الليلة الكبيرة قبل مئة عام

777

 عامر بدر حسون/

هذا التحقيق الذي نشرته مجلة الدنيا المصورة عام 1930 هو وثيقة صحفية وتاريخية بالفعل.
فهو مكتوب بطريقة وصفية مذهلة لادق التفاصيل التي شهدها المحرر في الاحتفال الذي تشهده مصر، والقاهرة خصوصا، بمناسبة ميلاد الامام الحسين )ع( كل عام.
وقد تغيرت مصر عبر العقود المنصرمة.. وتغيرت في السنوات الأخيرة،
خصوصا حيث يجري التضييق على الاحتفال حد اغلاق جامع الحسين من قبل الازهر كي لايتم الاحتفال، كما جرى مؤخرا.
لقد خلد الفنان صلاح جاهين والفنان سيد مكاوي ذلك الاحتفال باوبريت العرائس الشهير (الليلة الكبيرة)
(الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة
ماليين الشوادر يابا من الريف والبنادر)
وربما نشأ جيل عربي يعرف الأوبريت ويسمع بالليلة الكبيرة والليلة الصغيرة والليلة اليتيمة وهو لا يعرف ان الليلة الكبيرة عند المصريين هي ليلة مولد الامام الحسين.
هنا نص الريبورتاج الذي نشر في 21 / 9/ 1930

احتفال الشعب بمولد الحسين الشريف في القاهرة

حي الحسين والمظاهر الغريبة الفخمة التي تحوطه طول مدة الاحتفال بالمولد الشريف

مصرع الحسين

لما مات معاوية وتولى بعده ابنه يزيد وبايعه المسلمون خليفة عليهم خرج سيدنا الحسين فيمن خرجوا عليه ولم يبايعوه، وارسل اليه اهل العراق يدعونه الى الحضور عندهم ليبايعوه خليفة عليهم، بدلا من يزيد بن معاوية، فارتحل اليهم الحسين باهله وأولاده وعشيرته ونفر من اصحابه وانصاره، ولكن يزيد اوعز الى عامله في العراق ان يقفوا في وجه الحسين ويدعوه عن عرضه فوقع بينه وبينهم قتال عنيف استشهد فيه سيدنا الحسين وكل أولاده الا واحداً كما استشهد معظم اهله واصدقائه، وقد اقتطع عامل يزيد رأس الحسين وذهبوا به الى مولاهم الذي أمر بدفنه – بعد ان ظل في قصره حينا- في عسقلان
ولما ملك القدس الافضل بين امير الجيوش دخل عسقلان وبحث عن المكان الذي دفن به الرأس الشريف حتى اهتدى اليه حمله في احتفال فخم رائع الى اجمل دار في عسقلان ثم بنى له (للرأس) مشهدا حليلاً وحمل اليه الرأس وهو سائر على قدميه وكان ذلك في سنة 491هجرية، وفي عام سنة 548 هجرية نقل الرأس الى القاهرة بامر من السلطان طلائع ابن رزبك، والذي حمله هو الامير سيف المملكة بن قيم، وقد دفن في مكانه بالمشهد الحسيني القائم الان في حي الحسين بالقرب من الأزهر على ان هناك من المؤرخين من ينفي وجود الرأس بالقاهرة ويقول انه مازال في مكانه بعسقلان.

مشهد الحسين وجامع بكربلاء

ويذكر المؤرخون ان للامام الحسين رضي الله عنه بمدينة كربلاء بارض العراق مشهدا عظيماً جليلاً، فيقولون ان القبة التي تعلوه مكسوة بصفائح الذهب الخالص كما ان المقصورة المقامة على المقبرة كلها من الذهب المكلل بالماس وتتدلى من السقف سلسلة ذهبية علقت بطرفها المدلى على التابوت فصة من الياقوت في حجم بيضة النعام، وحول المقصورة سبعة وعشرون شمعداناً من الذهب مكللة باليواقيت، ويبلغ كل شمعدان نحو متر ونصف المتر، ولهذا المشهد خزانة مال خاصة يصرف منها عليه ويقال ان قيمة الذهب المكدس بها تبلغ نحو 630 مليون جنيه انجليزي.
وبجانب المشهد جامع كبير يزخر بطلاب العلم، كما هي الحال في الجامع الازهر، فتصرف لهم المرتبات ويأكلون من مطبخه الخاص ولهذا الجامع مكانة عظيمة في نفوس أهل العراق والشرق الأقصى.

مولد الحسين والاحتفال به

في الثالث والعشرين من شهر ربيع الثاني يحتفل باقامة (الليلة الكبرى) لمولد الحسين رضي الله عنه ولكن مظاهر الاحتفال بالمولد تبتدئ في الحقيقة من اول شهر ربيع الثاني وتستمر حتى نهايته وفي خلال هذا الشهر يلبس الحي الحسيني حلة جميلة من الافراح والزينة، وتكثر فيه حركة البيع والشراء، خاصة حركة بيع حلوى وحمص المولد، اذ يكاد يكون لزاما على الزائر ان يحمل من هذه الحلوى والحمص لاهل بيته وجيرانه واصدقائه.
وتزدحم القهوات والفنادق بوفود الزائرين من اهل الريف وينتهز اصحابها الفرصة فيرفعون اثمان المشروبات واجور الحجرات الى الضعف والناس يعرفون ذلك ولا يتبرمون وانما يدفعون الثمن مضاعفاً عن طيب خاطر لانهم يعلمون ان هذا الموسم المبارك لا يكون الا شهرا في كل عام.
واذا قام الانسان بجولة في حي الحسين في خلال شهر ربيع الثاني شعر بانه يسير في مدينة ساحرة لا تتخلل مظاهر القاهرة في هذا الجيل الحاضر ولو كان ممن قرأوا شيئاً من تاريخ مصر لعادت به الذكريات الى الوراء وخيل اليه انه قد انتقل فجأة الى “قاهرة” القائد جوهر الصقلي الذي ابتناها وعمرها لقدوم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، فالدروب والطرقات ضيقة كما كانت في عهدها القديم، والمنازل والوكالات والسبل والمباني على حالها لم تمتد اليها يد المدنية الحديثة الا في حالات نادرة لا يكاد يتبينها المرء، والاعلام والرايات والفوانيس والقناديل والثريات مدلاة في عرض الطرقات يشع نورها الوهاج في الليل فتبدد من ظلامه، والناس رائحين غادين، وفوداً وجماعات هذا مصري وذاك شامي واخر هندي وغيره عجمي، وكأنما سكان الشرق على اختلاف اجناسهم قد اجتمعوا في هذا الحي المبارك يحتفلون بمولد الحسين رضي الله عنه ويتباركون بزيارة مسجده واينما سرت وحينما تنقلت في طرقات هذا الحي نفذت الى انفك رائحة البخور العطري الجميل يحملها اليك نسيم الليل الهادئ الرطيب، ومما يأخذك بالروعة والجلال مشاهدتك لوفود الزائرين الداخلين والخارجين من المشهد الحسيني وقد تزاحموا وتدافعوا على الابواب برغم كثرتها واتساعها، وتصل الى اذانك اذا كنت بعيداً عن المسجد اصوات التسبيح والتكبير ونغمات الصفارة والارغول التي يسبح الذاكرون على نغماتها.

داخل جامع الحسين

وهناك الروعة والجلال، وهنك الجمال والوقار، اذا دخلت الجامع نفسه واسعدك الحظ فاستطعت ان تشق لنفسك طريقا بين صفوف الناس المتراصة حين يتخيل اليك انك قد انتقلت من ظلمات الليل البهيم الى نور الصباح الوضاح وربما اختلط عليك الأمر حقيقة، فلم تدر أهل انت في الليل أم في النهار، فثريات الكهرباء المدلاة من السقف والقباب يشع نورها الوهاج القوي في كل ارجاء المسجد الذي يزخر بالاف من الزائرين جلسوا في صمت رهيب يستمعون لايات الذكر الحكيم من احد المقرئين المشهورين الذي أخذ يرتلها بصوته الرخيم الحنون وقد قسم مشايخ الطرق والنقباء المسجد الى اقسام يقيم في كل قسم واحد منهم ومعه اتباعه من اهل طريقته يسبحون الله ويذكرونه أو يرتلون القرآن او يقرأون في دلائل الخيرات وكلما حل عليهم زائر قدموا اليه شراب القهوة أو “القرفة” أو “الشربات” ويدور بعضهم على الناس “بقماقم” فضية صغيرة فينثرون “ماء الورد” على الزائرين.
وفي داخل القبة أو “المقصورة” التي بها قبر الحسين رضي الله عنه تشاهد المقرئين قد جلسوا صفوفا يقرأون القران الشريف وجلس الشيخ الكبير على قطعة من الفراء بجانب احد الأبواب يحفة الجلال والهيبة والوقار، واقام الزائرون في “المقصورة” وقوفا يدعون ويبتهلون الى الله في خنوع وقد امتلأ جو “القبة” باريج عطر المسك والعود والصندل والعنبر وماء الورد، والكاتب يعجز في الحقيقة عن احكام وصف ما يشاهده في داخل هذا المسجد الشريف المبارك من مظاهر الخشوع والتدين والتبريك لانها تملك عليه مشاعره ووجدانه لروعتها وجلالتها وفخامتها.
ويتناوب رهط المقرئين المشهورين كالشيخ علي محمود والشيخ سكر والشيخ العبد والشيخ عبد الباري وغيرهم القراءة ليلة في المسجد الشريف ولا يتقاضون على ذلك اجرا وانما يفعلونه نذرا عليهم ووفاء لابن بنت رسول الله الكريم.

المداحون والحوزة

هذه لمحة صغيرة مقتضبة لما يجري داخل المسجد في ليالي الاحتفال بالمولد الشريف، أما ما يحدث في الطرقات وحول المسجد فكثير لا يتسع المجال لذكره كله، ولذلك نسرد ما نود سرده على سبيل الالمام والايجاز.
ففي النهار يوزع “المداحون” انفسهم على الساحات الواسعة التي تقع خلف الجامع، ويأخذون في نشيد قصص الأولياء والصحابة والمرسلين بنغمات متزنة على وقع دقات “الرق” و”الطار” ويلتف من حولهم الاولاد الصغار وكثير من الزائرين، بخاصة الفلاحين وتنهال القروش و”النكل” و”الملاليم” على “المداح”، وربما استعاض احد القرويين (الذج) بالقرش أو المليم رغيفا من الخبز محشوا بالفول النابت والمخلل فيتقبله المداح منه شاكرا ويضعه في مخلاته التي لا يكاد ينتصف النهار حتى تمتلئ عن اخرها بالخبز والبتاو والفطير.
وعلى مقربة من المداح تجد الحاوي وصبيه يقومان بالعابهما التي تبهر الساذجين من الجمهور فتارة يخرج لهم من البيضة كتكوتا وأخرى من الطربوش كنافة وفطيرا ومرة يفتح كرش صبيه بسكين (كذا!) وثانية يخرج من جوفه عشرات الكرات الحديدية الكبيرة!.. والناس والاولاد من حوله يصفقون ويصيحون وقد ارتسمت على اساريرهم علامات الفرح والسرور.
وتزدحم بعض الحوانيت ومداخل الطرقات ببائعي “الطبول” و”الزمامير” و”الشخاليل” و”العوايش-الاساور” والقباقيب واللعب الخشبية التي يتسلى بها الأطفال ومثل هؤلاء التجار تروج بضائعهم رواجا كبيرا في المولد ولسنا ننسى في معرض ذكر الساعة ان نذكر بائعي “النشوق” و”السواك” و”المسابيح” و”المباسم” و”الكحل” فهؤلاء برغم اقامتهم باستمرار بجوار المساجد الكبيرة كمسجد الحسين والسيدة زينت والامامين الا انه يكثر عددهم ويتزايد في هذه الأيام وربما يهجرون اماكنهم في المساجد الأخرى ليجتمعوا بجوار المسجد الذي يحتفل بمولد صاحبه.. وكما يكون من العادة الا يعود الزائر الى داره الا محملا بحلوى المولد، كذلك يكاد يكون متبعا عند العامة ان يشتروا “ترميسا وفولا” من الباعة الكثيرين المنتشرين حول المسجد عقب انتهاء زيارتهم، أما جماعة المجاذيب ومدعي التصوف من الفقراء والمتسولين فتمتلئ بهم القهوات حيث يخلدون الى نوم عميق لا يفيقون منه الا عندما ينتشر ظلام الليل على الكون فيهبون من رقادهم ليبدأوا حياة كلها حركة ونشاط في الصباح.

على تلال “المجاورين”

وفي نهاية شارع السكة الحديد بالقرب من الحي الحسيني تقع تلال “فراقة المجاورين” وعلى هذه التلال ينصب اصحاب الملاعب وفرق التمثيل المنتقلة ملاعبهم، فهنا “القراجوز” وهنا “خيال الظل” وهناك “تياترو السرك الجديد” الذي يحوي “كل ابطال الشرق في عالم التمثيل والرقص والمصارعة..!!(كذا!!).. وعلى مقربة من هذه الخيام المنصوبة فوق التل تشاهد “المراجيح” على اختلاف انواعها من مرجيحة الوالي الى مرجيحة “الوزة” الى مرجيحة “المركب” الى مرجيحة “الساقية”.. وبين هذا أو ذاك ينتشر باعة “من لم يمت بالسيف مات بغيره” الذين يحملون على عرباتهم السجق والطحال والكبد واللحم.. المشوي..!! ويتهافت الصغار على مأكولاتهم فيتناولونها بشهية ولذة غريبة.
أما في الليل فتنشط الحركة ويكثر الزحام وتضاء جميع الطرقات والدور والحوانيت بالثريات وتتنافس القهوات على اجتذاب الزبائن اليها باستحضار المغنين “البسطاء الصغار طبعا” أو الشعراء الذين ينشدون القصص على نغمات “الربابة” وبعضهم يستحضر نفراً من المقرئين الذين ينشدون التواشيح والأدوار، ولهذا تزدحم القهوات بالناس حتى يصبح من العسير ان يجد الانسان لنفسه مكانا يجلس فيه اذا وافت الساعة العاشرة مساء، وخلف مسجد الحسين رضي الله عنه بالقرب من باب “الميضا” توجد قهوات المجاذيب وفيها يرى الانسان صورا واشكالا مختلفة متباينة وقد تثير دهشة الفضوليين من الغرباء عن هذه الديار.. وتقام الاذكار في كل مكان ويندمج في حلقاتها من شاء من الناس.
ولبعض الموسرين وتجار هذا الحي وساكنيه عوائد ونذور يوفونها في أيام مخصوصة في المولد كل عام وهذه العوائد لا تخرج عن اخراج الطعام والشراب للسائلين والفقراء واقامة السرادقات ليجتمع الناس فيها ويسمعوا ترتيل القرآن من المقرئين أو نشيد الذكر من الذاكرين فرحا وابتهاجا بالمولد الكريم..
ص11 (الدنيا) العدد 99