بعد مقتل الزوج.. إنكار واعتراف

117

#خليك_بالبيت

رجاء خضير /

الأشجار لا تموت من الأعلى وإنما من الجذور والرحمة كذلك حينما تنتزع من الداخل تموت كل فروعها
حدثت هذه الجريمة في إحدى المحافظات في قرية نائية عن المركز، بطلتها (س..) في العشرين من عمرها سمراء جميلة قالت وبدون تردد “انتقمتُ لصباي وشبابي اللذين ضاعا مع زوجي الكهل المريض واليكم قصتي كاملة”.
تروي (س…) حكايتها التي أوصلتها إلى الجريمة قائلة: “أجبرني والدي على ترك الدراسة لمساعدة زوجته في أعمال البيت وتربية أولادها، كنتُ أتذمر من هذه المسؤولية الكبيرة بالنسبة لعمري ولكن كنت لا أفصح عما يضايقني خشية والدي القاسي وعقابه الذي لا يتوقعه شخص، فإن أخطأت أو توانيتُ في أداء أي واجب يقع على عاتقي كان عقابي السجن في حظيرة الحيوانات القريبة من بيتنا، واذا ما تدخّل الجيران لمساعدتي يسمعون ما لا يسرّهم فيتركونه”.
مضت سنوات طفولتها على هذه المنوال، وكبرتُ لتكبر معها العقوبات وسبّ مستمر لأمها المتوفاة، لتتجرأ وتسأل أباها لماذا يسبّ أمها مع أنّها ميتة؟ ليصفعها بشدة وتقع أرضاً وتسيل الدماء من فمها، نهضتُ وغسلت وجهها والمكان وزوجة أبيها تهدّدها بقطع المأكل والمشرب عنها إن تجرأت وسألت أباها السؤال نفسه مرة ثانية، ويبدو أن تهديدها أعجب والدها ليحتضها ويدخلا إلى غرفتهما، لتعود هي لشغلها والاهتمام بالاطفال. وبعد ساعات من الحادث، سمعت (س..) طرقا على الباب الخارجي وفتحته لتجد شيخا يطلب رؤية والدها، نادت على والدها “رجل كبير بالعمر وفقير يطلبك عند الباب يا أبي”.
تكمل (س..) حكايتها قائلة: “خرج أبي مسرعاً مرحّباً بالضيف العجوز وأجلسهُ في غرفة الخطار وجاءت زوجة أبي ورحّبت بمبالغة وطلبت مني أن أقدّم له الشاي واعتقدتُ أنّه قريب لها أو من معارف والدي”.
أدهشها تعامل والدها معها باللين والعطف وهي تقدّم الشاي وطلب منها الجلوس “لأول مرة بحياتي يتحدّث معي بحنان ويسمح لي بالجلوس مع الضيوف” وكانت غير مصدّقة وسعيدة في الوقت نفسه لهذا التغيير المفاجئ لعلاقة والدها معها التي استمرت لدقائق معدودة فقط، فقد صدمها قول والدها مشيرا اليها وقائلا للضيف: “هذه هي العروسة” لتهرب من أمامهم ويضحك والدها مبررا تصرفها بالخجل والحياء….
فور خروج الضيف، اندلعت معركة كبيرة بينها وبين والدها، أفصحت خلالها عما أضمرته بنفسها طوال عمرها وواجهته بكل معاناتها وقسوته وزوجته معها ومن ثم انقلبت ثورتها توسلاً به ورجاءً أن يلغي موضوع الزواج بهذا الكهل المريض، ضحكت زوجة أبيها مستنكرة “كيف نلغي صفقة العمر، هو سيعطي والدك قطعة أرض زراعية وحلال كثير”! وبدأت تصرخ علّ والدها يتراجع “هل تبيعني يا أبي؟” لكنّه أصر على عدم الاستماع اليها..
وتضيف (س…): “جلست لوحدي متيقنة لا أحد يستطيع مساعدتي بعد القرار النهائي لوالدي ولمعت برأسي فكرة نفّذتها فورا، سألت عن الخطيب وعرفت عنوانه وذهبت اليه علّه سيرأف بحالي وأنا أذكره بأنّي بعمر حفيداته. لكنّني أثناء الحديث معه تأكدت أن والدي رحيم بالنسبة لقسوة هذا الرجل التي تظهر من فمه مع الكلمات وعدت بخفي حنين وتم تسريع إجراءات الزواج في فترة قصيرة بإصرار من والدي لتنفيذ الصفقة”.
ذهبت (س..) إلى بيت الزوج العجوز واستمرت حياتها كما كانت في بيت أهلها، وبخجل أوضحت ما تقصده، فالزوج العجوز الذي يعاني أمراضاً مختلفة اتّضح أنّه مريض نفسيا أيضا وروحه المريضة جعلته يتزوجها بالاسم فقط ليوهم الآخرين بأنّه ما زال رجلاً يستطيع الزواج بمن يريد من الشابات ما دام يملك المال والأراضي والحلال.
قاطعت (س…) أهلها تماماً بعد الزواج، وتعلّمت الرعي كفرصة للخروج وبدأت تقضي ساعات خارج البيت، وتقول: “لا أعرف كيف انتبهتُ لشاب كان يسير يومياً بمحاذاة النهر ويبدو شارداً وكم تمنيتُ أن أكون أنا مَنْ يفكّر بها”….
وبدأت مراقبتها لهذا الشاب تفجّر فيها ينابيع الأنوثة والشباب التي أغلقها زوجها العجوز، ويوما لاحظ نظراتها نحوه ليقترب منها وبدأت علاقة خفية بينهما وكانت على مدى أشهر حذرة خشية أن يفتضح الأمر فتُقتل وحبيبها الذي لم تحاول أن تعرف من يكون ولم تعرف عنوانه ولم تعرف إن كان يحبّها حقاً أم إنّه لا يرى فيها سوى اندفاعها نحوه وانتظاره بفارغ الصبر.
“فاجأني زوجي يوما بسؤاله عن سبب تأخري المستمر خارج البيت في رعي الاغنام”، تقول (س…) التي قدّمت له أعذارا عدّة، لكنّها قرأت الشك والريبة في عينيه، مما دفعها لتطلب ممن تسميه (حبيبي) الابتعاد لبعض الوقت وسألها بتبجح “وهل تصبرين على فراقي؟”
في الايام التالية، لاحظت كثرة خروج زوجها من البيت، وعادت يوما إلى البيت ولم تجده وسمعت من ابنته بأنّه خرج بعدها مباشرة وتيقنت أنّه يراقبها ولتضيع الاثر، غيرت طريقها، لكن لعبتها هذه لم تنفع طويلا، وفي يوم شتوي توجهت إلى حيث (حبيبها) لتجد زوجها يتشاجر معه ومع وصولها تحول الشجار إلى الضرب، حاولت التدخل” ولكن زوجي ضربني بعصاه على رأسي مما أوقعني أرضاً وحاول الهجوم عليّ” كما تدعي وتضيف “ولكن (الحبيب) الشاب حال بيننا ودفع زوجي بعيداً عني، ومن سوء الحظ لم يمر أي شخص استنجدُ به ليفك هذا النزاع، وحاول زوجي رفع صخرة بقربه ليوجهها نحو (حبيبي الذي لم ينتبه له مما دفعني أن أرفع حجارة ثقيلة وأضرب بها رأسه ليقع زوجي مغشيا عليه لوهلة”.
واستنادا إلى اعترافاتها “ارتعبتُ وخفتُ ولكن (حبيبي) هدّأ من روعي، مؤكدا أنّه يستحق هذا المصير وفاجأني زوجي بتحركه وأمسك بقدمي، دفعته بقوة وتخلصت منه مذكرة إياه بتوسلاتي به لتركي قبل الزواج بسبب عمره وأمراضه ورفضه كل توسلاتي ودموعي للتباهي برجولة زائفة فضلا عن قسوته التي حاول من خلالها تدمير شبابي”.
وتواصل اعترافاتها “وانقضت عليه بالحجار الذي حولي وأنا أصرخ لقد حوّلني والدي إلى خادمة وباعني وأنا لم اتجاوز العشرين من عمري، وأنت دست بقدميك زهرة شبابي واشتريتي بصفقة، ماذا كنت تتوقع مني”..
وصرخت (س….) بوجهه وهي مستمرة بضربه “نعم أنا وهذا الشاب نحب بعض واتفقنا….”، ولم يدعها تكمل جملتها وفاجأها قائلا بأنّ حبيبها ابن أحد معارفه ومتزوج ولديه أطفال وسارع (الحبيب) بقرار التخلص منه قبل أن يفضحهما وجاءت بإحدى قطع الحبل التي تربط بها غنمها ووضعها (الحبيب) حول رقبة الزوج، واستنادا إلى اعترافاتها “وعلّقناه بإحدى الشجرات وكأن الحادث انتحار”! وبالفعل، شاع بين الناس أنه انتحار وبعد انتهاء العزاء، عُرفت الحقيقة من زوجة (الحبيب)، التي كانت قد عرفت بالعلاقة ووشت بهما لزوجها ووصل خبر الجريمة إلى الشرطة ولم يكن أمامها في المركز سوى الاعتراف بكل شيء، لكن (حبيبها) يصر على إنكار علاقته وغيّرت زوجته أقوالها بعد أن هدّدها بالطلاق”.
الان، لا تعرف (س…) إلى متى سينكر (الحبيب) ولا تعرف بماذا سيحكم عليها القاضي وهي وحيدة فقد عدّها والدها عارا وهي إذ تعترف بجريمتها تتساءل عمن سيحاسب والدها الذي باعها وتنتظر مصيرها المحتوم..