الفلامنكو الإسبانية.. الرقصة ذات الجذور العربية

37

ترجمة: آلاء فائق /

يتصبب العرق المتدفق من شعر راقصي الفلامنكو الأساسيين، يتميز الراقص بفراهة قامته وقوامه الممشوق، بينما تدق قدماه على المنصة الخشبية في أحد المقاهي الإسبانية الصغيرة، يقف بجانبه عازف الكيتار الذي يدق بأصابعه بقوة وعصبية شديدتين، بينما تصفق أمامهما إحدى راقصات الفلامنكو، فهذه هي طريقة الرقص المعتمدة!.
يبدو أن غرفة المقهى تهتز بينما يتصاعد الأداء لذروته الغاصة بالفوران والحيوية. إنها ليلة نادرة للفلامنكو في واحدة من آخر تابلوهات برشلونة العاملة، في هذا التابلو كانت تعرض رقصة إسبانيا الرمزية المعبرة عن الحب والخسارة والألم. حرصت تابلوهات إسبانيا -طيلة عقود طويلة- على إبقاء جذوة الحياة متقدة لهذه الرقصة الفولكورية، لكن الموجات المتعاقبة للجائحة أغلقت العديد من هذه التابلوهات، ما هدد رزق راقصيها، على الأقل في هذه الفترة الحرجة من حياتهم وتسببت لهم بآلام حقيقية ترسخت لديهم طيلة أيام الجائحة.
الفلامنكو
رقصة الفلامنكو تعكس أعراف وتقاليد النظام الاجتماعي الغجري، حيث تهمش المرأة، ولكن في رقصة الفلامنكو فإن الأمر مختلف، فهي تعبّر عن هيمنة ودور النساء، إذ تبدأ الرقصة بالراقصات ثم يلتحق بهن الرجال.
ليس ثمة يقين عن أصل كلمة الفلامنكو؛ وقد يعود تاريخها إلى منتصف القرن الـ19، وأثيرت فرضيات عدة عن احتمال أن يكون اسمها يحمل معنى (الفلاح المنكوب)، الذي أصبح بلا أرض، فاندمج مع الغجر، وأسس ما يسمى برقصة الفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم الذي يشعر به الناس بعد إبادة أرضهم وثقافتهم، بينما يربط البعض أصل التسمية بطائر) النحام) الوردي.
جذور الفلامنكو العربية
يحتفظ الفلامنكو -حتى الآن- بجذوره الشرقية، كالاعتماد على الحنجرة في الغناء والطابع الشرقي في تأليف الموسيقى المعتمد على الهارموني العربي، كما هو معروف في العزف العربي على العود. ترجع أصول الفلامنكو العربية إلى وجود العرب المسلمين في الأندلس قرابة الثمانية قرون؛ فقد جلبوا معهم ألحاناً ومقامات وآلات، كما وفد إليها العديد من الموسيقيين العرب، وعلى رأسهم زرياب.
إسبانيا والفلامنكو
رقصة الفلامنكو ترمز إلى هيبة إسبانيا الفنية من موسيقى وأداء حركي، لكنها لم تحظ بالاعتراف حتى أواخر القرن العشرين، لأنها بدأت بسيطة كفن وضيع ارتبط بالغجر، الأدنى ترتيبا في الطبقة الاجتماعية، لكن منذ بداية العام 1860 خطت رقصة الفلامنكو أولى خطواتها نحو الانتشار خارج حدود الأندلس التي استوطنها الغجر لتنتشر في جميع مدن إسبانيا الكبرى.
‘اِحذر ما تتمناه’
قبل تفشي كورونا، كانت برشلونة واحدة من أكثر مدن العالم التي يؤمها الزوار من كل حدب وصوب. اشتكى سكان إسبانيا المحليون من استيلاء السيّاح على شوارعهم وقاتلوا لوقف تحويل مبانيهم إلى فنادق Airbnb الخاصة بخدمات تأجير أماكن الإقامة، لكن التدفق الأجنبي جعل برشلونة غنية نسبياً ودعم تدفقهم طيلة عقود من الزمن صناعة ثقافية وفنية نابضة بالحياة، اليوم، حتى وسط المدينة التاريخي تشعر أنه مهجور.
راقصو الفلامنكو ليسوا المتضررين الوحيدين
يتقاسم عمال الضيافة آلام راقصي الفلامنكو وغيرهم من الفنانين، فقد أغلقت 80 بالمئة من المقاهي والمطاعم أبوابها في الشوارع التي كانت مزدحمة ذات يوم. كانت (رسكي نيكل) مرشدة سياحية على مدى 12 عاماً، لكن لم يعد لديها يوم واحد من العمل مدفوع الأجر منذ آذار/مارس الماضي. تقول نيكل: “إنها مقولة نموذجية، كن حذراً مما تتمناه، لأنه من ناحية نرى المزيد من السكان المحليين يستعيدون المساحات التي طردوا منها لأنه لم يكن هناك ما يلبي احتياجاتهم.”
تأثير الجائحة على أصحاب المطاعم
(هيلينا غاريغا)، صاحبة مطعم، كانت تدير ذات مرة مطعمين وتوظف 20 موظفاً حتى أجبرتها الجائحة على إعادة ترتيب أعمالها من جديد. تقول “إن النزول إلى وسط المدينة ورؤية نصف المتاجر فارغاً ليس ما يتمناه السكان المحليون أيضاً”.
كانت معظم جولات الصحفيين تنتهي بنهاية اليوم فيGarriga’s Kitchen ، وهو مطعم كاتالوني تقليدي بُني حول شفاطات الصودا التي يبلغ عمرها 145 عاماً، التي كانت من الأعمال العائلية الأصلية، ازدهر المطعم منذ عام واحد فقط، لكنه مغلق الآن أمام رواده. في أوائل العام 2020، كان لدى هيلينا غاريغا مطعمان و 20 موظفاً، لكنها اضطرت لإغلاق الموقعين والسماح لجميع موظفيها بالرحيل. تقول هيلينا: “لقد كان قراراً صعباً، لكن الآن بعد أن شاهدت كيف يحدث كل شيء، أعتقد أن الوقت قد حان بالنسبة لي للتوقف عن القتال وإعادة النظر في عملي.”
تركت المطعمين وفرّغت نفسها الآن لبيع المنتجات الطازجة والأطعمة محلية الصنع من مطبخ Garriga، في ليالي الجمعة، تجلس في المطعم الفارغ المغلق، في انتظار العملاء لتسلم الطرود الخاصة بهم. لكن بدلاً من الشعور بالاكتئاب، بسبب الأواني غير المستخدمة وعقود من تذكارات الأوقات الأفضل من حولها، تقول إنها سعيدة لأنها لا تزال قادرة على خلق “تجارب طعام”. تقول: “عندما لم أكن أعرف ما الذي سيحدث لعملنا، كان شعوري ثقيلاً”. “كنت اقول لنفسي، يا إلهي، ما الذي سيحدث لحياتي المهنية، لقد كنت أفعل هذا منذ 12 عاماً، كيف يمكنني تغييره الآن؟” “الآن بعد أن أصبحت لدي رؤية إلى أين أنا ذاهبة، أشعر بالخفة والهدوء والإثارة حقاً.” يذكر أن إسبانيا فرضت إغلاقاً صارماً لمدة ثلاثة أشهر عندما ظهرت الجائحة لأول مرة، جعل هيلينا أكثر تصميماً على المضي في عملها رغم كل الصاعب.

/ABc ليلي مايرز