ثمنٌ باهظ لاختبارٍ خاطئ

225

رجاء خضير /

تنتظر (س) مع والدها وإخوتها الحكم النهائي للمحكمة وهي لا تجد جواباً لماذا يخون الصديق العِشرة ولماذا البعض يقابل الإحسان بالنكران أو الانتقام؟ هل الخطأ في اختيار الصديق الذي لم يكن صديقاً أم الخطأ في الإحسان لمن لا يستحق؟

(س..) من عائلة ميسورة الحال، تربت على فعل الخير والصدق، تعرفت في سنتها الجامعية الأولى إلى (ص..) القادمة للدراسة في بغداد من محافظة أخرى، وشعرت أنها تتقرب منها كثيراً، إلى درجة أنهما أصبحتا مثل شقيقتين، عرفتها إلى أهلها الذين غمروها بالحنان والعطف، وأثناء العطلة الصيفية كانت تتحدث إليها يومياً. في المرحلة الثالثة لم تعد علاقتها مع (س..) بالقوة نفسها وكان السبب، كما قالت، أنها تشارك في نشاطات الجامعة بينما أهلها يرفضون أن تشارك (س..)، عدا هذا فإن علاقة الصداقة القوية ستدوم إلى الأبد. انتهت سنوات الدراسة وعادت (ص..) بعد التخرج إلى محافظتها واقتصرت علاقتهما على الاتصالات الهاتفية، وكانت (س..) هي من تتصل دائماً.
بعد نحو سنتين على التخرج، تمكن والدها أن يجد لابنته ولصديقتها (ص..) تعيينا في مؤسسة حكومية.
تقول (س):
فعلاً كدت أطير من الفرحة واتصلت بـ (ص..) لأبشرها فبكت ووالدتها من شدة الفرح وأكدت أنها لن تنسى جميلي هذا طوال حياتها.
عملت (س..) و (ص..) معاً، ليس في دائرة واحدة فقط، إنما في القسم نفسه، اجتهدتا وحققتا نجاحات وإنجازات وتم تكريمهن من قبل الإدارة مرات عدة. وبعد أن ثبتت (ص..) في عملها بعد سنة، انتقلت عائلتها للعيش في بغداد. رحبت بهم عائلة (س..)، وفي السنة نفسها تمت خطوبة (س..) وبدأت تتهيأ للزفاف، لاحظت أن صديقتها (ص..) تتقرب من خطيبها وتفتعل الفرص للتحدث إليه طويلاً، وبكل جرأة بدأت تعبر له عن إعجابها به وأمام خطيبته، ما دفع (س..) إلى أن تطالبه بعدم الاستجابة لمحاولات صديقتها، فصار يبتعد حين تكون (ص..) موجودة.
في يوم العرس، كان كل من حولها سعيداً، إلا (ص..)، فقد بدت غير سعيدة وعيناها مليئتان بنظرات حقد وحيرة، لكن (س..) تقربت منها وسألتها إن كان هناك ما يزعجها فأجابت بالنفي، وأضافت أنها حزينة لأن الزواج سيبعدها عنها! بعد أسابيع من زواجها، خطبت (ص..) لصديق شقيقها (ع..)، الذي كان يزور بيت أهل (س..) كثيراً وأبدت أمها قلقها من هذه الزيارات المتكررة بحجة أنه أصبح صديقاً مقرباً من ابنها وتخشى أن تخبر والدها بمخاوفها من وجوده في بيتهم، “قد تكون مخاوفي خاطئة وأظلمه”، قالت الأم لابنتها (س..)، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن نظراته إلى شقيقتها الصغرى، الطالبة في كلية الطب، ليست طبيعية.
ولأن (س..) تعرف من خلال سنوات علاقتها بـ (ص..) أن (ع..) هذا ليس إنساناً سوياً وأنه يثير المشاكل أينما يحل، تساءلت مع نفسها إن كان يفكر بالتقدم لخطبتها، وهي طالبة طب، بينما هو لم يلتحق بأية دراسة جامعية أو أن لديه نوايا أخرى! وحاولت أن تطرح موضوعه مع صديقتها (ص..)، لكنها تراجعت حين أخبرتها بأنها وعائلتها يشعرون بارتياح كبير لتردد شقيقها (ع..) على بيتهم: “نحن مرتاحون من زيارة شقيقي لكم باستمرار, فقد يتخلى عن صفاته السيئة, ولاسيما أن والدك وجد له عملاً معه.” وبدأت الصورة تتضح أمام (س..)، إنهم يخططون لاستغلال أهلها مادياً أولاً ومن ثم التقرب إلى شقيقتها وفي الأخير الاستيلاء على كل ما يملكه والدها.
عبرت (س..) عن مخاوفها هذه مع والدتها واقترحت خطة لإجباره على قطع علاقته بهم، بأن تشعره الوالدة بعدم ارتياحها من زياراته المتكررة إلى بيتهم وطالبت ابنها بعدم الترحيب به، وحين بدأ (ع..) يشعر بتغيير علاقة الوالدة به، قرر تخفيف زياراته، ويبدو أنه بدأ يفكر في أمر آخر. وتمكنت (س..) من إقناع والدها بطرده من العمل معه، وحين سألتها (ص..) عن السبب، أجابت ببساطة أنه غير كفء.
بعد مغادرته العمل، لاحظ والدها اختفاء أشياء ثمينة من محاله ومصنعه، وسألت والدها إن كان (ع..) يحتفظ بالمفاتيح قبل طرده؟ وكان السؤال كافياً ليفكر الوالد بأن لديه نسخاً من المفاتيح التي يستخدمها في سرقة الأشياء الثمينة. تجرأت والدة (س..) وذهبت إلى بيت (ص..) لتشكو أفعال (ع..) لكنها فوجئت بأنهم لم يكترثوا من اتهامها له بالسرقة وسوء الأخلاق.
تضيف (س):
عادت أمي تعبة وبدت خائفة بعد أن هددها (ع..) بالانتقام لما وصفه بتسببها في فضحه أمام أهله والجيران، وأوصتني بالانتباه إلى نفسي وطالبتها بالأمر نفسه، وكان التعب بادياً عليها ولاسيما أنها تعاني من الضغط والسكر.
قطعت (س..) علاقاتها بـ (ص..) وأهلها واستغربت لعدم سؤالها عن سبب المقاطعة.. وتنفست هي ووالدتها الصعداء وأخبرت والدها بما جرى فاستحسن تصرفهما.
بعد أيام من هذا الحادث، تقول (س):
اتصل شقيقي ولم أفهم ما يقوله بسبب بكائه وصراخ شقيقتي، ذهبنا، زوجي وأنا، بسرعة إلى بيت أهلي لنجد أمي مقيدة على كرسي في المطبخ والدماء تسيل من كافة أجزاء جسمها، ناديت أمي لمرات عدة فلم تجبني، وأكد زوجي أنها قد فارقت الحياة وجاء والدي مسرعاً ليكتشف الجريمة التي استهدفت أمي.
حضرت الشرطة وحاولت تشغيل الكاميرات فوجدتها معطلة، وعند سؤال الشرطة من الذي يعرف أن والدتي تكون لوحدها في مثل هذا الوقت من اليوم، أي عند مغادرة والدي وشقيقي وشقيقتي البيت، صرخت دون وعي أنه (ع..)، وأنه فعلها انتقاماً منا.
استدعته الشرطة فادعى أنه كان في ذلك الوقت في محافظته القريبة ولا يعرف بما حدث.
وبدأت التحريات والبحث عن القاتل ووالدي يصر أن القاتل هو (ع..) لأنه الوحيد الذي يعرف أنها لوحدها في المنزل صباحاً وظهراً، وسبق له أن هددها بعد أن فضحت سرقاته وأخلاقه السيئة، لكن الشرطة بحاجة إلى دليل كانت تبحث عنه، عن الدليل..
كانت (س..) أكثر أفراد العائلة حزناً على فقد الأم بمثل هذه البشاعة، وأصبحت تلوم نفسها، فهي التي جاءت بعائلة (ص..) إلى بغداد، وهي التي أدخلتهم إلى بيتها.
لم تتصل (ص) أو أي فرد من أسرتها للعزاء، ورغم حزنها، أرسلت (س..) رسالة نصية إليها قالت فيها: “تذكري أنك قلت لي يوم تعيينك إن هذا دين في رقبتك طول العمر، لكن مع الأسف كان رد الدين قتل أمي.” ولم تنتظر الرد بل غيرت رقم هاتفها. ويبدو أن الشرطة أخيراً وجدت دليلاً وتم إلقاء القبض على (ع..) في محافظته وسيق إلى بغداد وبدأ التحقيق الذي استمر أياماً طويلة، وبعثرة لسان صرخ “لم أقصد قتلها لكنها صرخت فأردتُ إسكاتها وحدث ما حدث”، وأضاف أنه سرق مجوهراتها ومبالغ من المال كي يبدو الحادث وكأنه كان بقصد السرقة.
(س) مع عائلتها في انتظار قرار المحكمة الذي سينصفهم، تقول:
أنا على ثقة بأن المحكمة ستعيد حق أمي التي رحلت بسبب حقد عائلة كنت السبب في إدخال أفرادها إلى بيتنا، لقد دفعت أمي ثمن صداقتي الخاطئة.