبت من الحصول على فرصة عمل في مؤسسات الدولة، ولاسيما الدوائر البيطرية التي تعنى بصحة الحيوانات والأمراض الانتقالية بين الحيوان والإنسان، وبعد أن كان تعييننا مركزياً للارتقاء بالثروة الحيوانية، صرنا نستجدي الوظيفة ولا نحصل عليها، تعبت من وضعي وأنا شاب أعيش عبئاً على أهلي الذين تعبوا وقدموا لي كل التسهيلات للدراسة والنجاح والتخرج في الكلية. حاصرني هذا الوضع الصعب وحفزني على زحزحة الجدار، كما يقال ، وفكرت أن أستثمر ما أخذته من علم في الكلية طيلة خمس سنوات دراسية وأطبق ذلك عملياً، ساندني الأهل في تنفيذ هذه الفكرة.
* ما المصاعب التي واجهتك أثناء التنفيذ؟
– المصاعب ليست بالقليلة، بدأت من توفير الأرض لإقامة المشروع، فضلاً عن مستلزمات المشروع من أبنية وأعلاف وقاعات نظيفة وصحية ووسائل تدفئة وتبريد وأعلاف وأدوية ولقاحات لغرض إنجاح المشروع وإدامته وتعويض بعض الخسارات التي تحدث من جرّاء هلاكات الأفراخ بسبب الأمراض التي تصيبها.
* بعد أن أصبح حلمك واقعاً، ما الرسالة التي تريد إيصالها إلى الآخرين؟
– أتمنى أن تدعم الحكومة الإنتاج المحلي وأن تقوم بحماية المنتج الوطني ولاسيما أن مشاريعنا في الآونة الاخيرة، في مناطق مختلفة تضررت من جرّاء الاستيراد العشوائي من دول الجوار وهو ما تسبب بأضرار كبيرة في مشاريعنا الإنتاجية.