العالم المظلم لصراع الديكة.. بشر يتسلون بعذاب حيوانات اليفة

316

ترجمة: آلاء فائق/

في يوم هادئ على خلاف العادة بمقاطعة بالي الإندونيسية، وجدت نفسي واقفا وسط حشد للرجال تفوح منه رائحة العرق جراء انهماكهم بترقب احدى نزالات صراع الديكة غير الشرعية. كوني الشخص الأبيض الوحيد بينهم، تركت لديهم تساؤلا عن جدوى وجودي بينهم.أعرف أن العديد منكم، ممن سيقرأ مقالي هذا سيستشاط غضبا ولكم كل الحق بذلك،
فصراع الديكة هي من الرياضات غير المحبذة لدى العديد من الدول، ولكن واقع الأمر ان الكثيرين من الرجال يتحمسون ويستمتعون لمشاهدة هذا النوع من النزالات. حقيقة انا نفسي كنت اشكك بوجود هكذا نزالات قاسية، رغم كوني اعرف بوجودها، لكني فكريا اتظاهر بعدم وجودها واتمنى لو ينال من يروج لها الحكم بالسجن المؤبد. ومع ذلك، فعندما كنت أقف مع بقية الرجال لمراقبة اثنين من الديكة المتصارعة حد الموت بعرض عنيف جدا، اضطررت لإعادة تقييم كامل وجهة نظري على الحقيقة، وخاصة الجانب المظلم منها، وهو اختياري ببساطة تجاهل وجود هكذا قسوة لدى رجال يتسلون بعذاب حيوانات اليفة..

مباراة الموت الدموية

كثيرة هي البلدان التي لا يحصل فيها فقط نزالات صراع الديكة، لا بل يحظى هذا النوع من النزالات بشعبية كبيرة أيضا. ويرجع جزء من هذه الشعبية للجانب الاجتماعي وهو التجمع كل أسبوع لمشاهدة الديكة، والجانب الآخر هو جانب المقامرة، والتي كما نعلم جميعنا هي من المسببات الرئيسية للإدمان.

لم يدر بخلدي يوما أنني سأشهد ‘رياضة’ من هكذا نوع ولكن لقاء عابرا جمعني مع سائق إندونيسي دعاني لصالة لعب كرة الطاولة، ومن ثم لبيته ومن بعدها ذهبت معه لحضور مباراة الموت الدموية التي حدثت بعد جولة قصيرة بالدراجة البخارية بقرية ريفية فقيرة الحال.
بعد انتهائي والسائق مادح (كثير من الرجال بإندونيسيا يحملون هذا الاسم) من لعب كرة الطاولة، أخبرني انه يروم العودة لبيته ليدرب أحد ديوكه استعدادا للمعركة القادمة. وكأن آذاني قد ثقبتا من وطئ ما سمعته للتو؟ سألته ما يقصده بذلك، فطلب مني مصاحبته للمكان كي ارى بنفسي، ولكوني متفرغا بذلك اليوم، قبلت.

بالطريق اخبرني واصبت بالذهول لدى علمي أن الديك، هذا المخلوق الزاهي الألوان يتعرض لقطع عرفه ولغده وشحمة أذنه بالسكين او المقص الحاد لتهيئته لخوض نزالات دامية تيقنت من ذلك اكثر برجوعي للنت وتبين ان المراد منه هو مطابقته مع معايير الجمعية الأمريكية لديكة المصارعة ونادي مصارعة الديكة الإنكليزي القديم وكذلك لمنع تجمده بالمناخات الباردة

معسكر نظامي لتدريب الديكة

بدا المشهد أمامي وكأنه معسكر نظامي لتدريب الديكة، بت اتخيل الناس وهم يجلبون ديكتهم المحبوبة لمعسكر مادح ويبقوها لبضعة أسابيع عنده لتأهيلها لخوض النزال، بعدها يستلموها ليغدقوا عليها بمحبتهم ومودتهم.
غير أن هذه الصورة سرعان ما تلاشت لدى رؤيتي لشفرات مادح ومجموعة مخدراته. أظهر لي حافظة، شبيهة بحافظة بطاقات البوكيمون لكنها مليئة بمختلف أنواع الشفرات الحادة، كما يبدو أنه يروم تثبيت احداها بمهامز الديك على جانبي سيقانه قبل القتال. بعدها اراني خزانة المخدرات والتي تضم مختلف انواع القناني، يقول ان من شأن هذه المشروبات تعزيز قوة الديك ورفع قدرته على التحمل. كدت اصاب بالانهيار لدى رؤيتي المنظر، لكنه طمأنني بأنه لم يستخدم المخدّرات بعد الان، لأن ديكته اصلا تتلقى اعلى مستويات التدريب..

حضور النزال

اوصلني لمنزلي واخبرني أنني إذا ما أردت رؤية النزال، فسيأتي لاصطحابي، لذا اتفقنا على الاجتماع بغضون يومين.
تتضمن كل معابد مقاطعة بالي مراسيم لنزالات اجبارية للديكة تتم لهذا الغرض، لكنها لا تقام على كونها رياضة، كما لا يجوز المقامرة فيها، لذا تعتبر شرعية. لكني التمست، وحسب وجهة نظري ان الغرض من مصارعة الديكة هو ليس اراقة الدماء لتعد رمزيا قربانا دينيا للأرواح الشريرة، ولكنها ببساطة تراق من أجل الترفيه..

مضى يومان، رن جرس هاتفي. مادح كان بالخارج، يتكأ على سيارته ويدخن سيجارة. بينما نحن بالسيارة في طريقنا لحلبة صراع الديكة، أخبرني انه يزهو فخرا لأن صراع الديكة جعله يربي اقوى الديكة التي تظفر بالبطولات. وقال لي أيضا أن الديكة في بالي هي ظهير الرجال الأقوياء بالقرية.

ما هي سوى دقائق قليلة، قدم رجل آخر للحلبة ووضع قفصه بجانب قفص مادح. كان ديك الخصم اضخم بكثير وريشه أسود فاحم كالقطران، سرعان ما التهب حماس الرجال.

بدا الديكين متناظرين بقوتهما، ومؤلفان لدى الجميع. تقابلا وجها لوجه، هل تريد المراهنة على الأبيض او الأسود على غرار فلسفة الين أو اليانغ الصينية؟ يبدو أنه لا يهم، ولكني يحدوني أملا بأحراز ديك مادح البطولة.

تعالت صيحات الجمهور والديكان اختلطا سوية مع إحساسك بحرارة الشمس التي بدأت تحرق جلدي ومنظر الديكين المستعدين للقتال حتى الموت، وتعكس الشفرات الفضّية الموضوعة في ساقيهما حرارة شمس ما بعد الظهر. رن الجرس للمرة الثانية وترك المساعدين الديكة ليباشرا النزال. هجم احداهما على الآخر بسرعة مذهلة. تناثر ريشهما بكل مكان وتمكنت من رؤية الشفرات وهي تقطع احداهما الآخر وتريق الدماء..
مشى رجل بحذر تجاههم، ماسكا قفصا كبيرا ووضعهما داخله، هز القفص للأمام وللخلف، ما أيقظ الديكة. قفز الرجل بالقفص من حلبة النزال. كان الديكان يقطران دما. اندفعا على بعضهما البعض اخر مرة، وبعد ذلك توقفا. ساد الصمت المكان. تمكن كلاهما من طعن الآخر بالشفرات المثبتة بسيقانهما، بقيا دون حراك. لقد ماتا.

انتهى النزال بالتعادل. وقفت بحالة ذهول وصدمة من المشهد برمته. ما الذي شاهدته للتو؟ لم أستطع التخلص من شعور أن الدم كان على يدي، وشعرت بالاشمئزاز كوني اتيت للتسلية غير آبه بمصير هذين المسكينين..

مايكل كانينغهام، عن/ مجلة بريس