العيش في الخيال أيام زمان

745

 عامر بدر حسون/

للعامة عناية خاصة بالقصص وولع شديد باستماعها، وهم يتلذذون بها تلذذ الأطفال بأحاجي العجائز.. فلا يجلسون في مقهى من مقاهي الفن – كما يقولون- لاستماع المحدث القصصي، حتى يكونوا في آداب طلاب الجامعات حين تلقى عليهم المحاضرات، الا انهم اشد حباً للمحدث واعجابا به وتقديرا لنبوغه واعترافا بجميله من الطلبة لاساتذتهم!

وقد رأيت ان اقضي وقتا في احدى مقاهي الفن التي يجتمع فيها شعراء العوام ورواة أخبار البطولة والفروسية، كما يصفهم العامة، لارى مبلغ ذلك الشعور الذي يستحوذ على عقول القوم، فذهبت الى قهوة منعزلة تقع بالقرب من شارع النحاسين بالقاهرة، وما كدت اقترب من الباب حتى رأيت المكان غاصا بالمستمعين، وجلهم من أرباب الحرف والصناعات وعشاق الشعر العامي والرواية الخرافية، فلم أر بدا من الجلوس بجانبهم مرغماً، وفي سبيل صاحبة الجلالة الصحافة يهون كل شيء..! وكم كانت هذه فرصة سعيدة، لو ان القصصين يدققون في الوقائع ويتحررون شطرا قليلاً من اوجه الحقائق، وينشرون بعض المعلومات الصحيحة، ولكن انى لهم ذلك وهم من العامة، لا يمتازون عنهم بشيء الا بالمامهم القليل بمبادئ القراءة ومعرفة الحروف الهجائية!

القصصيون

في مصر نوع غريب من الرواة القصصين يرتزقون من هذا العمل ليلاً، وهم يربحون مبالغ كبيرة واكثرهم يتلقى التعليم على يد الذين سبقوه في المهنة بملازمتهم عاما أو عامين ومساعدتهم في العمل والنيابة عنهم شهرا أو شهرين، ثم بعد ذلك يكونون صالحين للعمل بانفسهم! ويشترط في طلاب هذا النوع من العلم! شروط خاصة، ومزايا شخصية، منها المقدرة على الاختلاق والتوسيع في الخيال المنطقي بقدر ما يستطيع، فلا يخونه البيان في منتصف المرحلة، فضلاً عن التمثيل بالاشارة. والحركة واليد كما يقتضي الأمر، وفي كل هذه الظروف يشترط ايضاً ان لا يعتوره الخجل فيكون ضعيفاً اكثر من اللازم! واكثر القصصين يعدون بالنهار ما يلقونه على المسامع في الليل، وجلهم له في النهار حرفة أخرى، كبواب في مسجد أو بائع كتب، أو صاحب حانوت صغير، أو حوذي، ومنهم من لا حرفة له غير رواية القصص، وجميعهم يعرفون باسم الشعراء!! واشهر القصص ثلاثة: قصة الظاهر بيبرس، عنترة بن شداد، وابو زيد الهلالي سلامة، وهناك قصص أخرى لكنها عديمة الأهمية لانها لا تستولي على مشاعر الأميين ولا تروق لهم.

وقصة الظاهر بيبرس من أشهى القصص واغربها، فكثيراً ما سمعت من الروايات ولكني لم اسمع في ليلة ما سمعته في تلك الليلة! ولا عجب فالشيخ، أو الشاعر، أو المحدث، أو سمه كيف شئت، يقرأ قصة الظاهر، في عامين كاملين، وله قدرة خاصة على التمثيل، فهو ان جاء ذكر بطل من العجم انقلب الشيخ ميرزاخان، أو على ذكر رجل من الترك كان من آل عثمان، وان جاء على ذكر “حشاش” فهو ذلك الحشاش المدمن! وكثيراً ما يحمل سيفاً من الحديد ويضرب به على خشبة قريبة منه أو حديدة مستديرة في يده الأخرى، فاذا ما جاء الحرب انتصب واقفاً وصاح معلناً نشوب الحرب باعلى صوته قائلاً:

-الحرب قامت يا فرسان.. استعدوا جميعاً للميدان.. هل من مبارز.. هل من مناجز.. اين السيوف والأبطال.. الفوارس والكواسر.. اين الشجاعة اين الخيول!

اين البرجاس!؟ والخ

يفعل ذلك كلما جاء في القصة دور بطل صنديد، أو فارس عنيد.. وهو يخلط الفكاهة العذبة بالخيال المجوني، بالأكاذيب الملفقة، بالتاريخ الخرافي، بالنكات المبتكرة، وبذلك يدع مجالاً لادخال السرور الى نفوس المستمعين! ويقطع الشاعر أو المحدث، القصة عادة عند موقف مؤثر يستدعي حضور الناس في الليلة القادمة، واشهر ابطال هذه القصة، كما يسميهم الشاعر بلغته، ابراهيم بن حسن حامي القلاع! وسعد بن اين ديل طريبسان، والملك معروف، وشوحه جمال الدين! وولي الله عثمان، واللعين جوان، والوزير شاهين بن الافرم وغيرهم!
وتختلف قصة عنترة عن قصة الملك الظاهر اختلافاً كبيراً، فان عنترة عند العامة ليس هو ذلك الشاعر الذي حدثنا التاريخ عنه، شاعراً فحلاً ورجلاً قوي البأس، وانما هو مقتلع الأشجار العظيمة بيساره، وهو يعدو فوق صهوة جواده، وقاتل رجال القبائل في لحظة، ومورد العباد الى موارد الفناء والتهلكة حينما كان يحمل دبوساً زنته قنطار!! وهو من يخشى صوته الأسد! وتهتز له الأرض اذا مشى! الى غير ذلك من مختلف الألقاب والنعوت، ولقصته ابطال وفيها غرام كما ان قصة الظاهر لا تخلو من الغزل واحاديث العشاق!! أما قصة ابي زيد، فأشهر من ان تعرف غير ان الذي يقصها يسمى شاعراً عند العامة، والذي يقص قصة الظاهر وعنترة يسمى “محدثاً” والمحدث في قصة الظاهر لا يستعين بالكتب، بل يحدث الناس حديثا من كان مع الظاهر، وعاش حتى عاصره، بخلاف قصة عنترة، فقارئها يتلوها في كتاب لما فيها من كثرة الأشعار الحماسية والغراميةَ!!

عوائد المستمعين

ولكل بطل من ابطال هذه القصص انصار من “فتوات” الحي و”جدعانه الفناجرة” فابراهيم بن حسن مثلاً له انصار! والملك معروف له انصار، والجميع يعرفهم رواد المقهى، والخصومة بينهم تكاد تكون اشد من الخصومات السياسية بين الأحزاب المصرية!! فاذا افاض المحدث في ذكر محامد بطل من هؤلاء الأبطال تبرع انصاره للمحدث بالمال، وصفقوا وتحمسوا وفرحوا ببطلهم! حتى اذا جاء دور البطل الثاني، قام حزبه مهللاً واحدث في المقهى ضجة وجلبة وقام من بينهم من ينادي بالانتصار ويبشر اعداء حزبه بالاندحار، فترتفع اصوات بالمواقفة والاستحسان دلالة على المفاخرة والمباهاة، بينما يقوم الفريق الآخر بالقاء كلمات السباب وترديد عبارات الهجو والتجريح!!
وكثيراً ما تقع حوادث جنائية من جراء هذا التنافس على البطولة الموهومة بين هؤلاء الانصار! فهم لا يكتفون بكلمات السباب وعبارات المديح، وانما يبرهنون على شجاعتهم وفتوتهم ومحافظتهم على عهد فارسهم باستعمال العصي والسكاكين، فلا تنجلي معاركهم الا عن قتيل أو جريح، أو فاقد النطق أو مفقود العين أو مهشم الأعضاء!! ومن عادات المستمعين ان يحضروا الى المقهى البلدي جماعات جماعات، فيجلس كل فرد مع اعضاء حزبه في مكان خاص به، وسرعان ما يزدحم المكان بوفود هذه الأحزاب!!

نظام مقهى القصص

ومن غريب أمر هذه المقاهي، ان كل مقهى فيه محدث يزدحم بالجالسين ليلاً ولا يزوره في النهار احد، وهذا بخلاف المقاهي الأخرى! فاذا ما مر الانسان في النهار على احدى مقاهي هذا النوع من الاحاديث والشعر الغريب، حسبها حانوتاً لا بضاعة فيه الا صاحبه، وصاحبه يظل نائماً فيه طوال النهار، حتى اذا تناول طعام العشاء للسهر والرياضة رأيت عمال المقهى لا يفرغون من العمل حتى يفرغ المحدث، فاذا انتهى قام الناس، فكأن هذه المقاهي ما هي الا قاعات واسعة لالقاء محاضرات في التاريخ القصصي..!

مصر الحديثة المصورة7/4/1930