تهذيب الموظفين العراقيين لا مثيل له حتى في أوروبا!

352

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

في العام 1936زار جبران تويني صاحب جريدة النهار اللبنانية بغداد لتغطية أخبار انقلاب بكر صدقي في بغداد، كأول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط. وقد كتب ثلاث حلقات عن زيارته.

وقامت جريدة الطريق البغدادية، وهي الجريدة التي كان يصدرها (جعفر أبو التمن)، بإعادة نشرها في الصفحة الأولى من الجريدة. وقد نشرنا في العدد السابق الجزء الأول وننشر هنا الجزء الثاني:

بعد أن استرحنا في الرطبة زهاء ساعتين ودّعنا الرئيس محمد الياسين وموظفي المنطقة وعدنا الى السيارة، فاستأنفت بنا السير تحت جنح الظلام وكان برد الصحراء قد بدأ يقرس الوجوه والأبدان، فتدثر المسافرون وألقى كل منها برأسه على ظهر المقعد يحاول ان يستسلم الى الكرى، ولم ننس قبل مغادرة الرطبة أن نأخذ علماً بأن الساعة التي كانت السادسة على توقيت بيروت، قد أصبحت السابعة بتوقيت بغداد لأن حساب “غرينوتش” أثبت أن هناك فرقاً يبلغ الستين دقيقة بين التوقيتين.

في الرمادي

وأفقنا الساعة الثالثة والنصف صباحاً في محطة الرمادي، وهي آخر محطة قبل بغداد تبعد عنها ساعتين فدرجت بنا السيارة تحت متن جدران مشيدة الأركان تضم دوائر الجوازات والجمرك والشرطة والطيران واللاسلكي.
والرمادي مركز متصرفية “الدليم” يتولى إدارتها حضرة الإداري النشيط محمود بك السنوي من المجاهدين في القضية العربية، الذين عملوا بدون ضجيج، وقد ازدهرت الرمادي منذ سنوات ازدهاراً سريعاً، وانتشرت فيها المساكن والشوارع وأصبحت مركزاً عمرانياً حديثاً له بلدية منظمة بعد أن كانت قرية كبيرة تتخذها العشائر أسوة في بعض مواسم السنة.

القمر في الكرخ

وبعد ان استرحنا ساعة في الرمادي دعانا خلالها سعادة المتصرف الى تناول فطور الصباح، استأنفنا السير الى بغداد في طريق مزفّتة فسيحة فمررنا على جسر نصبوا على مدخله لوحة كتبوا عليها “طريق دمشق” فقلت إنها “ردة رجل” لسوريا.

ألم تطلق دمشق اسم “بغداد” على الشارع الذي تخرج منه السيارات الى الصحراء، ولنتجه الى عاصمة العباسيين، فلماذا لا تقابل بغداد هذه العاطفة بمثلها لتدل على ان الدهر قد دفن ما كان بين بني أمية وبني العباس؟

في الساعة السادسة صباحا كنا في الكرخ على ضفاف دجلة، فذكرت “ابن زريق” عندما انشد:

استودع الله في بغداد لي قمراً

بالكرخ في تلك الأزرار مطلعه
….. ورحت أبحث في الكرخ عن ذلك بعد أن وقفت بنا السيارة، فإذا بي أمام الصديق سليم عبد الرحمن، الوجيه الفلسطيني، والداعية العربي المشهور ابراهيم حلمي العمر مدير الدعاية والنشر في حكومة العراق والله يعلم اي القمرين هما!.. ان الجاحظ لو رآهما لحول عنه ذلك النجار الغليظ الذي كان يطارده، ليضع صورة على مثاله!..
جمعت الحكومة في الكرخ الجمرك، ودائرة الجوازات، ومحطة اللاسلكي، وادارة الطيران المدني في بنايات متصلة انيقة وأعطت شركات الطيران فيها مكاتب لإداراتها، فهناك شركة “إير فرنس” وشركات الطيران المصرية، والهولندية والانكليزية، تفتح مكاتبها للاهتمام بزبائنها ولا حاجة بي الى القول ان الموظفين كلهم عرب، لا أثر فيهم لأجنبي وأنهم مثال الحشمة وحسن المعاملة والتهذيب، مما لا نجده في كثير من الممالك الأوروبية.

وقد كانت الكرخ –بعد أن غاب عنها قمر ابن زريق- في حال مزرية جداً، فجعلت منها الحكومة الوطنية محلة جميلة أنيقة، ونصبت فيها تمثال فقيد العرب المرحوم الملك فيصل في حديقة باسمة نضيرة وقد ولى وجهه شطر دمشق، ينظر اليها من خلال المسافات بعينيه النحاسيتين اللتين لا يزال يشع منهما نور العطف والحنين، رحمات الله عليك يا أبا غازي، لقد حملت الملك من دار الوليد الى دار الرشيد، وتعبت في إقامته على ضفاف دجلة بعد ان خانك الحظ على ضفاف بردى، فبعثت للعرب ملكهم المضيع، وسهرت عليه سهر الأم الرؤوم على طفلها الرضيع، ومشيت به من خلال العثرات التي “أقاموها” في طريقك حتى سلمته الى الأجيال وديعة مقدسة تتجه إليها الأنظار في نهضتهم الحديثة.

صان الله هذه الوديعة من عبث العابثين وكيد الكائدين.

جبران تويني