الصورة النمطية للمرأة ودورها في المجال التقني

57

#خليك_بالبيت

رفاه حسن /

ما زالت المرأة في كثير من المجتمعات، وفي المجتمعات العربية منها بنحو خاص، تعاني من الأمية الأبجدية، إلا أنها دخلت في دوامة جديدة أكبر وأكثر تعقيداً تتمثل في الأمية الرقمية.
ومع أن المصطَلَحَين يبدوان متقاربين جداً، إلا أن هناك فرقاً واحداً بينهما، فالأمية الأبجدية تعني عدم القدرة على القراءة والكتابة، أما الأمية الرقمية فهي تتعدى تمكّن المرأة من استخدام التكنولوجيا الرقمية والوصول إليها، إلى مدى استفادتها من الخدمات والتسهيلات والفرص التي تقدمها هذه التكنولوجيا إليها، وبعبارة أبسط يمكن أن نقول أن الأمية الإلكترونية تعني أن الإنسان تتوفر له تكنولوجيا معينة يستطيع الوصول إليها بشكل دائم، إلا أنه لا يعرف كيف يستخدمها بالشكل الصحيح، أو كيف يستثمر كل الخدمات التي تقدمها. ولنضرب مثالاً بسيطاً على ذلك، فأغلب النساء يمتلكن اليوم هواتف ذكية بمواصفات عالية، لكن استخدامهن لا يتجاوز الاتصال أو التصفح على مواقع التواصل الاجتماعي لعدم إدراك غالبيتهن كيفية استثمار هذه التكنولوجيا المتوفرة بين أيديهن. وتعود هذه الفجوة بين المرأة والعلوم والتقنيات المتوفرة لديها إلى كثير من الأسباب، لكن أهمها وأكثرها تأثيراً هي (الصورة النمطية للمرأة في المجتمع) التي لا تؤثر في النساء فقط، بل في المجتمع بكل فئاته وعلى الأصعدة والمراحل كافة، انطلاقاً من المراحل الدراسية التي أثبتت دراسات كثيرة أن 50% من النساء يتراجعن في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بسبب نظرة المجتمع إلى المرأة على أنها غير قادرة على الخوض في هذه المجالات لأنها مخصصة للرجال. وعندما تم اختبار مجموعة من النساء وأُبلغنَ أن هذا الاختبار لقياس معدلات الذكاء بين النساء والرجال، كانت نتائج النساء متدنية بالنسبة لزملائهن من الرجال. بعد ذلك، حين جرى العمل على اختبار آخر ولم تُذكر فيه أية مقارنات عن معدلات الذكاء، بل تم تقديمه كاختبار عادي، حصلت النساء على علامات مقاربة جداً لعلامات الرجال في الاختبار نفسه، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على مدى تأثير الصورة النمطية على النساء وكيف أن الأسرة والمدرسة والمجتمع كانوا جزءاً فعالاً في زرع هذه الفكرة في نفوس النساء والرجال على حد سواء، الأمر الذي أدى إلى محدودية الفرص المتوفرة للنساء وتقليص تفاعلهن في مجالات نظام STEM وهو اختصار للاختصاصات الأربعة؛ العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مع أن كثيراً من النساء حين وُفرت لهنّ الفرصة كاملة دون التأثير عليهن بأي شكل من أشكال التحيز الذي تمارسه مجتمعات كثيرة لصالح الرجل وضد المرأة، فإن كثيراً من النساء أظهرن تميزاً وبراعة ومهارة عالية في العمل والالتزام والإبداع تفوقت في بعض الأحيان على الرجل الذي يظن هذه المجالات حكراً عليه.
من جانب آخر، نجد أن المرأة لا تأخذ حقها من الأدوار القيادية وأن التسلسل الوظيفي للمرأة لا يرتقي دائماً بقدراتها وإمكانياتها وخبرتها، والسبب أن كثيراً من المجتمعات لا تعترف بدور المرأة القيادي وتحصر دورها في مهمات التخطيط والتصميم والتنفيذ بعيداً عن اتخاذ القرار، وهذا يؤدي إلى انحسار الأفكار والافتقار إلى التكامل الذي يَنتج من تشارك الأفكار واتخاذ القرار بين كلا الجنسين. لكن من المؤسف أن المرأة، وعلى الرغم من كفاحها الكبير لتبني مكانة لها في المجتمع، ومثابرتها لتكون عنصراً فاعلاً على كل الأصعدة، إلا أن دورها ما زال مرتبطاً بالأمومة ومسؤولياتها، فكثيرون يظنون أن التزامات المرأة هذه كفيلة بتعطيل مسيرتها المهنية، وأن بعض الوظائف تكون مناسبة لها ولوضعها أكثر من غيرها من الوظائف التي تستلزم كثيراً من الوقت والالتزام وتحيطها ظروف عمل صعبة، ولكن كان الأجدر أن يتم توفير البيئة المناسبة للمرأة بدلاً من الحكم عليها وعلى قدراتها بهذا النحو الجائر، فكثير من النساء قادرات على التوفيق بين عملهن وحياتهن الخاصة بشكل رائع لو توفر لهن قليل من الخدمات مثل توفير حضانة للأطفال بأسعار مناسبة وغيرها من التسهيلات التي لا تؤثر في المؤسسة ولكنها تؤثر في انتاجية النساء بشكل واضح.
في النهاية لا يمكننا أن ننكر أن لدينا كثيراً من النساء العراقيات والعربيات اللاتي تغلَّبن على تلك الصورة النمطية المحيطة بجنسهن، وكسرن كل تلك التوقعات المحدودة لقدراتهن وحققن إنجازات ونجاحات كبيرة في هذه المجالات يشار لها في كل العالم بالبنان، ونذكر هنا المهندسة المعمارية العراقية الراحلة زها حديد التي تقول “حاربني الغرب لأنني عربية وحاربني العرب لأنني امرأة” ومع ذلك تبقى زها حديد أيقونة ومثالاً وقدوة للمرأة الناجحة في العالم.