اليأس ليس حلاً..

194

أنسام الشالجي /

دمعة كبيرة جمدت في طرف عينها، وكلمات تبدو تائهة وتحاول أن تتماسك، جلست على أقرب كرسي صادفها، ونزلت دمعتها والكلمة الوحيدة التي قدرت على نطقها كانت (آه)..
مشهد حقيقي
هذا ليس مشهداً من فيلم أو مسلسل، إنما حالة السيدة منى (اسم غير حقيقي، مهندسة، ٦١ سنة وجدّة لحفيدين)..فاجأني وضعها الذي وصفته، لأنها من أنشط عضوات مركزنا، وتشارك في ورشات العمل كافة وتتميز بطاقة ايجابية وعلى استعداد دائم لمساعدة الجميع..وضعت الماء والقهوة أمامها، لم اتحدث اليها، بانتظار ان تهدأ قليلا وتخبرني عما حدث..

خيار صعب
قالت إن ابنها الوحيد (محمد) الذي تعبت كثيرا في تربيته بعد وفاة زوجها وكان عمره سنتين فقط، وتحملت الكثير من المتاعب، ولاسيما في سنوات الحصار كي لا تحرمه من اي شيء والذي قامت بتزويجه ممن احبها، ولم تعارض رغم انها تكبر ابنها بعشر سنوات.. “تركت لهما البيت كله واكتفيت بغرفة واحدة منه، فالبيت صغير، ٧٥ مترا مربعا، بعد ان سمعتها يوما تقول لابني إنها تراني امامها في كل زاوية وتشعر بأنها ضيفة وليست سيدة البيت..وبعد احالتي الى التقاعد، اصبحت تفتعل المشاكل وتطالبني بمغادرة البيت، في البداية بيني وبينها، ومن ثم أمام ابني الذي كان يبقى صامتا.”
وتعود ابنها، بعد ان تذهب زوجته الى مقر عملها، ان يعتذر منها ويقسم بانه لن ولم ينس تضحياتها لاجله ولكنه لا يريد مشاكل معها.. “ويوم امس افتعلت مشادة وارسلت حفيديّ الى بيت اهلها وخيرت ابني بيني وبينها، وصمت ابني لبرهة وتوجه بنظره اليها كاشارة بانه يختارها.”
قالت منى ذلك واضافت أنها ذهبت الى بيت أهلها وأتاها ابنها معتذرا منها وطالبها بأن تذهب للعيش في بيت شقيقها او أن تقوم بتأجير بيت صغير وأن راتبها التقاعدي يكفيها لدفع الإيجار وانه سيعينها في مصاريف البيت ومتطلبات الحياة.. ولم ترد عليه، فقد اخرسها الخذلان.

الخذلان..
الخذلان.. كلمة واحدة تضم خيبة الامل والاحباط والانكسار وكل ما يرتبط بمشاعر انسان لم يتوقع ان يكون رد من احب وضحى لاجله النكران والتخلي عنه.. الخذلان غصة كبيرة، واحيانا يكون جرحا كبيرا.. نادرا ما نجد شخصا لم يشعر بالمرارة لأن شخصا عزيزا عليه خذله..
اقترحت عليها ان نجعل (الخذلان) مادة لورشة العمل الشهرية في المركز، شعرت بالحرج، لذلك طالبت اعضاء المركز ومتابعيه ان يكتبوا قصصهم عن الخذلان..

قصص
وجاءت القصص، وربما كانت اكثر مرارة. كانت قصة نوال (٣٥ سنة، ربة بيت وخريجة اداب وام لابنة واحدة)، فقد حذرها والداها من الزواج من ابن الجيران الذي كان قد احب اثنتين من بنات الجيران قبلها وتخلى عنهما،. اقسمت بانه يحبها ودليله بأنه يطلبها للزواج.. واخبرها والدها بآنه تخلى عن الاولى بعد ان اشترت الثانية سيارة والتي تخلى عنها بعد ان عرف بأنه سجل البيت الذي يملكه في منطقة اخرى باسمها وهو بيت كبير وفي منطقة مرغوبة وغالية.. ولم تصدق والدها واقسمت بانه يحبها وعلى استعداد ان يسكن معها بالايجار.. وفعلا تزوجا وسكنا بالايجار لمدة سنة ومن ثم وافق والدها ان يسكنا في البيت الذي سجله باسمها واكتشفت فيما بعد بأنه زور الوكالة وباع البيت وسافر الى الخارج وجاء المشتري وطالبها باخلاء البيت..
وقصة وليد (مدرس، ٥٢ سنة) الذي ساعد زميله كثيرا، سواء ماديا او باعطاء الدروس للطلبة نيابة عنه ليغطي غيابه، وحين احتاج مساعدته ليكون بديلا عنه لمدة اسبوعين ليرافق زوجته الى المستشفى لاجراء عملية جراحية فوق الكبرى رفض بإصرار، وانقذه مدير المدرسة الذي وافق ان يكون بديلا عنه..

النسيان
قرأت منى القصص، واعتقدت ان الخذلان غصة لا نهائية، اكدت لها بأنها على خطأ، صحيح انه غصة عميقة، لكن في الامكان نسيانه.. في حالتها، وقبل ان نفكر في كيفية نسيان خذلان ابنها لها، وهي في المركز، اتصلت بها والدة كنّتها معتذرة من تصرف ابنتها وقالت إن ابنها اخبرها بتصرفات ابنتها وبانه خجل من نفسه لأنه خذلها، واكدت بانها لا تقبل بسلوكها، ولاسيما انها لم تقم باي تصرف ضدها ولم تسمعها كلمة غير طيبة، وقالت لها بأنها سترجع الى البيت عصرا وان أعادت الكرّة فإن بيتها أمامها وستكون معها ضد ابنتها وابنها.. ودمعت عيناها ويبدو انها نسيت..

كيف نتغلب على الخذلان؟
الخطوة الاولى ان نكون صريحين مع انفسنا، متصالحين معها ونتعامل مع ما حدث بواقعية، نبكي ونتحدث الى اناس نثق بهم وان لم نجدهم نكتب ما نشعر به، المهم ان لا نكبت هذا الشعور المرير وكأن شيئا لم يحدث.. ومن ثم نراجع انفسنا، ونحذر من العطاء بدون مقابل، وطبعا ليس من المفروض ان يكون المقابل بحجم العطاء، انما كلمة طيبة تكفي احيانا.. وان نبتعد عمن خذلونا، اما ان كانوا من القريبين جدا، فعلينا ان نمنح الوقت لأنفسنا ولهم، علّهم يراجعون انفسهم، ونادرا هناك من لا يراجع نفسه وحينها نتركه للزمن ونعود الى حياتنا الاعتيادية ونتوقف عن التفكير بالغصة ونحاول، ولابد ان ننجح بالتعامل بوعي كبير مع الآخرين حتى ان كانوا مقربين..

وأخيراً..
الحياة مواقف، قد تكون احيانا حلوة واخرى مرة، نفرح مرة ونشعر بالغصة مرات.. ولنتذكر، فقد نكون سببا في خذلان احدهم ونطلب السماح منه، فالخذلان، كما اسلفنا، من اصعب المشاعر المرة التي يواجهها الانسان وهناك من لا يتحمله وقد يتعرض الى سكتة قلبية او الى مرض عصي مثل قرحة المعدة..