الضيافة الحسينية وعمّتنا النخلة على لائحة التراث العالمي غير المادي لليونسكو

289

د. حسن عبد راضي /

من الأخبار القليلة السارّة هذه الأيام، نفذ إلينا عبر الصفحة الرسمية لوزارة الثقافة على الفيسبوك خبر إدراج الضيافة في زيارة الأربعين (المواكب) والنخلة في العراق على لائحة التراث الإنساني غير المادي لمنظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، بطلب من العراق وموافقة دول عدة.
في البدء .. ناقوس إنذار
ويأتي هذا الإجراء في وقت تتراجع فيه حظوظ العرب والمسلمين من النتاج الثقافي والعلمي الإنساني، وتستعر اضطرابات سياسية واحتجاجات في عدد من الدول العربية والإسلامية، ويعيش العالم العربي على وجه الخصوص حالة من التردي الثقافي والعلمي بسبب تهالك البنى التحتية للمنظومات التربوية والتعليمية، واعتمادها أساليب عفّا عليها الزمن، إذ لم تعد تلك المنظومات قادرة في السير على المضمار نفسه -ناهيك عن المنافسة- مع ما يجري في العالم من تقدم على الأصعدة كافة.
يبدو ما أقوله هنا مختلفاً قليلاً، فالمناسبة سعيدة والمتوقع أن نحتفي أكثر بها دون تبكيت، ودون ما يبدو أنه جلد للذات، لكن لا بد من قرع أجراس الخطر، إذ تبدو مساهمتنا نحن العرب في البناء الحضاري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي العالمي ضئيلة بالقياس إلى شعوب أخرى، وليس ذلك بسبب نقص فينا، أو عدم جدارتنا، لكنه نتيجة حتمية للتغييب المنهجي للعقل العلمي النقدي، وشيوع التعليم التلقيني في كل المراحل التربوية والتعليمية، ناهيك عن التناحر السياسي عند عتبات النظم السياسية، وحتى الديمقراطية لم نتمكن من هضمها وتمثيلها على نحو صحيح.
الضيافة ثقافة
يحتفل العراقيون كل عام بذكرى استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، منذ مطلع محرم حتى العشرين من صفر ذكرى الأربعينية، وفي هذه الأيام، ولا سيما الأربعينية تُقام المواكب على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء من كل الاتجاهات، ويتوجه عشرات الملايين من الناس، عراقيين وغير عراقيين، مسلمين ومن ديانات أخر إلى كربلاء المقدسة تعبيراً عن تضامنهم مع قضية الإمام الحسين وثورته الاجتماعية ضد الظلم، في مسيرة هادرة يتجسد فيها العشق في أبهى صوره وأبعدها عن المنفعة الشخصية وأكثرها تكريساً لقيم الإيثار والتضحية والجود، ويبدو أن السخاء، الذي يظهر لمن يشهدون تلك التظاهرة الكونية مبالغاً فيه، هو تعبير يراد به إظهار عظمة التضحيات التي قدمها الإمام الحسين في ثورته، وعدم رضوخه للظلم، فـ”الجود بالنفس أقصى غاية الجودِ”، لذلك فإن ما يجري في الأربعينية لا يمكن اختزاله في طعام وشراب وخدمات أخر، أو حتى بوصفه طقساً دينياً صرفاً، بل يتعدى ذلك ليتجذر في الوجدان العراقي ظاهرة استعادية للتضحية، ذلك أنك قد تجد من لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكنه يجتهد لكي يُسهم ولو بأضعف الإيمان في مراسم البذل والفداء والإيثار التي تنخرط بها جموع عشاق الإمام الحسين ومحبيه، ضيوفاً ومضيفين.
حدثتني إحدى السيدات العراقيات الفاضلات أنها كانت قد انخرطت في دورة تدريبية وكان المدرب كندياً، وتنقل عنه أنه لما سئل: ما الذي تعلمته من تجربتك في العراق، وما الذي ستحدث به الناس في بلادك؟ كان جوابه: المواكب، ويضيف أنه سار في طريق الزائرين وكان واضحاً من سحنته أنه أجنبي، لكن لم يكن لذلك أي تأثير سلبي، بل بالعكس، لقد بالغ أصحاب المواكب في الحفاوة به وإكرامه، ولقد ترك هذا الأمر انطباعاً رائعاً عنده، فقد رأى كيف يتصرف هؤلاء الناس بعفوية، وكيف يعبِّرون عن حبهم لعقيدتهم بإشاعة المحبة والإيثار بين الناس من دون النظر إلى خلفياتهم الدينية أو القومية، وكل ذلك مجاناً بغير مقابل.
الحب هو السخاء
يروي زائرون من بلاد عربية وأجنبية كيف أنهم تلقوا -وهم يسيرون في مسيرة الأربعين المدهشة- جرعات هائلة من الشعور بالحب النقي المجرد من أي زيغ أو نفع، وبرغم الأعداد الهائلة من السائرين في طريق الحرية ذاك، وتنوع أعراقهم ومشاربهم الثقافية، ورغم سعي الإرهابيين الدائب لقتل الزائرين وترويعهم، ولا سيما في سنوات الجمر التي عبرها العراق شامخاً رغم جراحاته الكثيرة، إلا أن ما لاحظوه على المواكب والقائمين عليها، هو أن ثمة عاطفة خفية تربط الجميع هنا، وانتماء غير منصوص عليه في أية وثيقة رسمية، هو الانتماء إلى قيم العدالة والمحبة والتسامح والألفة وقبول الآخر، ولعمري إنها تلك القيم التي تحاول النظريات السياسية والجمهوريات الفاضلة، ناهيك عن اليونسكو، الدعوة إليها في أدبياتها المختلفة وإشاعتها بين بني البشر..إنها موجودة هنا بكثافة وتلقائية.
عمّتنا النخلة
يقول المعرّي في واحدة من لزومياته التي خص بها العراق وأهله وماءه ونخله:
كلِفنا بالعراق ِونحنُ شرخٌ فلمْ نلممْ بهِ إلاّ كـــــهـــولا
وردنا ماءَ دجلةَ خيرَ ماءٍ وزرنا أشرفَ الشجرِ النخيلا
والحق إن النخلة والعراق ليسا شيئين متباينين، بل يمكن القول إنهما شيء واحد، فالنخلة هوية عراقية أصيلة وعريقة، وقد كان العراق طوال تاريخه البلد الأغنى بأشجار النخيل، والأكثر تنوعاً في أنواعه وألوانه المختلفات، لولا أن الحروب التي أدخله فيها نظامه السياسي السابق جرفت كثيراً من بساتين النخيل، وجرف الإهمال والطمع والفساد ما بقي منها بعد 2003.
فالنخلة لدى العراقيين ليست شجرة مثمرة حسب، بل لها خصوصية تميزها عن سائر الشجر، فقد رافقت العراقيين منذ مطالع تاريخهم الأولى، وتظهر رسوم النخلة في الآثار والرقم الطينية والمنحوتات التي تركها الأسلاف منذ آلاف السنين، وهي مصدر مهم من مصادر غذائهم، ولها فوائد أخر أسهمت في حيازتها هذه المكانة الاجتماعية، فمن خوصها يصنع الناس الكثير من الأشياء كالسلال والمراوح وأطباق الخبز العريضة وسواها، ومن سعفها يصنعون الأقفاص والكراسي وبعض الأثاث، هذا فضلاً عن قلبها الأبيض الناصع الذي يسمى “الجمّار” الذي يُعد من أفخر الأطعمة اللذيذة ذات المذاق الحلو الخفيف.
وختاماً، هل لنا أن نتمنى على الدولة ونهيب بها أن تحمي هذه الشجرة المباركة التي سمّاها الرسول الأعظم (ص) “عمّتنا النخلة” من جرائم التجريف والإبادة الظالمة التي تتعرض لها؟ هل لنا أن ننقذ ما تبقى من بساتين النخيل، حفظاً لماء وجوهنا، إذ ليس من المشرّف أن نطالب العالم بإدراجها على لائحة التراث الإنساني غير المادي، ثم نرضى أن تتحول بساتين النخيل – بدافع الطمع المتوحش- إلى أحياء سكنية بعد تجريف النخيل أو سقيها مادة النفط الأبيض لقتلها وجعل ذلك ذريعة للتجريف وتحويل جنس الأراضي من زراعية إلى سكنية أو حتى السماح بالبناء في الأراضي الزراعية.