الواقعيُّ والمُتَخَيّل في بنية العمل الإرهابيّ

321

عادل عبد الله/

على نحو مباشر، يحيلنا السؤال عن «معنى الإرهاب» إلى مجموعة آخرى من الاسئلة لا بدّ لنا من طرحها جنباً إلى جنب مع سؤالنا المركزي الذي نبحث عن إجابة محددة له.
إذْ ليس بوسعنا أن نبلغ إجابة صحيحة كافية مقنعة عن «معنى الإرهاب» من دون طرحنا لتلك الطائفة من الأسئلة التي ترتبط به على نحو جوهري، كالسؤال مثلاً:

– لماذا نريد أن نفهم «معنى الإرهاب» ؟

– ومن نكون نحن الباحثين عن إجابة لهذا المعنى؟

– ولماذا نبحث عن هذه الإجابة؟

1- الإرهاب، نسبية المعنى وديمومة الاختلاف

الأمر الذي يعني من خلال إصرارنا على ربط السؤال عن معنى الإرهاب بمجموعة آخرى من الأسئلة، أنْ ليس لواقعة الإرهاب (وجود موضوعي) يمكن أن يبدو لجميع المعنيين به بأسلوب فهم واحد يمكّنهم من الاتفاق عليه، دونما خلاف فكري أو أخلاقي أو سياسيّ، يعطّل لحظة الفهم الموضوعي المشترك لتفسير الواقعة الإرهابية التي تحدث بينهم، وهي المسألة التي يمكن أن نستنتج منها دونما مشقة كبيرة، أن رؤية الحدث الإرهابي وطريقة فهمه والتعامل معه، هي مسألة (نسبية) إذْ تبدو لأحد المعنيين به، أعني الجهة الفاعلة المنفذة له هذه المرة، أمراً مشروعاً وحدثاً جهادياً قد يصل إلى رتبة الفعل المقدّس، يبدو في الوقت ذاته لجهة آخرى، هي جهة المفعول به، أي الجهة التي استهدف العمل الإرهابي وقوعه وتدميره لها، حدثاً إجرامياً مروّعاً يهزّ الضمير الإنساني ويقوّض معانيه، ولذا ينبغي مكافحته بشتى السبل والوقوف ضداً عليه.

ليس للإرهاب إذاً معنى أو تعريف واحد يمكن الاتفاق عليه. فإذ تذهب الجهة التي يستهدف الإرهاب وجودها إلى تعريفه بأنه (نشاط اجرامي موجّه إلى دولة معينة غايته إنشاء حالة من الرعب في عقول الدولة أو أية سلطة من سلطاتها أو جماعة معينة منها) كما رأت لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة هذه العبارات تعريفاً صالحاً للإرهاب، أو كما ذهبت الولايات المتحدة إلى تعريفه بوصفه (كل شخص يقتل شخصاً أو يسبب له ضرراً جسدياً بالغاً أو يخطفه أو يحاول القيام بفعل كهذا، أو يشارك شخصاً قام أو حاول القيام بذلك).
أقول إذْ تذهب الجهة التي يقع فعل الإرهاب عليها إلى تعريفه بطريقه ما تحاول إدانته والوقوف ضداً عليه، فإن الجهة الآخرى الفاعلة لا تشاركه مثل هذا المعنى للتعريف على الإطلاق من حيث أن رؤيتها الراسخة للعمل الإرهابي تتمثل بكونه فعلاً بطولياً جهادياً قد يصل إلى رتبة العمل الإنساني المقدس كما أشرنا.

موقف النقيض المطلق

الفاعل والمفعول إذاً، هما الجهتان اللتان تتنازعان مفهوم الإرهاب ومعناه، وهما جهتان تقف أحدهما في مواجهة الآخرى موقف النقيض المطلق الذي يعبّر عن لحظة التناقض هذه بأقصى وأقسى صورة لها، أي صورة الموت وإلغاء وجود الآخر، سواء أتعلق الأمر بالانتحاري (الفاعل) الذي يفجّر نفسه في لحظة الحدث نفسها في ميدان الجهة التي يستهدفها والتي تخسر هي الآخرى حياتها جراء خسران الفاعل لحياته من جهة، أم تعلّق الأمر نفسه بجهة المفعول التي تحاول بشتى وسائلها الدفاعية والإستباقية الحفاظ على حياة مواطنيها الأبرياء بعملها الدؤوب على وأد الإرهاب وملاحقة منفذيه وإيقاع أقصى أساليب القصاص بهم.

إن حقيقة الاختلاف في فهم معنى الإرهاب بين جهتي الفاعل والمفعول تجد تعبيرها الأمثل والصورة الأكثر وضوحاً لها في قولنا:

لو كان للعمل الإرهابي نوع فهم واحد مشترك تتفق الأطراف كلّها عليه – ولنفترض هنا نوع الفهم الخاص بالمفعول به – لما وجد الإرهاب أصلاً، ذلك لأنّ الجهة الفاعلة للعمل الإرهابي تستهدف ذلك الفهم الخاص المناهض لمعنى الإرهاب لديها وتحاول استبداله بمعناه الخاص بها وحده، معنى الفعل والفاعل دون الاعتراف بمعنى (ردة الفعل) التي يستمد معنى الإرهاب لدى الطرف الآخر المناهض مفهومه منها وحدها.

الأمر الذي يعني دون لبسٍ، أن للإرهاب تعريفين، أحدهما يسبق العمل الإرهابي ويؤدي اليه، وهو تعريف خاص بالجهة الفاعلة، أما الآخر وهو التعريف الخاص بالجهة المنفعلة فهو تعريف لاحق بالحدث الإرهابي تالياً له ومحاولاً تفسيره وفق منظومة معرفية وأخلاقية وسياسية مقطوعة الصلة تماماً بتلك المنظومة المعرفية الأخلاقية السياسية التي سبقت حدوثه وأدت اليه.

وهكذا يمكن القول، إن هذا التباين السافر، المعرفيّ والأخلاقي والسياسي والديني والمذهبي بين منظومتي الفاعل والمفعول، وبكل مرجعياته التاريخية والحضارية هو الذي يجعل من الحدث الإرهابي ممكناً على الدوام ومستمراً في لحظات تناقضه كلها، سواء أتعلق الأمر بما يسبق العمل الإرهابي أم يليه من جهة، أم تعلّق الأمر ذاته بسلوك كلّ من الفاعل والمفعول في لحظة وقوعه، أعني حيث يُهرع المواطنون لإنقاذ ما تبقى من ضحايا المشهد المروع تعبيراً منهم عن نوع فهمهم لمعنى الإرهاب، المعنى الذي ينازعه عليهم معنى آخر قد يعبر عن نفسه بتفجير انتحاريٍ ثانٍ لنفسه بينهم للنيل منهم ومن معنى الإرهاب لديهم، ذلك المعنى الذي قادهم إلى لحظة الإنقاذ الإنساني هذه.

2 – الإرهاب، ندرة الحدث وصدمة المعنى

يبدو لي أن السؤال عن «معنى الإرهاب» في هذه الورقة لم يزل قائماً دونما إجابة مستغرقة كافية نطمئن لها، لذا سأحاول الآن الاقتراب من لحظة الإجابة هذه من خلال مدخل معرفي آخر، مفاده السؤال المباشر: ما معنى أن يكون للشيء أو الحدث معنى؟ وهل تمتلك كلّ الأشياء والأحداث التي نعرفها معنى خاصاً بها، أم يمكن لبعض الأشياء أن تحدث دون أن يمنح حدوثها أي معنى محدد لنا؟

واقعة تفجيرِ انتحاريٍّ لنفسه وسط جمع غفير من الطلبة أثناء خروجهم من الجامعة المستنصرية مثلاً، ما المعنى الذي يمكن أن تمنحه لنا هذه الواقعة؟

وهل يتعين علينا أن نستمد ونستخرج هذا المعنى من تفاصيل حدوث الواقعة ذاتها، أعني من مشهد الدم والموت والخراب والهلع، ذلك الذي خلّفته لنا وعرضته علينا بواقعية مسرفة، أم أن علينا أن نبحث عن هذا المعنى في مجموعة المقدمات الدينية والسياسية والثقافية الرمزية التي جعلت من فعل الحدوث هذا بكل غرابته وبشاعته ممكناً واقعياً بادياً للعيان؟

منطقياً، يمكن الجزم أنّ عملية استنباط معنى محدد مفيد لفهم ظاهرة ما أو التعامل معها على سبيل فهمها، مسألة لا يمكن أن يكون الحدث نفسه باستقلاليته وواقعيته، مصدراً وحيداً صالحاً لها، الأمر الذي يعني أن المعنى الأكثر وضوحاً وفائدة لنا من بين كل المعاني التي يتصل الحدث بها، ويمكن أن يقدمها لنا هو إشارة الحدث لخلوّه بذاته من أي معنى أولاً، ثم أن معناه الأكثر غنى من سواه، إنما يكمن في مجموعة الأسباب والمقدمات والمرجعيات التي جعلت من هذا الحدث ممكن الوقوع وبهذه الطريقة المروعة؟
هنا، لابدّ من طرح سؤال مفترض مفاده، أن أحداً ما سيقول معترضاً: وما الغرابة والجديد في القول، أن حدثاً ما لا يمتلك بذاته معنى محدداً له، وأن جلّ أهميته ومعناه يمكن استنباطها وفهمها من خلال المقدمات والمسوّغات المؤدية له، ونحن نعرف أن الكثير من الأشياء التي تحدث إنما يجري فهمها بهذه الطريقة نفسها؟

المنهج الصحيح لفهم الظواهر

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: نعم ان الكثير من الأشياء تحدث بهذه الطريقة ذاتها محيلة بحدوثها إلى المقدمات التي سبقتها، كاشفة بهذا الإجراء عن المنهج الصحيح لفهم الظواهر عبر دراستها من خلال مقدماتها وعللها التي أدت اليها.

غير أن تفجير إنسان لنفسه وسط حشد من الناس، لا يمكن اعتباره مجرد حدث شائع أو أمراً معتاداً دائم الحدوث، لذا ينبغي استغلال (ندرة) الحدث هذا أو استثمار كونه خارقا للمألوف، بوصف هذه الندرة هي التي تشكل المعنى كله، الأمر الذي يعني ضرورة مغادرة وهجر المنهج المعرفي الذي يتبنى خيار فهم الأحداث من خلال سلسلة مقدماتها من أجل تبني خيار منهج معرفي آخر لفهم الحدث النادر ذاته، لكن لا من خلال مقدماته وعلله السابقة عليه – كما قلنا- بل من خلال الحدث نفسه، من خلال بشاعة حدوثه ورعبه وهلعه، من خلال لحظة الدمار والخوف والصدمة التي يحدثها، أما كيف يمكن لهذا المنهج الجديد بلوغ غاياته وما الوسائل المعرفية التي يتبعها لتحقيق ذلك، فيمكن الإجابة عن كل هذه المتعلقات بجملة واحدة هي القول، بأن (العقلانية الإعلامية) أي عملية فهم الحدث من خلال (الإعلان) عن نفسه بهذه الصورة النادرة، الصورة التي تمثّل ذروة إعلان الأشياء والأحداث عن نفسها استناداً إلى مشهد الموت الجماعي الذي تخلّفه، موت الفاعل والمفعول معا، هي الصورة التي تؤلف لنا المعنى كله، ولمّا كانت مفردتا (الإعلان) و(الإعلام) مترادفتين يمكن لنا إذن ان نستبدل الأولى بالثانية، فيصبح المعنى الإعلامي للحدث الإرهابي هو المعنى الجدير باتخاذه مرشداً لفهمنا (معنى الإرهاب) .

3- الإرهاب بوصفه إعلاناً

من أجل أن يبدو لنا هذا المعنى الأخير للإرهاب مقبولاً وسائغاً، دعونا نطرح السؤال التالي: لماذا لا يفجّر الإرهابي نفسه وحيداً، أي في مكانٍ ناءٍ منعزل، بعيداً عن الناس بحيث لا يصيبهم أيّ أذى جراء انتحاره وقتله نفسه؟

بعبارة آخرى تؤدي المعنى نفسه، لماذا يصرّ الانتحاري على قتل نفسه في مكان عام وسط جمع من الناس لا علاقة لهم بقراره الخاص بتصفية جسده وانهاء حياته؟

من الواضح القول، إن الإجابة الصحيحة عن سؤال كهذا تتضمن القول أولاً، ان جسد المنتحر وحياته ليسا هما المستهدفين بعملية الانتحار تلك كما هو الحال والمعنى الذي تخبرنا به جميع حالات الانتحار أيا كانت أسبابها، ثم تتضمن الإجابة القول من بعد، ان حياة الناس واجسادهم هي الهدف الذي يسعى المنتحر لبلوغه جراء انتحاره وتفجيره لنفسه، بل يمكن القول أيضاً ان قتل النفس انتحارا ليست هي الغاية القصوى للعمل الإرهابي انما قتل الآخرين هو العنصر الكفيل بتبليغ المنتحر لغايته، من حيث انهم وسيلته لبلوغ تلك الغاية سواء أكانت الجنة المفترضة أم المكسب السياسي والايدولوجي الذي وظّف المنتحر لتحيق غايته المبيّتة.

ومن هنا يمكن القول، إنّ عملية تفجير الجسد وسط أجساد الآخرين لا يمكن أن تسمى إنتحارا، لأنّ الانتحار فعل فردي يستهدف جسد المنتحر وحده وهو فعل غالبا ما يحدث بإرادة واعية وطريقة سرية يتم إنجازها في مكانٍ ناءٍ خفي بعيدا عن أعين الناس، بما فيهم المقربون منهم.

ثم إن عملية التفجير هذه من بعد، العملية التي تستهدف تصفية حياة الآخرين وإعدامهم علنا، لايمكن ان تسمّى قتلاً، اي قتلا لهم، لأنّ فعل القتل يستدعي غالبا بقاء القاتل حيا بعد اتمام فعلته، وهو الأمر الذي لا يتوفر عليه الحدث الانتحاري الإرهابي.

فعلُ القتل إذن يستدعي بقاء القاتل حياً على خلاف حالة ضحاياه الذين فارقوا حياتهم، وفعل الانتحار يفترض موت المنتحر بعيدا عن الناس ودون أذى يصيبهم جرّاء قتله لنفسه، الأمر الذي يعني أنّ العمل الإرهابي لا يمكن عدّه – بالمعنى التقليدي للمفردتين – انتحاراً ولا قتلاً، انما هو في حقيقته (إنتحار وقتل) في آن واحد، إنه الجمع الكامل والحصيلة النهائية لفعلي الانتحار والقتل عندما يحدثان في لحظة واحدة، وهو الادخال القسري للآخرين ومساهمتهم كرها في صنع مشهد (انتحاري) الخاص، انه قتلهم جميعا بذات فعل (قتلي أنا) بإرادة واعية (مني وحدي) وليس بإرادة واعية منهم لموتهم، ذلك الذي يحدثه بهم (موتي الخاص) المقرر سلفا، وهذه هي الحالة الفريدة لأنواع الموت كلّها، الحالة التي يستثمر الإرهاب ندرتها، ساعيا إلى تأكيد هذه الندرة برفدها بحدث إرهابي آخر غايته إكراه الآخرين على قبول هذا المعنى الخاص للإرهاب، معنى الرعب والموت والهلع، معنى القوة العمياء التي تعلن عن نفسها في المكان العام الذي قد يكون أي واحد من الناس متواجدا فيه لحظة الدمار.

لكن هل يعرف الإرهابي أولئك الناس الذين يفجر نفسه بينهم؟ أعني أثمة قضية شخصية له معهم، قضية يلاحق فيها الإرهابي جماعة معينة له محددة بدقة ومعروفة، جماعة سبق لها ان اساءت اليه أو لأحد يحظى بأهمية ما لديه، بحيث يمكن أن يُفسر فعل تفجيره لنفسه وسط هذه الجماعة المحددة له، بوصفه انتقاما أو ثأرا لنفسه منهم.

إن ما يخبرنا به تاريخ الوقائع الانتحارية في العراق وفي سواه من البلدان قدر تعلق الأمر بمكان الحدث الإرهابي وزمانه وطريقة حدوثه، ليمكّننا من القول أولا وبالوضوح كلّه، أنْ ليست هناك أية معرفة شخصية مسبقة أو علاقة واقعية محددة يمكن ان تجمع الإرهابي المنتحر بالوسط البشري الذي يفجر فيه نفسه، الأمر الذي يعني نتيجة لذلك، ان فعل التفجير لا يحدث بسبب عداء شخصي واقعي أو إساءة سبق صدورها عن أولئك الناس له، بحيث يمكن ان يفسر فعل انتحاره وقتله له على إنه انتقام أو ثأر لنفسه منهم.

ثم يعني من بعدُ، وفي الوقت نفسه، إن هذا الفعل الإرهابي يستهدف وجودَ آخر غير مشخص له، وجودَ آخر يمكن أن يمثله ويجسّده هذا الشخص أو ذاك على حدّ سواء دونما فرق بينهما على الإطلاق، أعني ان هوية القتلى الشخصية الفردية قابلة للاستبدال بغيرهم أبداً، مفتوحة على الدوام لكل أولئك الناس سيئي الحظ، ممن صادف وجودهم في المكان المحدد الذي تم للإرهاب تحديده مسبقا، المكان الذي جرى اختياره، بل والزمان أيضاً بعناية مدبّرة، أما أولئك القتلى – الشهداء فلم يحدّث الإرهاب نفسه في تحديد هوياتهم لأنه غير معني بهم كذوات أصلاً، إنما كانت عنايته بهم كحدث، كفعل ينبغي أن يحدث بينهم بوصفهم بشراً – ضحايا بغض النظر عن شخوصهم وفرديتهم، سواء أكانوا هؤلاء الناس المستهدفين يمْثُلون له بوصفهم طائفة أو مجموعة لها ما يوحدها بهوية واحدة، أو كانوا مجموعة عشوائية لا رابط طائفي أو ديني أو سياسي بينهم، ذلك لأن فعل المنتحر يتجاوز الاستهداف الفرديّ للبشر ليعلو به إلى مستوى الفكرة، فكرة المستهدف الآخر، غير المتعين كفرد، آخر يتعين كمجموعة، كعدو، كعقيدة، آخر لا يصبح آخر موحداً مستهدفاً إلاّ حين يكسبه موتُ المنتحر مثل هذا المعنى الخاص جداً، أعني، أن مجموعة الأفراد المختلفة والمتباينة بينها فردياً ومذهبياً ودينياً وسياسياً واجتماعياً تتوحد وتصبح آخر واحداً – وبهوية واحدة ونوع إنساني واحد، بعد إنجاز الإرهابي لفعل تفجيره لنفسه بينهم، أي بعد أن يصبحوا ضحايا الحدث، فيعمل الموت على توحيدهم آنذاك بعد أن كانوا افراداً شتى متفرقين في حياتهم، ثم يأتي الدور الإعلامي بقوة ليؤكد مثل هذه الوحدة وليتحدث عنها كشيء منجز، كحدث له طرفان متناقضان، طرف يمثله المنتحر نفسه، وطرف يمثله ضحاياه كلهم.

لما تقدم كلّه، يمكن القول، إن الإرهاب قد تمكّن بالفعل من العبث بمفهوم الانتحار عبر عاملين، الأول منهما هو نقل علاقة المفهوم من المكان السري المفرد الخاص بارتكاب فعل المنتحر، إلى المكان العام الذي سينجز فيه فعل الانتحار هذا، وهذا هو الإجراء الواقعي الذي يشير إلى معنى (الإعلان) في الحدث، من حيث إن هذه المفردة (إعلان) تعني لغة واصطلاحاً: إظهار الشيء أو الجهر به وهو ما تعرفنا عليه بنقل الفعل الانتحاري من المكمن الخاص الخفي إلى المكان العلني لأداء فعل الانتحار؛ أما العامل الآخر فهو أن مفهوم الانتحار التقليدي الذي يسبب موت الشخص وحده قد تم العبث به هنا ليصبح موتاً شاملاً يصيب الفردَ المنتحر ومجموعةً آخرى تم لهذا الموت ذاته استهدافها وجرّها قسراً إلى الموت معه، وهو فعل لا يخلو من معنى التعميم والجهر والإعلان أيضاً.

4- جدلية النار والجنة في العمل الإرهابي

لا يعرف الإرهابيُ الناسَ الذين يفجّر نفسه في أجسادهم وأنفسهم، مثلما لا يعرف السبب (الواقعيّ) الذي يدعوه إلى المضي قدماً في تنفيذ فعله الشنيع هذا بهم، الأمر الذي يدعونا إلى الافتراض أن عداوته لهم وعداءهم له – بحسب ظنّه – هو السبب الذي يتحكّم في صيرورة الحدث حتى نهايته. بعبارة آخرى إنّ الإرهابيّ الانتحاري يفترض أو (يتخيل) العداوة المشتركة المتبادلة بينه وبين الناس الذين يسعى لقتلهم، وهي نوع عداوة تحدث دون سبب واقعي لها، من حيث انتفاء معرفة المنتحر وجهله التامّ بالهوية الفردية لكل واحد من أولئك الناس بل وانتفاء أية علاقة واقعية له بهم. ومثلما كانت لحظة العداوة هذه مفترضة متخيلة لا واقع حقيقيا يدعمها، كذلك هو الحال مع الهدف الأسمى والغاية النهاية التي يحدّث الانتحاري بها نفسه أعني (الجنة) أي ذلك المكان المتوهم في نفسه المريضة والذي (يتخيّل) ذهابه اليه بعد انتهاء لحظة الموت الشامل له ولضحاياه الأبرياء.

لكن لماذا يعتقد الإرهابي المنتحر أنه سيذهب إلى الجنة؟ ما نوع اليقين الذي يسوّغ لذاته الذهاب بعد موته إلى هذا المكان (المتخيل) المفترض الذي لا صلة له (واقعية) سببية تفسر له أو لأحد سواه يقين ذهابه إلى تلك الوجهة الغيبية المتعالية؟

ثم ماذا بشأن الآخرين من ضحاياه الذين سيموتون بموته، أعني إلى أين سيذهبون بعد ان (تأكد) له ذهابه إلى الجنة ؟ أيمكن لأحد منهم أن يذهب إلى الجنة معه؟ وهل ترى سيقدم الانتحاري على إتمام فعلته لو تأكدت له مثل هذا الفرضية؟

أم أنّ (يقينه) المتخيل بذهابهم إلى النار هو الذي يشدّ من عزمه ويدعوه إلى المضي بالحدث حتى نهايته؟

أحسب أن الإجابة الصحيحة عن هذه الاسئلة كلّها تتمثل بالقول: إن صراعا كهذا يخوضه الإرهابي بموته وسيلة لحدوث موت الآخرين، يشتبك فيه يقينان مفترضان ومرتبطان على نحو جوهري، هما يقين ذهابه إلى الجنة ويقين ذهابهم إلى النار، وهما نوعا يقين يسبب أحدهما الآخر وينتج عنه، أعني أنّ يقين الإرهابي بذهاب الضحايا الأبرياء إلى النار هو الذي يعزز ويسوّغ للمنتحر يقين ذهابه إلى الجنة، لأن الاعتقاد بذهابهم إلى الجنة معه يفرّغ العمل الإرهابي من لحظة الصراع والاختلاف والعداوة تلك اللحظة التي تتحكم بصيرورة المشهد الدموي وتغذيه من الداخل وتجعله ممكناً. ومعنى هذا أن الإرهابي المنتحر لا يريد (التخلّص) من حياته (وحده) لأن مثل هذا الفعل لا يؤدي به إلى الجنة، لذا فإنّ ما يريده هو (التخلص) من حياة الآخرين وهو الفعل الكفيل – بحسب ظنّه – بذهابه إلى الجنة، إنه العلّة الفاعلة التي تسبب رحيله إلى ذلك المكان وهي علّة تتأسس جوهريا على عداوته لهم واختلافه عنهم، لا في نوع الوجود في الدنيا فحسب، بل اختلافه عنهم في نوع المكان الذي تجمعه الآخرة من خلال اعتقاده بذهابهم إلى النار أيضاً.

5- الواقعي والمتخيل في بنية العمل الإرهابي

ثمة الكثير من الخيال إذن في بنية العمل الإرهابي وهو نوع خيال متأصل فيه يتوزع لحظاته كلّها، أعني ماضي الحدث وحاضره ومستقبله.

في ماضي الحدث ثمة عقيدة فاسدة (متخيلة) تفترض عداوة الآخرين المطلقة لمخالفيها بحيث تجب تصفيتهم وقتلهم، ومثل هذه العقيدة يجري حقنها في ذهن الإرهابي من قبل مجموعة (متدينة) تستغل جهله لاستنبات المتخيل فيه، متخيل الخلاص من أعدائه ومتخيل الجنة، تلك التي تمثل اللحظة الحاضرة حين بلوغ الحدث ساعة الصفر، أما العنصر المتخيل في مستقبل الحدث فهو ما تتولى العقلانية الإعلامية اضافته إلى الحدث الواقعي ليصبح حدثا فائقا مفارقا للواقع يصعب تصديقه، إنها ستراتيجية رفع الحدث الواقعي إلى رتبة المتخيل سبيلا لنشر الرعب والهلع بوصف هذه النتيجة إحدى الغايات الاساسية لمعنى الحدث الإرهابي.

وهكذا يمكن القول أنّ ثمة نوعاً من الغياب الواقعي لعناصر المشهد كله، غياب يصادره حضور الجنة المتخيل في ذهن المنتحر، الأمر الذي يعني ان (العلة الغائية) بحسب تعبير أرسطو، هي التي تتحكم الآن في قوانين اللعبة كلها، ومثل هذه العلة لا تمت بأية صلة لواقعية المشهد كله، من حيث كونها علة تأتي من مكان آخر بعيد متخيل ومفترض، إنها لحظة المستقبل القادم التي يفترض المنتحر أن شظايا جسده المتناثر ستلتئم عندها حيث مشهد الحور العين والخلود ذلك الذي لقنته العقيدة الفاسدة للمنتحر بوصفه النهاية السعيدة للعبة التفجير كلها، النهاية التي ستبدأ العقيدة الفاسدة من خلالها تصنيع الحدث ونشره إعلامياً بالطريقة التي تراها مناسبة لها أي الطريقة التي تحث المزيد من عناصرها على ارتكاب الفعل الشنيع نفسه.

وهكذا يجري تقطيع صورة الحدث ومونتاجه واستغلاله من خلال وسائل الإعلام لغايات سياسية ومذهبية تفهم الأحداث الكبرى بطريقة نظرية خاصة، تختلف عن طريقة حدوثها الواقعي، عبر تأويلها وتكييفها وتصنيعها على وفق الإرادة السياسية لأصحاب هذه العقيدة من أجل عرضها إلى الآخر وهي مشبعة بالرؤيا الخاصة التي ينبغي أن يكون الحدث عليها – بغض النظر عن درجة قرب أو بعد صلة الحدث المصنّع بنسخته الواقعية ـ.

ولأن المنظومة العقلانية للناس تعتمد الصدق والكذب معياراً منطقياً لقبول وفهم حدث ما من جهة، ولأن حدثاً واقعياً جسيماً غالباً ما يكون مشوباً بالغموض بحيث لا يعرض معه كل أسبابه المنطقية الخفية السابقة عليه والمؤدية إلى فهمه على نحو كامل، من جهة أخرى، سعت العقلانية الإعلامية لهذه العقيدة بكل ما أوتيت من حكمة ومكر فني لتلافي هذا النقص في منظومة الأحداث الواقعية، عبر إضفاء المزيد من العناصر المنطقية المصنعة عليها، من أجل أن تخرج للعيان محكمة الترابط بين حلقاتها لا ثغرات ولا نقص فيها، لاشك يمكن أن يرقى اليها، حتى يمكن القول عنها، بأنها أكثر واقعية من الحدث الواقعي نفسه.

وهكذا يقدم الفعل الإرهابي نفسه في بنية تخييلية، أكثر منها بنية واقعية، ولسنا نضفي هذا الوصف عليه انطلاقا من قدرته ومفارقته لما هو عقلي وشائع ومنطقي فحسب، إنما نستخدم هذا الوصف له، انطلاقا من حقيقة مفادها، أن مجموعة العناصر الواقعية المساهمة في صنعه والسابقة على حدوثه، لا تؤدي بالضرورة إلى فعل الحدوث هذا إذا ما توفرت لها فرصة اجتماعها في مكان وزمن واحد، إذ لابد من إضافة عنصر تخييلي لهذه العناصر كلها حتى يكتمل المشهد.

صنفان من العناصر

فنحن هنا في الحقيقة بإزاء صنفين من العناصر، إذ تشكّل مجموعة العناصر الواقعية أولاهما، تشكّل عملية تفجير المنتحر لنفسه في وسط تلك المجاميع الواقعية الصنف الثاني منها، أعني العنصر التخييلي اللازم لاكتمال المشهد.

مجموعة الصنف الأول وهي الواقعية ترتبط بينها ويؤدي بعضها إلى بعض بما في ذلك وجود المنتحر بينها قبل حدوث لحظة التفجير، أما فعل التفجير فهو فعل لا يشتمل على أي خلفية واقعية ولا يمكن أن ينتمي إلى مجموعة العناصر الواقعية للمشهد، فهو عنصر يتم استحضاره من عالم الخيال لإكمال هذا المشهد الواقعي للحدث المروع.

مثال ذلك اننا إذا أردنا تفجير خزان من الوقود، فأن مثل هذا الإجراء يستدعي منا تهيئة جميع العناصر والمستلزمات المادية لإنجاز عملية التفجير هذه.

فضلاً عن ان اختيار لحظة التفجير والإرادة الواعية لإنجاز هذه المهمة، ومن الواضح القول هنا، ان جميع العناصر التي ساهمت بهذا القدر أو ذاك في تفجير خزان الوقود بما في ذلك زمن التفجير والإرادة الواعية المسؤولة عن إنجازه، هي عناصر واقعية بأجمعها، ولا يمكن أن نعثر بينها على عنصر غريب مفارق لها.

في مثال آخر نسوقه لتوضيح القصد نفسه، نقول إن اصطدام قطارين واشتعالهما وهلاك من فيهما جميعا، أو انهيار عمارة سكنية كبيرة هي أحداث تجري بعناصر واقعية تؤدّى بمفردات الواقع وعناصره مهما بدت النتائج التي تسفر أحداث من هذا النوع عنها كارثية ومروّعة.

بمعنى انها أحداث تستحصل تصديقها منا بيسر وعبر ملكاتنا العقلية وحدها أي دونما حاجة منا إلى الاستعانة بمخيلتنا لفهم أو تصديق طبيعة الحدث.

أما تصورنا للفعل الإرهابي فأن عملية تصديقه من قبلنا ستكون محتاجة بالضرورة لاضافة عنصر المخيلة إلى مجموعة العناصر الواقعية المؤدية إليه من أجل اكتمال فهمنا وتصورنا لإمكان وقوعه، تماما كما كان منفذ العملية بحاجة إلى ذلك العنصر المتخيل لإنجازها اي إلى تفجير نفسه، عبر استحضار عنصر آخر لها من مكان آخر، مكان غير واقعي البتة، مكان يؤثث الموتُ عناصره متأهبا لاستقبال ما سيؤول من الحياة له، مكان متصل بالعالم الآخر ومحايث له، بل ومُستمَّد منه باعتبار ان الجنّة التي تحضر بيقين في ذهن المنتحر لحظة تفجيره لنفسه، هي الغاية والمحرّض ومركز ثقل الحدث كله.

المهم هو القول هنا، ان فعل التفجير الانتحاري هو حدث تخييلي، حدث يذهب بعناصر الواقع مرحّلاَ إياها إلى لحظة متخيلة يكتمل المشهد بها، تماماً كما يستحضر الإعلام هذه اللحظة والبنية التخييلية للحدث الإرهابي، ليضفي عليها المزيد من عناصر التشويق والإثارة والايديولوجيا، مستغلاً أو مستثمراً صلاحية هذه البنية وأستعدادها التخييلي لاستقبال اضافات لها من النوع نفسه اضافات مصنعة تخييلية، تعدّل وتحرّف وتضيف إلى هذا المشهد الواقع – تخييلي، عناصرها الإعلامية الخاصة لتجعله واقعيا، يفهم بطريقة واقعية، لا أثر للمخيلة والتصنيع فيها.

العقيدة الفاسدة إذن تصنّع الإرهاب مستعينة بالمتخيل على إنجاز مهامه، ومثل هذا المتخيل الذي تمّ لنا بيان مفرداته هو المادة الخام التي يستمد الإرهاب تعريفه ومعناه منها، أما التعريف المقابل لهذا التعريف المتخيل، وهو تعريف الجهة التي يقع فعل الإرهاب ونتائجه عليها فهو تعريف واقعي يحذف المتخيل من بنية التعريف المضاد ليستبقي عناصره الواقعية

فحسب، أعني مشهد الموت والدمار والهلع ذلك الذي يستلزم وضع نهاية ما له تؤسس لها بنية التعريف نفسه.

* مركز العراقية للدراسات والبحوث والتطوير