الكهرباء.. مالنا وما علينا

26

أنسام الشالجي /

في هذا العدد سنخرج من ورش العمل، سواء عن بعد أم في المكتب، وسنضع جانباً مشاكلنا الخاصة وأسلوب حياتنا الفردية ونتوجه إلى مشكلة تسيطر على حياتنا الجمعية أو المجتمعية، وتؤثر سلباً أو إيجاباً في مزاجنا الشخصي وعلى تصرفاتنا، سواء في البيت أم خارجه.. وأقصد مشكلة الكهرباء.
الموضوع ليس دفاعاً عن الفاسدين وأصحاب القرارات غير المدروسة قطعاً، بل عن الخدمات التي يتحمل مسؤوليتها المواطن مع الجهات المختصة بنسب متفاوتة. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فإن نظافة المناطق السكنية والأسواق تكون نسبة مسؤولية المواطن فيها أكثر من النصف، أما في مشكلة الكهرباء فإن مسؤوليته تكون أقل من الربع، لكنها مؤثرة أيضاً..
هذا الموضوع ليس تحقيقاً أو استطلاعاً ميدانياً، بل هو قراءة ومحاولة لإيجاد حل، ربما عبر الندوة التي عقدناها (عن بعد)، ولاسيما بعد تحذير وزارة الصحة من دخول العراق في الموجة الثالثة من الوباء، تحدث الحاضرون فيها عن أزمة الكهرباء وكيف يسهم المواطن بحلها.
#ماكو_كهرباء
بدأت الندوة بالإشارة إلى الوسم (#ماكو_كهرباء) الذي أصبح الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، بدءاً من مطلع تموز مع انقطاع الكهرباء في غالبية المحافظات، عدا الشمالية، إذ أشار المستخدمون إلى المبالغ الخيالية التي تُصرف على هذا القطاع وإلى أنها تكفي لإنشاء مشاريع عملاقة توفر الطاقة للعراق والمنطقة كلها، كما أشاروا إلى مخاطر الإرهاب الذي يستهدف الأبراج الناقلة للكهرباء، وإلى المناكفات السياسية التي يدفع المواطن فاتورتها، والمحاصصة المقيتة التي أوصلتنا إلى هذه الفوضى..
العشوائيات
اتفق الحاضرون على أن إحدى (مساهمات) المواطنين في تقليل ساعات التجهيز تكمن في العشوائيات. بجولة في بغداد وحدها، سنجد عشرات الأحياء العشوائية، التي تحول بعضها إلى مدن صغيرة تضم آلاف البيوت والأسواق والمحال المختلفة والمطاعم وكراجات غسل السيارات، أصحابها يسحبون الكهرباء من الأعمدة الناقلة للطاقة بدون موافقات. وتقدر التقارير الرسمية أن نسبة الهدر الذي تتسبب به هذه العشوائيات في بغداد والمحافظات كافة تتجاوز ثلث الإنتاج الكلي، ولا ننسَ الإشارة إلى بعض المعامل والحقول التي أسست في العشوائيات تجاوزاً وتتسبب في هدر الطاقة أيضاً..
القوائم
(مساهمة) أخرى من المواطن وهي عدم دفع أجور الكهرباء. قال أحد الحاضرين إن جاره يرفض دفع الأجور بذريعة الفساد المستشري في قطاع الكهرباء! وإنه سبق له أن ناقشه بأن عدم دفعها فساد أيضاً، وإن على المواطن أن ينفذ واجبه، لكن جاره أجابه بحدّة: “نعم المواطن ينفذ واجباته رغماً عنه إذا حصل على حقوقه كافة، ولاسيما في قطاع الخدمات!”
شخصياً، شاركت في التظاهرات صيف ٢٠١٥ التي كانت ضد الفساد، وفِي الأسبوع الثالث قررت أن أسأل عدداً من المتظاهرين إن كانوا يدفعون أجور الكهرباء؟ ومن بين ٣٠ متظاهراً ومتظاهرة، كان جواب ٢١ منهم أنهم لا يدفعونها، ولم أناقشهم، لأن الفساد جعل بعض الناس يفقدون الثقة، ربما هناك من يعتقد أن مبالغ أجور الكهرباء لا تساوي شيئاً أمام مليارات الدولارات أو تريليونات الدنانير التي صرفت لتحسين خدمة الكهرباء التي لم تتحسن، ولأن المواطن لم يشاهد مسؤولاً فاسداً حوكم أو عوقب، فبدوره أصبح غير مبالٍ، فما الحل؟
المحاصصة
تداول الحاضرون الحديث عن المحاصصة التي من جرائها توزع الفساد بين الجميع لدرجة أنْ لا أحد يتمكن من محاسبة الآخر، وللمواطن الناخب (مساهمته) فيها حين صوّت على أساس الدين والمذهب والقومية، أو على أساس العشيرة والمنطقة، وليس على أساس الكفاءة والسمعة، واتفق الجميع على أمنية أن تختلف الانتخابات المبكرة المقبلة عن سابقاتها بالتصويت للمعروفين بكفاءتهم ونزاهتهم..
التعيين
حين أعلنت اللجنة البرلمانية الخاصة بالتحقيق في تعاقدات وزارة الكهرباء نتائجها في كانون الأول الماضي، كشفت أن “حجم الإنفاق الكلي في وزارة الكهرباء منذ عام ٢٠٠٥ ولغاية عام ٢٠١٩ بلغ أكثر من ٨١ ملياراً و١٩٤ مليون دولار.”
وجاء في رد الوزارة: “لكن نحن نعتقد في وزارة الكهرباء أن ما صرف على قطاع الكهرباء يتناسب وحجم البنى التحتية الموجودة على الأرض، إذ أن كل الأموال المخصصة للكهرباء تنقسم إلى قسمين: فمنها موازنات استثمارية وأخرى تشغيلية وشراء الوقود وتغطية الرواتب وشراء الطاقة المستوردة.”
الندوة ناقشت طبعاً الفقرات الواردة في الجواب وتوقفت عند (مساهمة) المواطن وهي الإصرار على التعيين الذي استغلته الكتل أثناء الانتخابات بتعيين الآلاف. وأصبحت هذه الوزارة مثقلة بعشرات الآلاف من المعينين على الملاك الدائم والعقود والأجور اليومية لدرجة أن بعضهم لا يجد مكاناً للجلوس في دائرته، فيما حال الكهرباء يقول إن هذا العدد غير المنطقي من العاملين ما هو إلا بطالة مقنعة. وما يزال المواطن يطالب بالتعيين غير آبهٍ بأن حصوله على راتب بدون أداء أي عمل هو فساد حقيقي، وما يزال هناك من يعلن استعداده لدفع (رشا) للتعيين وإن كان على الأجور رغم علمه المسبق بأنه سيتسلم أجوره بدون أي عمل.. هل هناك حل؟ نعم، بعودة الروح إلى القطاعين الخاص والمساهم.
وأخيراً
ينبغي أن لا ننسى ترشيد الاستهلاك، فكلما كان استهلاكنا بحجم احتياجاتنا فقد ننعم بساعات تجهيز أكثر.. أقول (قد) لأنني مثلكم لا أعرف متى نتوصل إلى حل لمعضلة الكهرباء..