تغلَّبي على مخاوف تقدم العمر

87

أنسام الشالجي /

كيكة بشمعة واحدة، قربها زهرية صغيرة فيها وردة بيضاء واحدة أيضاً بانتظار وصول صاحبة المناسبة التي ستفاجأ باحتفالنا بعيد ميلادها وبالهدية الصغيرة..
الحكاية
اتصلت سهى، ابنة صديقتي إيمان (اسم غير حقيقي) لتعبِّر لي عن خشيتها على والدتها التي ستبلغ من العمر خمسين سنة بعد شهر. قالت إنها باتت لا تأكل إلا القليل جداً، وتمضي يومها إما في النوم أو بافتعال المشكلات معها أو مع شقيقها ووالدها. وتخشى سهى أن تصاب والدتها بكآبة حادة قد تتطور إلى مرض عصيّ على العلاج.
طاقة سلبية
ستكون حالة (إيمان) موضوعنا لهذا العدد، لأنها ليست خاصة بها فقط، إنما هي حالة تواجهها الكثيرات، وبينهن من تنجح بالعبور إلى برِّ الراحة النفسية، فيما أخريات يفشلن، والسبب الأهم يكمن في الطاقة السلبية التي تسيطر عليهن نتيجة الخوف من التقدم في العمر وتغيّر الشكل.. كانت إيمان زميلتي في الكلية، وفيما بعد أصبحنا صديقتين، نعرف أسرار بَعضنا البعض، ونتعاون في حل مشكلاتنا، وكنا نتقاسم اللقمة في سنوات الحصار. هذا لا يعني أننا نتشابه في كل شيء، فقد كانت إيمان تهتم بأناقتها جداً وتتفنن بوضع الماكياج، وكانت مهووسة أن لا تتغير مقاييس ملابسها، بمعنى أن زيادة كيلو غرام واحد في وزنها تجعلها تقسو على نفسها لتفقده بسرعة، متوقعة أنها لم تعد تجذب الأنظار! وبدأت مبكرة تخاف سنواتها، ولاسيما أن زوجها، الذي يكبرها بسنة واحدة فقط، يتمتع بتقاطيع وجه ناعمة لا تكشف عن عمره. قبل سنوات، فكرت إيمان أن تجري عملية تجميل كي تخفي آثار العمر التي تظهرها أكبر من عمرها، لكن زوجها رفض، وأكد لها أنه يحبها كما هي، وأنها ما تزال، في نظره، أجمل امرأة عرفها في حياته، ولم يكن يكذب، لكنها سمحت للمخاوف أن تتحول إلى طاقة سلبية، أحالت حياتها وعلاقاتها وبيتها إلى جحيم.
تعاون الزوج
ولأن التقدم في العمر يخيف النساء أكثر من الرجال، بحسب دراسات علمية، فإن زوج إيمان بدأ، بعد مناقشات معي، بمساعدتها لتستعيد طاقتها الإيجابية وثقتها بنفسها. أصبح لا يغادر البيت بعد عودته من العمل، وبضغط منه ومن شقيقتها وافقت أن تذهب معهم إلى المول أو السوق أو لزيارة الأهل. وفي كل مكان، كان زوجها يمسك يديها بحب كبير.. أقنعها بأن نظرة الآخرين إليها ليست بأهمية نظرتها لنفسها، وعلى مدى أشهر، حتى بدأت تستعيد الثقة بنفسها، لكن اقترابها من الخمسين أعاد إليها مخاوفها وأفقدها الثقة بنفسها مرة أخرى..
فنجان قهوة
دعوتها إلى بيتي بذريعة عيد ميلاد ابنتي، قالت إنها ستذهب لشراء هدية لها واعتذرت مسبقاً إن هي تأخرت بسبب الشوارع التي لا تُعرف أوقات الزحام فيها. في هذه الأثناء جاء زوجها وسهى وشقيقها، هيأنا كل شيء، وحين دقت الباب فوجئت بعائلتها وأنا أهنئها بعيد ميلادها، دمعت عيناها وعاتبتني لأنني ذكرتها بعمرها وبأنها حاولت أن تنسى هذا اليوم. سارع زوجها وأعطاها هديته الصغيرة، وكانت عبارة عن فنجاني قهوة، نقش على أحدهما الرقم ٥٠ وعلى الآخر الرقم ٥١. قال لها إنهما سيشربان قهوتهما معاً، ولتتذكر دائماً أنه يكبرها بعام وسيستمر يحبها. قلت لها إن الإنسان هو من يصنع يومه وعمره وإن شكل الإنسان، أي إنسان، يتغير سنة بعد أخرى، وعليه أن يتصالح مع نفسه ويتقبل شكله الذي يتغير، ولابد من أن يعرف أن الآخرين يحبونه، ليس لشكله، إنما لأخلاقه وتصرفاته معهم ولإنجازاته، سواء على المستوى العائلي أم الوظيفي..
مخاوف مختلفة
تختلف مخاوف النساء من التقدم في العمر من امرأة إلى أخرى. كان فقدان الجمال والجسم المتناسق يخيف إيمان، بينما هناك امرأة تخشى سنواتها ما بعد الخمسين إن كانت غير متزوجة، فبدل أن تعيش أيامها، يأكل الخوف من المستقبل سنواتها. وتخشى الأخرى أن لا تجد ما يكفيها من المال لتصرف على نفسها وعلى أدويتها، وثالثة تخشى انشغال أبنائها عنها، ورابعة تخشى أن يتزوج زوجها بشابة أصغر منها..
حالة نجاح
في مرة سابقة، راجعتني سيدة في الخمسين من عمرها أيضاً، وقالت إن بناتها الثلاث قد تزوجن، وابنها الوحيد سافر إلى الخارج للدراسة، لذا أصبحت تخشى من أنهم لا يحتاجونها، وأنها لا تريد أن تفرض نفسها عليهم. أضافت أنها قد هرمت، وقطعاً فإن الشباب والصغار لا يرغبون في الجلوس معها، وعرفت منها أن بناتها يزرنها باستمرار، وأن أحفادها يمضون يومين في الشهر معها، وأن لا أساس لمخاوفها التي زرعتها بنفسها. وكان الحل أن تقوم هي بزيارة بناتها وأن ترافق أحفادها، سواء إلى الأسواق أو المتنزهات، وتحاول أن تتفهم عالمهم الذي يختلف عن عالمها حين كانت صغيرة، بل وحتى عن عالم بناتها. وبالفعل اشترت هاتفاً ذكياً وبدأ أحفادها يعلمونها الألعاب وصاروا أقرب إليها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وكانوا السبب في تعرفها على صديقات في عمرها على الفيسبوك، وبدأت معهن مشروعاً لبيع الأطعمة الجاهزة، وبذلك تغلبت على مخاوفها بتخطيط حقيقي، فنجحت وأصبحت تشع بالطاقة الإيجابية..
نصائح
للسيدات اللواتي يخشين تقدم العمر وظهور التجاعيد: عليهن أن يصادقن المرآة التي لا تعرف الكذب، وأن يعرفن أن التجاعيد هي تاريخنا الشخصي وسنواتنا بنجاحاتها وإحباطاتها، بحلوها ومرها، ولابد من القول إن عمليات التجميل ليست حلاً دائمياً، إنما هي عمليات عليها أن تكررها وتخسر الأموال، وربما صحتها أيضاً. وللتغلب على مخاوف الوحدة، فإن هناك العديد من منظمات المجتمع المدني تهتم بالمتعففين والأطفال والمرأة، وتستطيع أن تشارك في العمل التطوعي معهم، وستجد أن هذه المخاوف لا أساس لها. وهناك أمر مهم لابد للمرأة من أن تنتبه إليه، وهو أن تقدمها في العمر يعني أنها انتهت من واجباتها نحو عائلتها وأهلها، وآن الأوان لأن تتفرغ لنفسها، كأن تمارس هواية كانت لا تجد الوقت لها، الرياضة مثلاً، أو أن تذهب للتسوق سيراً..
وأخيراً
فإن جملة “أصبحتُ في الخمسين من عمري” ليست مخجلة ولا مخيفة، إنما هي حقيقة، والحقيقة الأخرى هي أن الجميع يكبرون، هذه هي سُنّة الحياة وعلينا أن نواجهها باسترخاء وثقة بالنفس..