القضاة السومريون يصدرون حكمهم في قضية

221

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

عزيزي القارئ.. أضع بين يديك الآن جريمة، نعم جريمة حفظها لنا تاريخنا القديم، والجريمة هي جريمة قتل وقعت في بلاد سومر “القسم الجنوبي من بلاد الرافدين” قبل ما يقرب من أربعة آلاف سنة، وقد نظر القضاة السومريون في مدينة “نفر”، إحدى المدن السومرية المهمة، في هذه القضية وأصدروا حكمهم فيها.

ولحسن الحظ، فقد عثرت إحدى البعثات التنقيبية على نص محضر الجلسة والقرار الذي أصدرته المحكمة بخصوص هذه الجريمة، وقد تضمن المحضر اسم القتيل وحرفته وكذلك اسم زوجته وأسماء القتلة وحرفهم إضافة الى أسماء الأشخاص الذين أبدوا آراءهم في الجريمة أثناء انعقاد الجلسة كما تضمن ملخصاً للجريمة وقرار المحكمة فيها.

ففي سنة 1850 قبل الميلاد أو ما يقرب من ذلك، ارتكبت جريمة قتل في بلاد سومر، إذ أن ثلاثة رجال أولهم الحلاق (كو-انليل) وثانيهم البستاني (انليل-اننام) وثالثهم مجهول الحرفة يدعى (ننا-سك) قتلوا رجلاً يدعى (لو_اننا) الذي يشغل وظيفة في أحد المعابد.
إلا أن القتلة، لسبب غير مذكور، أخبروا زوجة القتيل المدعوة (ننا-دادا) بأن زوجها قد قتل، ولكن ما يدعو الى الاستغراب حقاً أن الزوجة كتمت سرهم ولم تخبر السلطات بذلك.

غير أن يد القانون كانت، حتى في تلك الأيام، طويلة وأمينة.

فسرعان ما عرضت الجريمة أمام الملك (اور-ننورثا) في عاصمته مدينة (ايسن)، فأحال القضية بدوره الى مجلس المواطنين في مدينة (نفر) للنظر فيها، بصفته محكمة العدل.

وفي المجلس نهض تسعة رجال نذكر منهم “دودو” و”بوزو” و”لو كال-كان” فحمل كل منهم على المتهمين، وكان مجمل ما قالوه “إن الذين يقتلون رجلاً لا يستحقون الحياة.” ومن ثم طالبوا المحكمة بتنفيذ عقوبة الإعدام، ليس بحق القتلة الحقيقيين فحسب، وإنما بحق الزوجة أيضاً لأنها بقيت صامتة بعد علمها بمقتل زوجها، وهكذا فإنها تعتبر شريكة في الجريمة بعد ارتكابها.

وعندئذ نهض رجلان يدعى أحدهما “اوبار-سن” وردّا على من سبقهما في الكلام دافعين التهمة عن المرأة. وكان دفاعهما: أن المرأة لم يكن لها ضلع في جريمة قتل زوجها وأن صمتها لا يبرر اعتبارها شريكة في الجريمة بعد ارتكابها ولذلك فقد طالبا المحكمة بتبرئتها.
وأخيراً اتفق أعضاء المجلس مع الدفاع وقرروا تبرئة ساحة الزوجة وإدانة الرجال الثلاثة بعقوبة الإعدام.

وُجد محضر هذه المحاكمة مكتوباً باللغة السومرية على لوح من الطين اكتشفته في سنة 1950 بعثة تنقيبية مشتركة من المعهد وجامعة بنسلفانيا. وقد درس اللوح وترجمه الى الانجليزية كل من الأستاذين كريمر وجاكبسون.

وبالرغم من أن ترجمة بعض الكلمات والعبارات السومرية الواردة في اللوح مازالت موضع شك، فإن المعنى الجوهري للنص مضبوط بصورة معقولة، ثم أن إحدى زوايا اللوح قد تلفت. غير أنه من الممكن إعادة السطور المفقوة من كسرة صغيرة هي نسخة أخرى من نفس المحضر اكتشفتها بعثة متحف بنسلفانيا في مدينة “نفر”، ولهذا فإن وجود نسختين من نفس المحضر يدل بأن قرار مجلس “نفر” في قضية “الزوجة الصامتة” قد ذاع صيته في كل المحافل القانونية السومرية باعتباره سابقة قانونية مشهورة.

وبعد أن تمت الترجمة رأى الأستاذان كريمر وجاكبسون أنه من المناسب مقارنة هذا الحكم بما يكون عليه قرار حديث في قضية مشابهة فارسلا الترجمة الى المرحوم اوين ج. روبرت عميد كلية الحقوق في جامعة بنسلفانيا حينئذ، سائلين عن رأيه فيه.

لقد كان جوابه ذا أهمية عظيمة، لأن قضاة عصرنا الحاضر يتفقون في هذه المسألة القانونية مع القضاة السومريين وأن القرار كان واحداً، اذ قال أن المرأة لا يمكن أن تكون مذنبة، كشريك في الجريمة بعد ارتكابها وفق قانوننا، لأن الشريك في الجريمة بعد ارتكابها ليس فقط أن يعرف بأن الجريمة قد ارتكبت وإنما يجب أيضاً أن يتسلم، يريح، يطمئن أو يساعد المجرم.