الندابة نعيمة اللبنية:أحب أغنية الى قلبي هي “أيها الراقدون تحت التراب”

472

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

انهن لا يثرن الدموع فقط، بل (الاصوات) ولطم الخدود وشق الجيوب ايضا! إن عبارة منهن كافية لكي تجعل النساء يلطخن رؤوسهن بالطين حزناً واسى ويصبغن وجوههن بالنيلة.. إن فنهن هو أسود فن، أنهن يستخدمن العبارات السحرية التي تشد الدمع من أعماق العين لتجربه على الخدود انهاراً، وهن لسن هاويات نكد ولكنهن محترفات يبكين الناس بالأجرة! إن أجر الواحدة منهن يتراوح بين ثلاثة جنيهات في الليلة وبين جنيهين أو نصف جنيه أو حتى ريال! انها تبكي الناس بالثمن حسب الحالة الاجتماعية!

اسمها: الندابة والعياذ بالله!

(والندابة) هي أحد المعالم الباقية في الحياة الشعبية منذ عصور الخرافات والبدع! وكل حي في القاهرة –كما في كل مدينة- له ندابة! والمصيبة أن الندابات يعتبرن أنفسهن فنانات يقلن الشعر المنفوم الدامع! وهن يعتبرن أنفسهن –أيضا- زميلات للمطربين والمطربات الذين ينوحون في أغانيهم..

معجبة بفريد الأطرش

أن نعيمة اللبنية ندابة حي “الدرب الأحمر” انها تأثرت تأثرا شديداً في تكوينها الفني بفريد الاطرش، لان صوته “حنين” وغاوي ندب وتعديد! وهي تؤكد أن أغنية فريد: “بتبكي يا عين على الغايبين” تمثل القمة في فن ندب الأصيل! وهي معجبة أيضا بأغنية واحدة لعبد الوهاب هي أغنية “ايها الراقدون تحت التراب” التي تعتبرها اغنيتها المفضلة.. لكنها تأسف أسفا شديدا لان الاذاعة لا تذيعها!

ولكن هذه “الروح” الفنية التي تبديها نعيمة اللبنية ليست دليلاً على رقة الاحساس، فنعيمة اللبنية –ككل بنات حرفتها- لها ميول سادية كما يقول الأستاذ حسن الحريري مفتش عام علم النفس بوزارة التربية، انه يقول أن الرغبة عند الندابة في بكاء الغير هي دليل على الميل السادي والتلذذ من تعذيب الغير بالاثارة والايلام، كما ان السيدات اللاتي يستجبن لهذه الاثارة ذوات ميول سادية ذاتية، ويقرر الدكتور مصطفى فهمي أستاذ علم النفس ان نعيمة اللبنية واضرابها ما هي الا اثر من آثار العادات المصرية القديمة التي تعود الى المصريين القدامى، و”الندابة تمثل ظاهرة مرضية هي ايجاد لذة عن طريق تعذيب الغير.
بينما يقول الدكتور احمد زكي صالح مدرس علم النفس بكلية التربية ان الندب يعتبر من الحرف المتوارثة من قديم الزمن، وان كان هذا لا يمنع وجود هاويات يتطوعن بالذهاب الى الجنازات والقبور وربما انقلبن الى محترفات تحت تأثير شروط مادية معينة.

ندابة بالطبيعة!

وتقول نعيمة اللبنية: ان الاحزان هي التي علمتها هذه الحرفة!.. نشأت ندابة بطبيعتها.. مات والداها فبكت، ومات زوج أختها فخدشت وجهها، ثم ماتت ابنتها فشدت شعرها ومزقت ثيابها، فلما مات زوجها لطخت وجهها “بالنيلة” وهرولت في “الجواري” حافية تصرخ وتبكي، وتعدد محاسن زوجها فتزداد صراخا وبكاء، ثم تذكر حالها من بعده فتلطم خديها وتشد “الشال” الأسود حول رقبتها تعبيراً عن الحزن! واكتشفت نعيمة اللبنية ان لديها مواهب عديدة، فلماذا لا تضرب عصفورين بحجر واحد؟ وقررت ان تعمل ندابة، فتكسب قوتها وقوت اولادها الأيتام، وتبكي حظها العاثر.. في آن واحد!!

واحترفت البكاء لمدة 26 عاماً.. فاستطاعت ان تعيش وتربي أولادها!

أصول الشغل

“ونعيمة” كانت في أول الأمر تقلد مشاهير الندابات، ولكنها قررت ان تتفوق عليهن، ان تستقل بشخصيتها، فألفت نفسها القصائد ولحنتها، قصائد مختلفة “حسب مقتضى الحال”.

انها تقول:

– آه.. اصول الشغل كده: الشابة لها دور، والشاب له دور، والعجوز له دور، كل واحد حسب مقامه.. العجوز تقول له: “يا أبو العباية تجزح لحد الديل، تحت العباية مقدم يشد الحيل”.. والشاب الصغير تقول له: “عريسنا عثمانلي ونفسه في عروسة محملة بالتللي”.. والشابة تقول لها: “عروس الحنة خرت نهيبة لا زواق ولا حنة”.

الحزن فن!

انها تجلس بين الأهل المفجوعين، فتثير في نفوسهم الجراح، تذكر الأم ان ابنها زف الى القبر بدلاً من ان يزف الى العروس، وتقول للأب: ان ابنتك ملفوفة في كفنها بدلاً من ثوب الزفاف.. والحزب فن، فهي تدق على الدف، ومن حولها “بطانة” من النساء يصفقن بتوقيعات رتيبة، ويرددن وراءها المقاطع الحساسة من “النشيد الجنائزي”.

على الباب

وليس “العديد” في البيوت فقط، فقد يهبط “عزرائيل” على مستشفى فيصحبها أهل الميت الى الباب فتقف هناك وتنشد: “مستشفى عالي وبابها بيدور، وفيها تمرجي يبهدل الفندور، دخلت المستشفى لقيت “لولية”، ولقيت هدومه مع التمرجية، على الرخام عريانين، طول ومشرع، أما العيون حلوين”. وهي لا ترحم الأطفال، بل انها تعتبرهم مادة ممتازة لاستدرار الدموع. انها تقول للأيتام قبل ان يدفن أبوهم: “ياللي الرجال غلبوك، انده بسرعة اياك يجيلك ابوك”.

ويصرخ الأطفال، وتمزق الأم ثيابها وتصرخ النساء، ثم “تقبض” الندابة اجرها، فتسرع الى السوق تشتري لقمة العيش، وتسرع الى البيت فتأكل هي وأطفالها، وتضع يدها على النقود وفي صدرها موجات من الرضا والسرور!

يوم الترحيلة

والاتفاق مع المعددة أما ان يكون “بالمقاولة” أو “بالنقطة” فهي تذهب الى بيت الميت في اليوم الأول “يوم الترحيلة” ومعها فرقتها المكونة من خمسة أو ستة من الأطفال أو النساء، ويتكرر المشهد في اليوم الثاني، وفي نهاية اليوم الثالث تطرح منديلها على الأرض فيضع فيه المعزون “النقطة.. كل حسب مركزه وقدرته ثم تنصرف عن هذا البيت بعد ان تأخذ اكبر مقدار من ملابس الفقيد، لتبحث عن “فقيد آخر تبكيه “وتعدد محاسنه”.

غناء ورقص!

ان الحادثة التي لا تنساها نعيمة اللبنية وقعت لها منذ عدة سنوات ذهبت الى المعزى وتألق نجمها في استدرار الدموع والصراخ، وفجأة.. قام الميت!!

كان مغمى عليه ثم أفاق، وانقلب المأتم الى فرح، وشاع الحزن في نفس نعيمة التي ضاع جهدها بلا نتيجة، وخرجت تتسلل ولكن أهل “الفرح” استوقفوها وعوضوها عن خسارتها فأحيت لهم “ليلة انس” حتى الصباح، غنت ورقصت هي وجميع أفراد فرقتها!!

ورنتها علقة

ويم آخر لا تنساه، كانت تباشر عملها في أحد المآتم، فدخلت الى البيت احدى الواعظات تنصح الناس بالهدوء، والسلوى بالقرآن عن الحزن، ودعاء الله ان يجلب الرحمة للميت.

فلما رأت نعيمة انها ستسوق فيها” استدرجتها الى خارج البيت ثم انقضت عليها هي وأفراد فرقتها فاوسعوها ضرباً، حتى تعهدت بانها لن تعود الى الوعظ مرة أخرى طوال حياتها!!

– آمال.. الواحد يدافع عن اكل عيشه!

أيام زمان!

وفي “درب المحروق” تعمل “الاستاذة” ان أهل الحي يسمونها الأستاذة اعترافاً بقدرتها الخارقة على اداء “مهنتها الانسانية”!
وما كادت تعلم ان بالبيت ضيوفاً حتى خرجت علينا بالملاءة القطيفة والطرحة والبرقع والحلق والكردان.. كانت تظننا “زبائن” ولكن خاب ظنها فتنهدت على أيام زمان.. أيام كانت تدعى الى جنازتين في الليلة الواحدة.. أو ثلاث!

– الله يرحم أيام زمان لما كان لنا شنة ورنة، كنت اطلع في اليوم بحوالي عشرة جنيه، وكنا بنتشرط، لكن النهاردة بنتمنى اي ميت وبنقبل اي طوس، خلاص راحت علينا، الله يجازي مدرسات الوعظ، الله يجازي الطب والدوا!

زمان كان الواحد يتألق، زمان من مدة عشرين سنة كان صوتي لسه شباب، كنت اجلس بين دقات الرق وتصفيق الكفوف وانشد:

“خارجه العروسة من بيت بلدية، على خشبة حانوتي مش على عربية، زعلانين، على الميت.. آه عليه وعليه”. وكان صوتي بجلجل ولا منيرة المهدبة.. والصوات يعلا.. وتبقى نار قايدة!