بحيرة “ساوة” الألغاز

78

جواد غلوم – تصوير: علي بشار /

السماوة فاعتذرت أول الأمر، لكنني رضخت أمام إلحاحه الشديد، غير أني اشترطتُ عليه أن نزور بحيرة ساوة العجيبة في أسرارها وألغازها وحكاياها الغامضة؛ فوافق على الفور رغم أنه أكّد لي أنه لم يزرها طوال الثلاثين سنة الماضية، لكننا سنزورها معا بناءً على رغبتي الملحّة .
دعاني صديقي السماويّ المحتد المولد والمنبت إلى زيارته في مدينته هذا المرفق السياحي المهمل الآن هو بحيرة رابضة وسط الصحراء القاحلة، ليست ظاهرة للعيان ولا يبصرها قاصدها حتى تطأ قدماه حدودها، مجهولة المنشأ والتاريخ، البعض من العقول الساذجة يعتبرها كائناً حيّاً يتحسس ويتألم لكنه عاجز عن النطق، لا مثيل لمياهها في كلّ بحار العالم وبحيراته بسبب كثافتها الشديدة التي هي أعلى بكثير من كل المسطحات المائية على الكرة الأرضية!
كنا قبلاً، أيام الفتوة والشباب نزورها في السبعينيات على شكل أفواج سياحية صغيرة، حين كانت المدارس تنظم رحلات لطلابها أوقات العطل الرسمية والأعياد في سفرات مدرسية ممتعة حقاً.
بعد وصولنا السماوة اتجهنا نحو الطريق الجنوبي – الغربي من مركز المدينة وقطعنا قرابة الثلاثين كيلومتراً لنصل إليها، مياه مشبعة بالكبريت، دافئة على الدوام مع ارتفاع نسبة الملوحة فيها، مؤهلة تماماً لأن تكون مشفىً ومنتجعاً سياحياً لا مثيل له، ومركزاً لعلاج الكثير من الأمراض الجلدية .
الغريب أنها تعلو الصحراء المحيطة بها قرابة الخمسة أمتار، لكن مياهها لا تتسرب إلى المناطق المحيطة ولا تذوب في الرمل، فقد كوّنت حول محيطها حواجز من الكلس لا يعرف أحد من أين أتت كل هذه الكثافة الكلسيّة. كما أن مصدر مياهها غير معروف تماماً، رغم أن البعض من المختصين يعزوه إلى ينابيع مجهولة تغذي البحيرة، لكن مستوى الماء فيها ثابت رغم تقادم الزمن، وهناك من يقول أن مصدر مائها سببه تدفّق مياه باطنية تأتي من خلال التصدعات المنتشرة في قاعها .
حيك حولها الكثير من الألغاز والأساطير، فالفرس يعتبرونها لعنةً وغضباً إلهياً، إذ سقطت أربع عشرة شرفةً من العاصمة “المدائن” وارتجّت مبانٍ كثيرة واهتز إيوان كسرى بفعل الفيض العارم الذي أحدثه ماء البحيرة ووصوله إليهم أيام حكم الفرس الساسانيين. أما العرب فيعدونها مقدّسة وماؤها يجلب السعد واليُمن لأنها فاضت فيضاً هائلاً يوم ولادة الرسول الكريم (ص). وبغضّ النظر عن صحة ما يقال عنها من ألغاز وأسرار قد لا يقتنع بها البعض، فإن قسماً من الأقوام الذين يسكنون قريباً منها يخافون زيارتها ليلاً لاعتقادهم بخروج أشباح متعددة من الكهوف المنتشرة في محيطها، وإذا اضطر أحدهم وصادف وجوده ليلاً هناك، فإن عليه أن يتسلح بالتعاويذ والحجب صوناً لنفسه من الأرواح الهائمة. ومن الطريف أن بعض المزارعين المجاورين يصفونها بالبخل الشديد، فهي لا تمنح ماءها لأحد، إذ قرر أحدهم إنشاء قنوات ريّ من البحيرة إلى مزرعته المجاورة للاستفادة منها في سقي مزروعاته، لكن الماء وصل إليه كلساً محضاً، بل تحوّل بعض الكلس إلى حجارة صلبة سدت منافذ القنوات!
هذه بلادنا، وادي الرافدين، خزينٌ هائل من الأماكن السياحية، وإذا استثنينا إقليم كردستان ومراقد الأئمة الأطهار التي تشهد جذباً سياحياً ملحوظاً، فإن بحيرة ساوة تتعرض لإهمال شديد جداً وتنعدم فيها الخدمات تماماً، ومن النادر أن يحلّ بها زائر أو سائح، عكس شقيقاتها بحيرات الحبانية والرزازة والثرثار التي تشهد في فترات الأعياد والمناسبات زواراً بأعداد لا بأس بها .
نأمل ان تلتفت محافظة المثنى، بالتعاون مع الهيئات السياحية المعنية بالأمر، لإحياء هذه البحيرة التي أوشكت أن تنسى، وذلك من خلال بناء بعض المرافق السياحية الضرورية وتأهيلها كمنتجعات سياحية أو مصحات لمن يعانون من الأمراض الجلدية لاستخدامها كمشافٍ علاجية وتنظيم جولات سياحية لزيارة البحيرة في الأوقات المناسبة لعلها تزهو ويلتئم شملنا بها كما كنّا في عهد السبعينيات، عسى أن تنشط الفعاليات السياحية والعلاجية في بحيرة “ساوة” الأعاجيب !