بسطيات ومحال للأسلحة والملابس العسكرية تجهز جيوشاً وعصابات

540

أنسام الشالجي/

قبل بضعة أسابيع كلّف رئيس تحرير مجلة “الشبكة” أحد المحررين بمحاولة شراء ملابس عسكرية من المحال التي تبيعها في الباب الشرقي، لمعرفة كيفية بيع مثل هذه الملابس وما إذا كانت هناك شروط أو أوراق ثبوتية لغرض الشراء. وبعد ساعتين عاد المحرر ومعه ثلاث بدلات عسكرية أنيقة مع رتب فريق ركن وعقيد وملازم أول.

لا يكاد يمر أسبوع من دون أن يسمع العراقي، ضمن نشرات الأخبار، عن قيام مجاميع مسلحة مجهولة بارتكاب جرائم مختلفة، وللمثال وليس الحصر هذان الخبران، الأول يكاد يتكرر أسبوعياً “مجموعة مسلحة ترتدي زيّ الشرطة قامت بقتل صاحب صيرفة وسرقة 100 مليون دينار” و”مجموعة مسلحة ترتدي زي الجيش اقتحمت مركز شرطة وأخلت سبيل موقوفين”.

وتبدأ التكهنات والشائعات في الشارع عن الجهة التي تقف خلف هذه المجاميع المسلحة، فيما تبدو الأجهزة الرسمية شبه عاجزة عن إيجاد حلّ لها.

في “قصة الشبكة” لهذا العدد، لن نتوجه الى الجهات المختصة التي يبدو أنها ليست ذات صلة بالموضوع، لأنّ ما نشير إليه من وقائع في هذا التحقيق يحدث أمام أنظار هذه “الجهات المختصة” التي لم تتخذ ـ ولا أظنها ستتخذ ـ ما يضمن عدم تكرار هذه الجرائم.

جنابر عسكرية!

في أسواق بغداد الشعبية وتحت مجسراتها، وفي محالّ علنية، هناك من يبيع الزيّ الرسمي لمختلف صنوف القوات المسلحة والأمنية ومعها الرتب المختلفة، فضلاً عن بيع الستر الواقية والخوذ وغيرها من التجهيزات العسكرية. البعض يبيعها في محال والبعض الآخر يعرضها في جنابر وعلى الأرصفة، مثلها مثل أية بضاعة أخرى برغم خطورتها. ومن السهولة بمكان أن تقوم مجموعة من الأشرار بشراء زي قوات سوات مثلاً، وأن يمنح أحدهم نفسه رتبة لواء وربما فريق ويمنح آخر رتبة نقيب ويجعله مرافقاً له ويرتدي الباقون رتباً مختلفة، يمكن لهم أن يشتروا من المحلّ المجاور منظومة أضوية تومض بسرعة، كانت في بداية الاحتلال إشارة إلى مركبات المسؤولين مع منظومة صافرات، كانت أيضاً إشارة إلى مواكب المسؤولين، ومن محل ثالث يشترون اللاصقات الزجاجية المظللة، لتصبح المجموعة الشريرة قوة عسكرية كاملة العدة والعدد وتقوم بإخفاء أرقام السيارات أو رفعها. ثم يبدأون رحلة البحث عن الأسلحة. وهي على ثقة تامة أنْ لا سيطرة في الشارع ستوقفها، طالما المركبات مظللة وأضويتها تومض والمركبة الأولى تطلق صوت صافرتها. وتنتهي (الخطوات) الأساسية لتشكيل المجموعة، ولم يبق إلا توفير السلاح للبدء بالعمل!

بيع الكتروني!

في كلّ محافظة، هناك أسواق لبيع السلاح بمختلف أنواعه؛ الخفيف والمتوسط والثقيل، مع عتاد هذه الأسلحة.. ولكنْ في هذا التحقيق، لن نذهب إلى هذه الأسواق التي يعرف عناوينها تجار الأسلحة والأشرار الذين يشكلون المجاميع المسلحة المجهولة، وكذلك من يريد أن يشتري قطعة سلاح للدفاع عن نفسه، وبكل تأكيد فإن هذه العناوين لا تخفى على “الجهات المختصة” التي قد تدافع عن نفسها بالقول إن هذه الأسواق تبيع السلاح بالخفاء وإنها لن تعرض ما لديها من دون الاتفاق على كلمات سر لتفادي المداهمات الأمنية! ولكن عشرات التحقيقات الصحفية سواء في الاعلام العراقي أم العربي والغربي نُشرت عن الموضوع متضمنة معلومات عن هذه الأسواق التي غالباً ما تعرض بضاعتها علناً.

في هذا التقرير سنمرّ على صفحات فيسبوك التي تعلن بيع مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والكواتم (قانونياً .. تعتبر حيازة هذه الأسلحة من جرائم الارهاب ويحاكم عليها استناداً الى قانون 4 إرهاب) والغريب أن هذه الأسلحة من مختلف المناشيء، وبعضها إسرائيليّ!

عشرات الصفحات، بعضها مجموعات مغلقة لابدّ من الانضمام اليها لمعرفة ما يجري فيها، وأخرى صفحات شخصية أو عامة تشير إلى إنها أسواق سلاح في بغداد والمحافظات الأخرى. صور أسلحة مختلفة بدءاً من المسدس الشخصي مروراً بالكاتم وصولاً إلى الهاونات وصواريخ الـ B7، وربما هناك في المجموعات المغلقة أسلحة ثقيلة مثل الصواريخ والدبابات.. الله يعلم!

ناظور ليلي

الغريب في هذه الصفحات أن باعة السلاح فيها يشيرون إلى أرقام تلفوناتهم، وبعضهم يطالب من يريد الشراء بالدخول الى (الخاص – الرسائل) للاتفاق على “مكان بعيد عن عيون المخابرات والأجهزة الأمنية”، كما يذكرون في تعليقاتهم.

ويكتب مواطن عراقي على صفحة لبيع الأسلحة الرسالة التالية: (السلام عليكم إخواني أحتاج إلى مخزن غدارة برته إيطالي عيار 9 ملم عدل سعة 30 طلقة الي عنده لا يقصر وشكراً) ويعرض آخر (أخمص روسي السعر 800 بغداد)! ويسأل ثالث (شكد سعر رشاشة فاز نص أخمص؟).

ويقول مقاتل من الحشد الشعبي لـ”الشبكة” اشترط عدم ذكر اسمه الصريح، بأنه ومجموعة من المقاتلين معه قاموا بجمع (300 ألف) دينار واشتروا ناظوراً ليلياً من خلال إحدى صفحات بيع التجهيزات العسكرية. ويقول “أبو سامر” أنه اشترى من خلال هذه الصفحات رشاشة نظيفة بـ 800 ألف دينار، وفوجئ بأن الصفحة تعرض مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة الأميركية التي تجهز لوزارتي الدفاع والداخلية حصراً. بينما فاوض “أبو شوقي” على شراء هاون، كان المطلوب 600 دولار وفي النهاية اتفق والبائع على 400 ألف دينار. سألته عن سبب شرائه لمثل هذا السلاح الثقيل، فكان جوابه انه مستعمل ويوماً ما سيكون من ضمن الأنتيكات التي يحتفظ بها!

مهما كان سبب الشراء، يبدو انه من السهولة بمكان شراء الأسلحة والذخيرة وبأية كمية مطلوبة.

لا تختلف أسعار الأسلحة في أسواق فيسبوك عن سعرها في الأسواق المنتشرة في بغداد والمحافظات، واستناداً إلى تقارير غربية، فإن فيسبوك أصبح موقعاً رائجاً وأميناً لبيع الأسلحة في العراق. ولأنها بعيدة عن أعين السلطات المختصة، فمن السهولة بمكان أن تقوم مجاميع إرهابية أو عصابات إجرامية بشراء الأسلحة المختلفة والبدء بالعمل الذي سينتج خبراً للنشرات الرئيسة من خطف وسرقة وقتل وغيرها من الجرائم.

إجراء رسمي..؟ ربما

في وقت سابق، ومع قرار إدارة فيسبوك غلق صفحات تجارة الأسلحة، خاصة بعد أن بدأ الإعلام الغربي يحذر منها، كشفت وزارة الداخلية عن تنسيق أمني بينها وبين وزارة الاتصالات وأجهزة استخبارية لتعقب صفحات تجارة الأسلحة على مواقع التواصل الاجتماعي . وفي الواقع ما زالتْ هذه الصفحات تزاول نشاطها.

لم نسمع سوى مرة واحدة خبراً عن إلقاء القبض على صاحب إحدى صفحات تجارة الأسلحة، ولم نجد إشارة إلى أي نشاط من هذا القبيل في موقع الوزارتين على الإنترنت. ونتمنى أن نسمع يوماً بأن الوزارتين وأجهزتهما الأمنية تعملان بصمت للقضاء على هذه التجارة الخطرة، التي تساهم بفعالية، في العنف المستمر، سواء اعترفت الأجهزة المختصة بذلك أم لم تعترفْ.

تسريب

ولابد هنا من الإشارة إلى تقرير صحفي سابق تحدث فيه بائع سلاح يزاول نشاطه في منطقة الباب الشرقي واسمه “علي زامل” عن طرق الحصول على الأسلحة، التي وصفها بأنها سهلة جداً ومن بينها المنافذ الحدودية قليلة الرقابة وخاصة الشمالية، مؤكداً إن إيصال السلاح إلى بغداد لا يحتاج إلى جهد، طالما وجدت الهويات المزورة الخاصة أو من يقبل الرشوة في السيطرات، فضلاً عن الأسلحة التي تتسرب من مخازن الجيش، خصوصاً من الوحدات العسكرية في جبهات القتال، إذ لا يحاسب الجنود على أسلحتهم المفقودة في ساحات الحرب أو في حالة استشهاد أحد المقاتلين، إذ يتم سحب عدد من الأسلحة ويسجل بذمة الشهيد ويتم تسريبها إلى تجار السلاح.