القصرُ العباسي .. طرازٌ معماريٌ فريدٌ في هندسته

37

عامر جليل إبراهيم – تصوير: حسين طالب /

يمثل القصر العباسي أحد المعالم الأثرية في بغداد، الذي يعود إنشاؤه إلى ما قبل 900 عام، ويعد نموذجاً فريداً في فن العمارة الإسلامية، وقد شيد القصر على نهر دجلة بجانب الرصافة في منطقة باب المعظم.
تثير زخارف القصر وأسلوب هندسته المتخصصين بفن العمارة، وذلك للجهد المبذول في نحت تلك الزخارف والتزيينات المعمولة بأيدي أمهر الحرفيين في بغداد في تلك الحقبة الزمنية.
حال دخولك من بوابته الفخمة، تدرك أن هذا القصر صمم لحكام وأمراء تلك الحقبة، فالزخارف المختلفة في داخل الغرف وخارجها تظهر الكثير من روعته وجماله وتنوع أساليب زخرفته، فقد استخدمت الفسيفساء والحجر المحفور والتقطيعات الرخامية والطينية وزينت بها جدران القصر وسقوفه، كما استخدمت المقرنصات التي صنعت من قطع آجرية على شكل صفوف.
يرجع زمن بناء القصر إلى أواخر العصر العباسي، ويعود بناؤه إلى نهاية القرن الخامس للهجرة، ويتألف من ساحة كبيرة يحيطها رواق من طبقتين، ويحتوي على مجموعة من الغرف الصغيرة، وفي الجانب الجنوبي ممر عالي السقف يصل ارتفاعه إلى ٩،٥م وطوله ٢٦،٧٠ م، كما أنه يضم أربع قاعات من جهته الشرقية، أما في الجهة الشمالية فثمة إيوان كبير بارتفاع ٩ م وطوله ٨،٥ م وعرضه ٥ م يتوسط هذه الجهة. أما الجهة الغربية فتتكون من تسع حجرات تعلوها تسع غرف أخرى، وهي مشابهة للجهة الشرقية.
تقول المتخصصة بالآثار الاسلامية كرامة هاشم عبد الرضا إن هذا الأثر عمره ٩٠٠ سنة، وهو مبني من الآجر، ويتكون من ٤٠ غرفة تتوزع على طابقين. ومن أجمل الخصائص المعمارية والفنية للقصر العباسي سمك جدران القصر الذي يزيد على المتر، وهذا يجعل البناء غير حار في الصيف ولا بارداً في الشتاء، مع ارتفاع سقوف بعض أجزائه مثل الإيوان ومسجد الصلاة والممر والقاعات التي تقع خلف الغرف الصغيرة وتطابق البناء، وهذا ما أعطى البناية نوعاً من الفخامة والهيبة وانتشار العقود المنفوخة المدببة وزخارف الأرابسك بشكل فني رائع.
تتابع السيدة كرامة حديثها:
وقد اختلف علماء الآثار عما إذا كان هذا الأثر قصراً أم مدرسة، وذلك لوجود تشابه بينه وبين المدرسة المستنصرية من ناحية التخطيط المعماري ومن ناحية مواد البناء وزخارف الأرابسك ووجود الإيوان، لكنه أصغر حجماً، فيما يرى آخرون من علماء الآثار والمؤرخين أن البناية هي قصر، وذلك لوجود رواية تقول إن الرحالة ابن جبير رأى الخليفة يصعد من منظرته للقصر، وكان بيت ابن جبير قريب من الأثر، كذلك لاحظوا خصوصية في المدخل الرئيس للأثر، إذ يطل على النهر وفيه نوع من الإزورار في الدخول، وهذا يعطي المكان خصوصية واستقلالية عند الدخول، كما توجد أربع قاعات كبيرة خلف الغرف الصغيرة، يرجح أنها كانت لشخصيات بارزة ومهمة، كذلك سقفت الممرات في الطابق الأرضي بشكل فني رائع، وطبيعة البناء -بشكل عام- توحي للداخل أنها بناية خصصت لشخصية خاصة وليست عامة.
أضافت السيدة كرامة أيضاً:
في الفترة العثمانية اصبح البناء جزءاً من القلعة العسكرية واستخدم كمخزن للسلاح، وسمي بالبارود خانة. في عام ١٩٣٤ قامت دائرة الآثار والتراث بإجراء أعمال الصيانة له بإزالة الأبنية المستحدثة التي شوهت معالمه وإظهاره وبنائه بنفس المواد القديمة واستمرت أعمال الصيانة والترميم فيه لسنوات عدة، وفي عام ١٩٤٢ استخدم القصر العباسي كمتحف إسلامي لعرض القطع الأثرية الإسلامية من سامراء والموصل.
وسواء أكان قصراً أم مدرسة، فهو يبين لنا نهضة العراق في العمارة والفن منذ آلاف السنين.