بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله مدني صالح.. “ســــقراط بغــــــداد”

369

حياة الرايس/

“أنا مدني صالح: ثور… “

أعترف أنّني شردت بذهني برهة. في درس مادّة الفلسفة اليونانيّة. حين انتبهت على صوت الأستاذ يردّد ويعيد:
“أنا مدني صالح: ثور.” يتقدّم ويتراجع إلى الوراء خطوتين بجسده الممتلئ القصير المكوّر. يصمت برهة، كمن اكتشف نفسه فجأة ثمّ يضيف: “أنا مدني صالح: ثور”. ممسرحاً المشهد ما بين الباب ومكتبه، أمام السبورة.

وأنا أجلس في الصّف الأمامي قبالته مباشرة. رفعت نظري إليه. كأنّني أراه لأوّل مرّة. تخيّلته كائناً أسطورياً أمامي، خارجاً لتوّه من الميثولوجيا الإغريقية، فوق الطبيعة وفوق البشر، نصفه حيوان ونصفه بشر. لعلّه (ماينوتور) ، هذا الوحش الدّموي المخيف. الذّي كان له رأس ثور وجسد إنسان. والذي كان يقتل كل من يجرؤ على الاقتراب منه. هوالأستاذ المسالم الوديع.

تلك الأسطورة الشيّقة

برقت عيناي بالدهشة. واستغربت المشهد وعلاقته بالدّرس؟ بعضهم ضحك…هو لم يكن يأبه بمن يضحك أو بمن يدهش. هويعطي محاضرته بأسلوبه الذي لا يشبه إلاّ “مدني صالح” ويخرج.
عندما رنّ الجرس وانتهت المحاضرة انتصبت، واقفة، أمامه قبل أن يغادر القاعة بسرعة، كعادته، قلت له: “أستاذ، هل كنت تقصد بالثور:

“البطل الأسطوري ماينوتور الإغريقي؟”

مال برأسه، المدوّر، على كتفه، برهة: ثم قال لي: “كثيراً ما ألهمت الميثولوجيا الإغريقية وألهبت خيال المؤلفين والشعراء والكتّاب والروائيين… الذين قاموا بإخراج روائع عن تلك الأسطورة الشيّقة. التّي أوجدت لنفسها مكاناً خاصّاً، بين جميع الأساطير الإغريقية. ثمّ أضاف: “إنّ (الماينوتور): هو امتزاج للبهيمة والقوّة والنبل في النّفس البشريّة. تعرفين أنّ الإنسان ليس ببشر كلّه ولا بحيوان كلّه بل هو مزيج بين هذا وذاك.”

وتركني وذهب. شيّعته بابتسامة واعدة: “قد وصلت الرّسالة أستاذ.”

من يومها وأنا أحفر في الميثولوجيا الإغريقية والسّومرية والبابليّة والفرعونية وأثري بها نصّي الأدبي….

أنا الثابت ولا يهتزّ

الذين يعرفون “مدني صالح” جيّداً يتذكّرون أنّ كلّ كلامه عن آرائه ومواقفه يبدأ بعبارته الشائعة، المعروفة، الدّالة على ثبات مواقفه: “أنا مدني صالح…” ويزيد فيؤكد لمن لا يعرفه: “أنا الموقف ولا يتفكّك وأنا الثابت ولا يهتزّ.” ذاك مدني صالح: ثقة باذخة في النّفس. واعتداد متواضع على خصاصة ماديّة. جلبتها له مواقفه الصّلبة مع النّظام.
وكأنّه كان يضع لي السّحر في اللّغة والفكرة، عندما يكرّر هذه التّشابيه. وفتنت بمثل هذه الألفاظ المتنافرة والعلاقات السّريالية بين الجمل التّي كان يبدأ أو يتخلّل بها محاضراته… وأحببت أسلوبه المتفرّد مع اللّغة. وطرائقه الغريبة في عرض أفكاره وموقفه الخّاص: يقدّم الجدّ بالهزل ليقبض على ألق الدّهشة في عيوننا. وليسيطر على انتباهنا وليهزّ الرّكود الفكريّ في أدمغتنا…لم نفهمه في بداية الأمر. وربّما ضحكنا منه أحياناً ولم نفرّق بين مزاحه وجدّه…ونراه غريب الأطوار. حتّى عرفنا طبعه وأسلوبه الفلسفي / الأدبي السّاخر ولباقته في التّلاعب بالمفردة وتطويعها لفائدة الفكرة المدهشة.

كان يحرّضنا على الثورة!

كان يحرّضنا على الثّورة على الخطوط المستقيمة، المسطّرة سلفاً والمنهجيّة الأكاديميّة. ومعاييرها الصّارمة ولا يلتزم بمنهج مُقّرر. وعلى ضرورة إعمال الذّهن في كلّ شيء. حرّر عقولنا وعلّمنا أن لا نخاف من تفكيرنا ومن الأسئلة. حثّنا على القيمة والمعنى والمعدن والجوهر في حياة الإنسان، وحواره المتّصل مع الكون والحياة والخير والجمال.

كان يفلسف المعاني والأشياء والحياة بجديّة المُحاور والمساجِل والحكيم المتواضع لا الأستاذ المتعالي أوالمتشدّق. كان هو هو سواء في قاعة الدّرس أو حين نلقاه في أروقة وممرّات الكليّة تميل به رزمة الكتب التّي يحملها بيمنيه وينساب معها جسده الرّخو الممتلئ كأنّما يحنوعليها أو يخاف أن تنفرط منه. لقيته يوماً وأنا أدخل قسم الفلسفة فمازحني سائلاً: أين تذهبين؟ قلت له إلى “قسم الفلسفة” أستاذ كما ترى. أكوغيره ههه؟ فواصل مشاكساً: “تريدين القسم أو الفلسفة” وكطالبة نجيبة أجبته على الفور: طبعاً إلى القسم أستاذ لأن الفلسفة في الأدمغة وفي كلّ مكان، أحملها في ذاتي وفي عقلي، ضحكنا بتواطؤ: أن وصل الدرس، ههه.

كلمات نابضة

ووجدت أنا فيه ضالّتي… وصادف أسلوبه الغرائبي هوىً في نفسي. ذلك الأسلوب، الذي يثير ويستفزّ ذائقتي بما يغذي مشروعي الأدبي / الفلسفي المستقبلي…وأحببت طريقته الخاصّة في تركيب الجمل. التّي تمزج بين النقد الأدبي والمضمون الفلسفي والحسّ الصّحفي الذّي يلتقط فيه بذكاء فائق صوت الناس ويحوّله إلى كلمات نابضة، صارخة بالحياة.

كان ينير لي طريقي ويأخذ بيدي، من حيث يشعر ولا يشعر.

كانت سترة القطيفة الخضراء والسّروال البنيّ اللون والقميص بدون ربطة العنق، علامة مميّزة “لمدني صالح” لعدم اهتمامه بالمظهر ولشظف عيشه. كنّا كلّنا على علم بمشكلته مع النظام الذي يضيّق عليه. كونه ليس بعثيّاً ولا يبشّر بهذا الفكر وكان يُقطَع من مرتبه حتى لا يبقى له إلاّ الكفاف في عقاب لأتفه الأسباب.

تقارير البعث

وكثيراً ما كان يعزمنا أو نعزمه على ( قدح شاي) في مقهى “القدس” المجاور لكليّتنا بالوزيريّة… ونحن نعرف أنّ تقاريرَ تكتب فينا لمجرد مجالسته خارج الكليّة. وبسبب ذلك بقي رئيس “الاتّحاد الوطني لطلبة العراق” في الكليّة المعروف بـ “خطّه الحلو” مدّة يتودّد إليّ. وقد عزمني أكثر من مرّة على إستكان شاي(قدح شاي) بنادي الكليّة. كان اللّقاء يبدأ دائما بمقدمة غزليّة، كمطلع القصيد الجاهلي تماماً، ههه. حتّى يتخلّص إلى غرضه الأساسي: وهو تحذيري من فكر مدني صالح المشوّش، غير المنضبط بمنهج أكاديمي. وعندما أعياه إقناعي قال لي مرّة وبدون مقدّمات: تعرفين أن مدني صالح متّهم بتخريب عقول الشباب؟ فضحكت، بل قهقهت حتّى التفت إلينا من بالمقهى وأُحرج جليسي / الرئيس. فقلت له نعم، تماماً مثل سقراط. إنها نعمة والله وليست تهمة أن يرتفع الأستاذ إلى مستوى سقراط: أقصى ما يمكن أن يحلم به فيلسوف في عصرنا. ولكن كما ترى ها نحن ندرس سقراط إلى يومنا هذا وهو يُدرّس في أكبر جامعات العالم، برغم أنّه حكم عليه بالإعدام واتّهم بتخريب عقول الشباب. ولكن أتمنّى أن لا يخضع أستاذنا “مدني صالح” إلى قانون السّلطة الجائر.

هيت .. أهم المدن

في مقهى “القدس” كان يحدّثنا عن مدينته “هيت” مسقط رأسه. وكان يسمّيها (المدينة الفاضلة). هذه المدينة الوديعة الغافية على الضّفة الغربيّة من أعالي الفرات، جهة الرمادي والتي تبعد عن بغداد 180 كم. تعتبر من مدن المناذرة سكانها من عشائر العرب الأقحاح كالغساسنة والمناذرة والمحامدة والجواعنة والعبيد والعبدلة والسعدي والقيسيين والدواسر وغيرهم…، تعد من أهم مدن التاريخ الإنساني القديم،.
كان يستوقفنا في الممرّات ويحاورنا وأتخيّل نفسي في شوارع أثينا مع سقراط وأحياناً يرمي السؤال علينا ويمرّ… لأنه يعرف أنّنا نعلم أنّ السؤال في الفلسفة أهمّ من الجواب.

*كاتبة من تونس
من مذكرات طالبة تونسية ببغداد