الشيخ (بِشر الحافي).. زاهدُ بغداد ومتصوّفُها

261

#خليك_بالبيت

عامر جليل إبراهيم – تصوير: حسين طالب /

يعدّ “بِشر الحافي”، علَماً من أعلام الإسلام ممن عرفوا بالزهد، وعالماً من علماء التصوف في القرن الثالث الهجري.
يقع مرقده ومسجده في منطقة الأعظمية على ضفة نهر دجلة في جانب الرصافة من العاصمة بغداد بجوار جامع ومرقد الإمام أبي حنيفة النعمان.
“مجلة الشبكة”, وفي سعيها للتعريف بالأماكن الدينية السياحية في العراق, زارت هذا المكان والتقت السيد عبد الرحمن محمد العيساوي مدير قسم السياحة الدينية في دائرة الأضرحة والمقامات والمراقد في ديوان الوقف السنّي.

اسمه وسيرته
يقول السيد العيساوي: اسمه أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي. كانت ولادته في سنة 150هـ، سكن بغداد ومات فيها متردداً على حلقات العلم والعلماء والمحدثين، وكان مضرب الأمثال في الزهد والورع ومن عباد الله الصالحين وأعيان الأتقياء الورعين, وأول أجداده دخولاً في الإسلام أسلم على يد الإمام علي بن أبي طالب (ع). يضيف السيد العيساوي: اتسم بشر الحافي بعقل راجح وفكر نيِّر، وكان يحفظ لسانه من التكلم بغير ما يرضي الله تعالى، وقد شهد له أهل زمانه بذلك، وهو أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري وصاحب القاضي الفضيل بن عيّاض, وقد تواتر عن بعض المشايخ المصاحبين له، ومنهم عبد الرحمن بن أبي حاتم، قوله: بلغني أن بشر بن الحارث الحافي قال: رأيت النبي (ص) في المنام فقال لي: يا بشر أتدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: باتباعك سنّتي وخدمتك للصالحين ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي وهو ما بلّغك منازل الأبرار.
عرف عن بشر الحافي أنه كان لا يلبس نعلاً بل يمشي حافياً، فجاء يوماً إلى باب فطرقه فقيل من ذا؟ فقال بشر الحافي، فقالت له جارية صغيرة: لو اشترى نعلاً بدرهم لذهب عنه اسم الحافي. قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى إسكافي فطلب منه شِسعاً لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس! فطرح النعل من يده وخلع الآخر من رجله وحلف أن لا يلبس نعلاً أبداً.
كانت لبشر ثلاث أخوات، وهن: مضغة, ومخّة, وزبدة, وكنّ زاهدات عابدات ورِعات، أكبرهن مضغة ماتت قبل موت أخيها بشر فحزن عليها حزناً شديداً وبكى بكاءً كثيراً فقيل له في ذلك فقال: قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا قصّر في خدمة ربّه سلبه أنيسه، وهذه أختي مضغة كانت أنيستي في الدنيا.
شيوخه
يضيف السيد العيساوي أنه سمع الحديث من إبراهيم بن سعد, وحمّاد بن زيد, وابن المبارك أحمد الدورقي, ومحمد بن يوسف الجوهري, وسري السقطي, وإبراهيم بن هاني النيسابوري.
ثناء العلماء عليه
يقول السيد العيساوي: بدأ الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) ترجمة بشر الحافي بقوله: وكان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد, وتفرّد بوفور العقل وأنواع الفضل وحسن الطريقة واستقامة المذهب وعزوف النفس وإسقاط الفضول. قال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتمّ عقلاً منه, ولا أحفظ لساناً منه, ما عرفت له غيبة لمسلم. ذكر أحمد بن علي الدمشقي يقول: قال لي أبو عبد الله بن الجلاء: رأيت ذا النون, وكانت له العبارة ورأيت سهلاً وكانت له الإشارة, ورأيت بشر بن الحارث وكان له الورع، فقيل له فإلى من كنت تميل؟ فقال لبشر بن الحارث.
ولبشر الحافي الكثير من الأقوال والحِكَم منها في الحكمة والحث على التقوى أنه سُئل عن القناعة فقال: لو لم يكن في القناعة شيء إلا التمتع بعز الغناء لكان ذلك يجزي ثم أنشأ يقول:

أفادتني القناعة كلّ عزٍ وهل عزٌّ أعزّ من القناعة
فصيِّرها لنفسك رأس مال وصيِّر بعدها التقوى بضاعة
تحُز ربحاً وتغنى عن بخيل وتنعم بالجنان بصبر ساعة

قال بشر: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحبّ أن يعرفه الناس. قيل لبشر بأي شيء تأكل الخبز فقال: أذكر العافية وأجعلها إداماً. وقال: عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه، ومن طلب الدنيا فليتهيأ لذل. وقال: الحلال لا يحتمل السّرف.
وفاته:
وعن وفاته يقول السيد العيساوي: توفي بشر الحافي في بغداد يوم العاشر من محرم سنة 227هـ، ولما مات كانت جنازته حافلة جداً حتى أنه أُخرج من بيته بعد صلاة الفجر فلم يوضع في قبره إلا بعد صلاة العشاء.
تفاصيل المسجد والمرقد.
يحدثنا السيد العيساوي ويقول: إن مساحة المسجد والمرقد الكلية هي حوالي 600 م ومساحة الحرم 200م وغرفة القبر 3×3م وتوجد طارمة وغرفة لإدارة المسجد، ومن ضمن المسجد توجد دار بحدود 200م لخادم المسجد ومنارة من الحديد النحاسي ارتفاعها 9م، وللمسجد باب واحد خارجي وللحرم باب داخلي وللمرقد أيضاً باب داخلي.
يضيف العيساوي: يزور هذا المقام عامّة الناس من جميع المذاهب ومن الدول الإسلامية كافّة، وفي المستقبل له توسعة من ضمن أعمال إعمار الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.

النسخة الألكترونية من العدد 360

“أون لآين -3-”