المُثَقف الطَّائفي كائن مُدِمِّر

259

رشيد الخيُّون/

لو عُدنا إلى الوراء لوجدنا المثقفين، قبل خمسين عاماً، قد أسسوا لمعارف ما كانت لتتحقق لولا تجاوزهم لمِا بين المذاهب والأديان. فنقرأ في مجلة “العلم” النَّجفية(1910) تعاوناً ثقافياً بين صاحبها هبة الله الشَّهرستاني(ت1967) والنجدي سليمان الدَّخيل(ت1944) صاحب صحيفة “الرِّياض” ببغداد.

ونجد مؤرخ الجزيرة حمد الجاسر(ت2000) يكتب قرظاً وافياً لكتاب جواد علي(ت1987)”تاريخ العرب قبل الإسلام” في مجلة “الرِّسالة” المصرية(1951)، كتب عنه ما لم أجده عند مَن كتبوا في أعمال هذا المؤرخ الفذ. كذلك لم ينشر جواد علي كتاباً إذا لم يستهلّه بالشكر للشيخ محمد بهجة الأثري(ت1996)، الذي وقف معه منذ شبابهما وحتى شيخوختهما، وأن يتعاضد الأثري ومحمد رضا الشّبيبي(ت1965) لوضع اللَّبنة الأولى للمجمع العلمي العراقي(1947).

المثقف والغليان الطّائفي

حصل الآن الكثير، وزجّ المثقف نفسه في الغليان الطَّائفي، الذي ينفع أهل السِّياسة ويقذف بأهل الثَّقافة بعيداً، ليكونوا جوقة لترديد لحنه. يقطع المثقف الطَّائفي صلته بالثَّقافة البنّاءة؛ وبطبيعة الحال ليس كلُّ مَن نشر مقالاً صار مثقفاً، كذلك لا يعني مَن لا يقرأ ولا يكتب ليس مثقفاً. فالثّقافة، قبل كلِّ شيء، حضارة ومعرفة. كم مِن كاتب لا ينطبق عليه عنوان “المثقف”، إلا إذا عُرفت الثَّقافة بأنها “كتابة وقراءة” لا أكثر! وبعيداً عن هذا الإشكال استحدثت عناوين مثل: “ثقافة الكراهية”، “ثقافة الموت”، “ثقافة الغوغاء”، ولنا القول “الثَّقافة الطَّائفية”، وسلسلة العناوين تطول.

هذا، ولمفردة “المثقف” في التراث العربي الإسلامي صلة ما باستخدامها الحاضر، وإن لم يُنحتوا منها مصطلحاً خاصاً، فمن معاني المثقف “الحاذق”، والحذاقة تعني “المهارة”(الجوهري، الصَّحاح)، ونلمح المفردة في بيت لابن الجهم(ت249هـ): “وتأوَّهت غررُ القوافي بَعده/ ورمى الزَّمان صحيحها بسقامِ/أودى مُثقِّفها ورائضُ صعبها/ وغدير روضتها أبو تمام”(البغدادي، تاريخ بغداد).

بهذا المعنى نفهم الثَّقافة ضرباً مِن ضروب “الحذاقة”، في الإيجاب والسِّلب، وأجد في ثقافة الطَّائفية حذاقة في اللؤم، سرعان ما تُترجم إلى دماء وأشلاء بيد الجماعات الدِّينية، وللأسف خضع لها شعراء وكُتاب، ومثل هؤلاء يحزننا أمر تحولهم وارتدادهم الثَّقافي، حتى صاروا ينقادون لشعارات الغوغاء، ولا أعني الذين أقحموا أنفسهم في عالم الكتابة وما هم بكُتَّاب، وإن ملأوا الصحف والمكتبات، إنما أعني أهل المعرفة وأصحاب التأليف الثري، ممَن غرّهم الخطاب الطَّائفي فانساقوا إليه، وعادوا يعلنون الإنتماء إلى الطَّائفة لا إلى الثَّقافة بمعناها الرَّحب.

طائفية ذلك الزمان

تحولت الطائفية أيضاً إلى مكسب للجاه والعيش، ولا يليق بالمثقف صاحب القلم والصوت المدوي أن يفتح دكاناً بها. كتب القاضي أبو علي المُحسَّن التَّنوخي(ت384هـ)، وكان يميل إلى المعتزلة: “حدثني جماعة مِن شيوخ بغداد، أنه كان بها في طرفي الجسر سائلان أعميان، يتوسل أحدهما بأمير المؤمنين، علي عليه السَّلام، والآخر بمعاوية، ويتعصب لهما النَّاس، وتجيئهما القطع دارَّةً. فإذا إنصرفا جميعاً اقتسما القطع، وأنهما كانا شريكين يحتالان بذلك على النَّاس”(نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة). يغلب على الظَّن أن التَّنوخي، وهو مثقف عصره، شأنه شأن فؤاد التكرلي(ت 2008) قاضٍ وأديب، وشأن محقق الكتاب المذكور القاضي والمحقق والأديب عبود الشَّالجي(ت1996) ، أنه ذكر هذه القصة ذات المغزى العميق في زمن كانت الطَّائفية سائدة، في النزاع بين الديالمة والأتراك ببغداد في القرن الرابع الهجري. وكما يؤكد قصد التَّنوخي، وطائفية ذلك الزمان أنبرى مجايله المثقف الآخر وهو الشَّاعر الحُسين بن الحجاج(ت491هـ)، فقال ساخراً مِن الطائفية والطائفيين، ولكم التمعن في هذه الأبيات، وإن كان مادحاً أحجّهم فيها:

مرَّ بَي يومَ جمعةٍ شيخـان/علـوي وآخر عثمـاني/قـال هذا: بعد النَّبي عليٌ/ودعا مُنصفاً إلـى البُرهان/قال هذا: بعدَ النَّبي أبو بكـر وجـاءا إليـَّ يستفتياني/قلتُ: خيرُ العبادِ بعد رسول الــلَّه في مذهبي أبـو الرَّيانِ/خَيـرهم مَنْ رأى لباسي قـد رثَّ وبـان حقّ مَنْ خلق الخلـقَ وعيسى بـن مريـمَ سِيانِ»(الأسطُرلأبي، درَّة التاج من شعر بن الحجاج).

إنها واقعة تحصل في مختلف الأزمنة بدرجاتٍ، تضعف وتقوى حسب الموسم، إلا أنها في هذا الزَّمان قد تضخمت، والمساهمة فيها تتم بقصد وبغير قصد، تتوزع الأدوار بين مَن غلبه التَّعصب، ومَن وجد فيها رزقه (غير الحلال). مع علمنا أن لقب»المثقف»، حتى بين البسطاء، الإنسان المتحضر، المتعالي على النَّزاعات، يُنظر إليه بعين الإعجاب والحِكمة، فعندما يسلك سلوكاً مشيناً يُقال: «فعل ذلك مع أنه المثقف»! بمعنى إن للمثقف منزلةً في عيون النَّاس، تقع عليه مسؤولية اجتماعية وفكرية، يمارسها بسلوكه وكلمته، وإذا بالطَّائفية تقوده إلى الكتابة على إيقاع الغوغاء!