تكنولوجيا الاتصالات ما لها وما عليها

255

رفاه حسن /

أشارت الإحصاءات في سنة 2019 إلى أن ما يقارب الـ(4.39) من سكان العالم يستخدمون الإنترنت، وأن هذا الرقم ارتفع بشكل ملحوظ بنسبة 9% أي ما يقارب 366 مليون مستخدم عن إحصائيات سنة 2018. فضلاً عن ذلك أشارت الإحصاءات إلى أن عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتمتعي السوشيال ميديا في سنة 2019 وصل إلى 3.48 مع النمو بنسبة 9% أيضاً، أي ما يقارب 288 مليون مستخدم في سنة واحدة أيضاً.
أما عن عدد الساعات التي نقضيها على السوشيال ميديا، أشارت الإحصائيات إلى أننا نقضي ما يقارب 144 دقيقة في اليوم، وأن هذا الرقم يزداد ساعة يوماً.
وبالاعتماد على هذه الإحصائيات يمكننا قياس مقدار تأثر حياتنا بالتكنولوجيا التي أصبحت تحيطنا من كل الجوانب، ولا ننكر أهميتها وفائدتها الكبيرة وكيف أنها ساعدت الجنس البشري ليتقدم خطوة كبيرة نحو الرفاهية والحياة السهلة التي لا يحتاج فيها إلى بذل كثير من الجهد للقيام بكثير من الأعمال التي كانت ترهقه سابقاً، ولا سيما أن التكنولوجيا دخلت في أغلب المجالات، كالتعليم والصحة والجانب الحربي والعسكري والفضاء، وغيرها كثير من المجالات، مما يصعب الاستغناء عنها، فلا يمكننا تخيل حياتنا بدون التكنولوجيا التي تعودنا على وجودها وتسهيلها المستمر لحياتنا.
لكن ذلك لا يمنع أن ننظر إلى سلبياتها أيضاً، فهي في النهاية سلاح ذو حدين فيه الإيجابي والسلبي معاً، لذا لابد من الانتباه لتجنب المخاطر التي تُعرِّضنا لها التكنولوجيا، ولا سيما بعد ظهور الإنترنت الذي جعل العالم قرية صغيرة، وجعل الناس مكشوفين على بعضهم إلى أبعد الحدود، يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي بدون وعي كافٍ ويشاركون فيها ملايين الصور والبيانات بنحو يومي دون إدراك لخطورة هذا العمل في بعض الأحيان، وهذه واحدة من السلبيات الكثيرة التي تعرضك لها التكنولوجيا.
إن الحقيقة الثابتة وغير القابلة للإنكار هي أن التكنولوجيا قلبت الحياة البشرية رأساً على عقب، وكان لتكنولوجيا المعلومات الدور الكبير في هذه الانقلابة، فلقد غيرت كثيراً من المفاهيم على أصعدة عدّة منها الحياتي والصحي والعسكري والتعليمي والاجتماعي وغيرها الكثير. ففي الجانب الطبي تدخلت التكنولوجيا حتى في أكثر الأمور تعقيداً ومنها العمليات الجراحية، وأعطت نتائج مذهلة، كما ساعدت في نشرالتوعية والتثقيف عن الحالات الخاصة، وغيرت الطرق التقليدية لإجراء الأبحاث والدراسات، ونجم عنها الوصول إلى نتائج أكثر دقة. ولا يخفى علينا جميعاً الدور الفعال للتكنولوجيا في مجال التعليم بشتى المراحل انطلاقاً من الأطفال بعمر السنة وربما أقل، إذ وفرت لهم التكنولوجيا الألعاب المناسبة لأعمارهم ولطريقة تلقيهم للمعلومة، وساعدت كثيراً في تنمية مهاراتهم المختلفة في وقت مبكر.
لكننا لا يمكننا أن نغض الطرف عن الآثار السلبية لهذا الدخيل، فلقد أثرت التكنولوجيا، بشكل مباشر وغير مباشر، على المفهوم العام للعلاقات الاجتماعية والترابط الأسري بشكل كبير، فحلّ التواصل الإلكتروني بديلاً قوياً عن التواصل في الواقع، وتوقف الناس عن زيارة بعضهم وفترت العلاقات البشرية بنحو واضح جرّاء انتشار التكنولوجيا وتغلغلها بشكل يدعو إلى الخوف أحياناً في حياة الإنسان، وأدى ذلك بدوره إلى انعدام الخصوصية، وهذه واحدة من أهم السلبيات التي تُعرضنا لها التكنولوجيا، ولقد كانت سبباً في حدوث الكثير من الأحداث التي لا يمكننا أن نصفها بالجيدة او العادية.
إن انعدام الخصوصية هو بسبب أن مواقع التواصل الاجتماعي تحفز المستخدمين على مشاركة كل فعالياتهم عليها عبر توفير الأدوات المناسبة لذلك، وأبسط مثال هو الموقع الجعرافي، فأغلب منصات التواصل الاجتماعي توفر لك إمكانية مشاركة موقعك الجغرافي عليها أينما كنت، وهذا ربما يعرضك للخطر في بعض الأحيان دون أن تدرك ذلك، وغير ذلك من الأمور التي لا نعيرها الاهتمام الكافي ولكنها في الحقيقة لها أثر كبير في حياتنا، فإمكانات الذكاء الاصطناعي تشعرك أحياناً بأنك مراقب، وهذه هي الحقيقة، فكل ما تفعله على هاتفك أو حوله يستطيع هاتفك أن يدركه. وبالاعتماد على هذا الإدراك فإنه يقترح عليك الكثير من الأمور في الوقت نفسه الذي لا تذكر أبداً أنك قد استعملت فيه هاتفك ولو لمرة واحدة للبحث عنها ولكنه فعل.
والآن لنعد إلى العلاقات الاجتماعية التي أفسدتها التكنولوجيا، أو ربما بَنَتها بطريقة مختلفة تماماً، فالتكنولوجيا جلبت لنا قدراً كبيراً من التناقض في بناء العلاقات الاجتماعية، فعلى الرغم من أنها أدت إلى ضعف العلاقات البشرية على أرض الواقع، إلا أنها صعنت علاقات أخرى أكبر وأوسع، وربما أمتن، في الواقع الافتراضي. لذلك يشير الناس دائماً إلى أن التكنولوجيا جعلت من العالم قرية صغيرة ومكنتنا من التواصل مع أناس في أقصى الأرض كان التواصل معهم يوماً ما شبه مستحيل، لكنها جعلت الأمر الآن أسهل بكثير مما كنا نرغب فيه منذ مدة ليست بالبعيدة.
وبالاعتماد على إيماننا بأن التكنولوجيا عالم واسع لا يمكن حصره، فلا يمكننا بالمقابل حصر سلبياته أو إيجابياته في مقال واحد، لكننا عمدنا إلى التنبيه فحسب إلى أن التكنولوجيا سلاح مزدوج الاستعمال إن لم تحسن استخدامه فإنك ستخسر كثيراً، وإن أحسنت ذلك فسوف تجني الكثير من العلاقات المثمرة وفرص العمل التي ترغب بها والكثير من المال.