بكرُ بن الإمام علي بن أبي طالب (ع).. جريحُ الطفِّ الذي حملتهُ فرسُهُ إلى مرقده الشريف

171

عامر جليل إبراهيم  – تصوير : حسين طالب /

تميزت محافظة بابل باحتضانها أكبر عدد من مقامات الأنبياء والمقدسات ومراقد الأولياء الصالحين الذين جعلهم الله سبحانه وتعالى مناراً ورحمة نستلهم منهم الإيمان والصبر والأخلاق الحميدة في وقت بلغ الصراع بين الحق والباطل أشدَّه.
من هذه المراقد المقدسة، مرقد السيد الجليل بكرمحمد الأصغر بن علي بن أبي طالب (ع).
“مجلة الشبكة العراقية”، وفي سعيها للتعريف بأماكن السياحة الدينية في العراق، زارت هذا المرقد الشريف، الذي يقع في منتصف الطريق الرابط بين مدينتي الحلة وقضاء الكفل في منطقة تسمى منطقة (التاجية)، وهي منطقة مشهورة بالبساتين الغنّاء المزروعة بالنخيل والأشجار المثمرة.
يشرح الشيخ (محمد طالب السيلاوي)، الأمين الخاص السابق لمزار شهيد الطف بكر بن الإمام علي (ع)، نسب السيد محمد الأصغر بن علي بن أبي طالب عليه السلام والذي يكنى بـ(بكر)، وأمه ليلى بنت مسعود النهشلية الدارمية، تزوجها أمير المؤمنين (سلام الله عليه) بعد واقعة الجمل في البصرة.
قصته
يروي السيلاوي قصة صاحب المرقد الشريف: كانت ولادته بعد سنة 36هـ، هو أصغر أولاد الإمام علي بن أبي طالب(ع). أخواله من بني نهشل من بني دارمي، وهم عائلة معروفة بولائها لأمير المؤمنين (ع)، وهنالك اختلاف في تاريخ ولادته، فمنهم من يقول إنه ولد عام 38هـ، والقسم الآخر يقول إنه ولد عام 39هـ.
تربى في أحضان أبيه أمير المؤمنين إلى أن استشهد مع أخيه الإمام الحسين (ع)، حيث توَّج رضوان الله تعالى عليه مسيرة حياته المعطاء بموقفه المشرف الذي مازلنا نتذاكره إلى يومنا هذا، ووقوفه مع أخيه الإمام الحسين (ع) عندما برز للقتال وهو يرتجز ويقول: “شيخي علي ذو الفقار الأطولِ،” وهذه الأرجوزة معروفة عن محمد الأصغر ويذكرها أصحاب السيرة إذ يقول:
شيخي علي ذو الفخار الأطولِ
من هاشم الصدق الكريم المفضلِ
هذا حسين ابن النبي المرسلِ
عنه نحامي بالحسام المسقلِ
تفديه نفسي من أخ مبجل
يارب فامنحني ثواب المنزلِ
هذه الأبيات تدلل على ولائه لأخيه الإمام الحسين (ع)، أجمع أصحاب السيرة على أنه قتل عام 61هـ في واقعة طف كربلاء، وهو ما وجد منقوشاً على الصخرة الموجودة على قبر محمد الأصغر إذ كتب عليها :(هذا قبر بكر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، كانت وفاته سنة 60 هـ على مهاجرها السلام). وهذه الصخرة معروفة يذكرها (حرز الدين) صاحب كتاب (مراقد المعارف) الذي يقول: هذه الصخرة وجدت في عهد مرجعية السيد محمد القزويني، أحد مراجع الشيعة في الحلة وعلم من أعلامها. وعندها بدأ إعمار المرقد سنة 1902م حينما تم نبش القبر ووجدت الصخرة في محراب داخل القبر، تثبت هل أن بكر بن علي بن أبي طالب (ع) هو أحد شهداء الطف، وهل دفن في كربلاء أم في الحلة، السبب الذي يذكره الشيخ المفيد في كتاب (الإرشاد) ويذكر روايتين، لكنه يحبذ الرواية القوية، الأولى استبعدها وهي أن فرسَهُ هامت به بعد أن جرح، والجراحات كانت شديدة، من كربلاء إلى هذا المكان الموجود به الآن في الحلة في منطقة التاجية، يقول استبعد ذلك لبعد المسافة. أما الرواية الثانية التي أيدها الشيخ المفيد (رحمه الله) تقول: هذا المكان لأخواله بني نهشل باعتبار أمه ليلى بنت مسعود النهشلية الدارمية وأن أخواله نقلوه من كربلاء إلى هذا المكان.
مشهد عامر بالزائرين
عن زيارته يحدثنا الشيخ السيلاوي: زيارته تكون أسوة بأخويه: الإمام الحسين (ع)، وأبي الفضل العباس، ليلة الجمعة، ويكون المرقد عامراً بالزوار، وكذلك أيام محرم الحرام وأيام صفر، والزيارة الخاصة هي في أيام شهري محرم وصفر وفي شهر رمضان، وفي أربعينية الإمام الحسين يعود الزوار لتعزية ومواساة ابن أمير المؤمنين (ع)، ويتوافد على زيارته كثير من الزوار من الدول العربية والإسلامية.
وقد استقبل المزار أكثر من 2500 عائلة في هذا المكان من أصل 5000 عائلة دخلت إلى محافظة بابل، فكانت الحصة الأوفر لهذا المزار، بحيث اجتمعت الناس الخيّرة لمساعدة المهجَّرين من أهالي تلعفر إذ أنشأنا مركزين: واحد للمتطوعين والآخر للنازحين، كما توجد قاعة لمبيت الزوار، وأنشئت الآن مدرسة دينية حوزوية قبل سنتين، وهذه المدرسة بإدارة وملاك نسوي متخصص بالدراسات الحوزوية الإسلامية، كما أنشئت مدرسة لمحو الأمية بعد موافقة الأمانة العامة للمزارات الشيعية متمثلة بنائب الأمين العام للمزارات سماحة الشيخ خليفة الجوهر، وتوجد قرابة 130 طالبة في مراحل عدة، كذلك توجد وحدة استفتاءات دينية بوجود ومباركة معتمد المرجعية الشيخ محمود الخفاجي، وفي نفس الوقت هو إمام جمعة وجماعة للمزار الشريف، وهو أكبر مكان تقام فيه صلاة الجمعة في محافظة بابل لمعتمد السيد السيستاني في هذا المكان.
إعمار المرقد الشريف
من جهته، يشرح (المهندس عامر الجبوري)، أحد المهندسين العاملين المتشرفين في هذا المزار، مراحل الإعمار وتفاصيل المزار:
يقول الجبوري إن مراحل الإعمار التي شهدها هذا المزار المبارك تعود لسنوات قديمة، أول عمارة كانت في سنة 1903م التي شهدت عمليات التنقيب وعثر على الصخرة التي تعتبر من النفائس، وبعد ذلك توالت عمليات الإعمار والترميم من قبل الأهالي والسدنة الموجودين في المنطقة بعد 2003م، وبالتحديد في عام 2012م حصلت عملية إعمار حكومية نظامية بدأها ديوان الوقف الشيعي، أحيل العمل إلى إحدى الشركات، بعد ذلك تم سحب العمل منها لتلكئها في العمل وأحيل إلى شركة أخرى، لكن في عام 2015م وبسبب الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد من جراء انخفاض أسعار النفط توقف العمل في هذا المزار، ولايزال العمل متوقف حتى يومنا هذا والسبب هو الأزمة المالية.
الأمانة العامة للمزارات الشيعية، المتمثلة بنائب الأمين العام سماحة الشيخ خليفة الجوهر، لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ قامت بالتعاون مع الحكومة المحلية في بابل بالعديد من المشاريع بنظام التنفيذ المباشر وواحد من هذه المشاريع بناء المئذنتين المباركتين، والآن اكتملت وغلفت بالكاشي الكربلائي, وهناك مشاريع أخرى منها المشروع الرئيس المتوقف المكون من جزءين أساسيين: الجزء الأول هو الحضرة الشريفة التي تضم المرقد المقدس وكذلك الأواوين الخارجية طبعاً، المساحة الكلية لهذا المشروع الضخم هي 16000ألف م2 بحدود 26دونماً وهي مساحة كبيرة إن اكتملت سوف تقدم خدمات كثيرة للزائرين، ويبلغ ارتفاع المئذنتين 31م وارتفاع القبة 21م، وارتفاع السقف في الحضرة الشريفة من 9 إلى 10م مزجج من الداخل بـ(العين كار)، ومن الخارج بالكاشي الكربلائي والنقوش الإسلامية المعروفة بفن العمارة الإسلامية، عدد الأبواب اثنان فقط: باب أمامي باتجاه الشارع الرئيس الذي يربط الحلة بالنجف، وباب جانبي. الصحن الشريف له بابان: أمامي وجنوبي. الحضرة لها بابان أمامهما مساحة الحرم 500م مقسومة نصف للرجال ومثله للنساء. الأواوين بعضها غرف وأخرى قاعات دراسية واستراحات للزائرين ودور ضيافة وتأهيل حدائق في الواجهة الأمامية للمزار، بنيت بكلفة مليارين و450 مليون دينار، هذا البناء توقف أيضاً بسبب الأزمة المالية في عام 2020م وتم استئناف العمل به بتاريخ 5/2/2020 وهناك مشروع آخر تابع إلى محافظة بابل ضمن الخطة الاستثمارية هو مشروع إنشاء الأواوين، وهذا المشروع كبير ويحتوي على مدارس دينية ومطعم كبير وقاعة ضيافة كبيرة وقاعة للمناسبات، وهنالك مشاريع أخرى استحدثتها الأمانة الخاصة بالتنسيق والتعاون مع الأمانة العامة منها تأهيل الواجهة الجنوبية للمزار وعمل سياج خارجي وحدائق بشكل يليق بالمزار الشريف، ومن خلاله تقديم خدمات للزائرين, ومشروع آخر هو فتح المزار لربطه بالطريق الرئيس بين الحلة والكفل، لكن الأراضي أمامه غير مستملكة, ومشروع الفندق كان على المنحة الصينية وننتظر المصادقة من الوقف الشيعي.
يختتم الجبوري حديثة أن المزار يمتلك أكبر أرض من بين المزارات المسجلة في محافظة بابل، وهي 26 دونماً خاصة بالمزار.