جامع الخلاني.. مكتبته دليل على عمق الحضارة والثقافة الاسلامية

67

عامر جليل إبراهيم – تصوير: صباح الإمارة /

في ساحة من أهم ساحات بغداد يطل واحد من أقدم جوامع العراق متألقاً بهندسته وقدسيته، كان ولايزال يجسد نموذج الوحدة الوطنية، فمنه كانت تنطلق التظاهرات المناوئة للاحتلال البريطاني بداية القرن المنصرم، علاوة على ذلك فهو يضم مرقد الإمام محمد بن عثمان بن سعيد العمري الأسدي.
انه جامع الخلاني الواقف بشموخ متحديا دعاة الطائفية عندما احتضن اول صلاة موحدة بين أطياف الشعب العراقي، “مجلة الشبكة” زارت هذا المكان القديم المتجدد الذي يمتلك ذكريات بغدادية يشهد لها, حيث التقت السيد (صالح محمد الحيدري) إمام الجامع وخرجت بهذه الحصيلة من المعلومات ضمن سلسلة السياحة الدينية:
جامع ومرقد
يقول السيد الحيدري: هذا المكان هو جامع ومرقد الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري الأسدي الذي ينتهي نسبه الى الصحابي الجليل عمار بن ياسر (رض)، وقد عرف بالخلاني نسبة الى بيع الخل، وقيل الخِلاني بكسر الخاء فتكون مأخوذة من الخِلة أي الصداقة والموادعة والخلق الحسن العالي إذ لم يظهر حقداً على أحد قطعا, فهو خل وصديق وصاحب لكل الناس فاشتهر عند الناس بالخلاني.
اكتسب هذا الجامع شهرته كونه يضم مرقد الشيخ الخلاني الذي كان نائبا وسفيرا للإمام المهدي (عج) وهو السفير الثاني له في عصر الغيبة الصغرى بعد وفاة والده السفير الاول عثمان بن سعيد العمري، وكانت سفارته من 265هـ الى جمادي الأولى 304هـ ويروى أنه حفر قبره بيده قبل وفاته بشهرين.
مساحة الجامع
يقول السيد الحيدري: الجامع من الجوامع الكبيرة نسبياً فمساحته بحدود 12كم كلها ملك صرف ومسجلة وانا المتولي وهي باسمي من ضمنها القبة والمئذنة والمرقد والمسجد والرواق والمكتبة التي هي في طور التوسع والصيانة والادارة وباقي الملحقات.
يضيف السيد الحيدري: في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي كانت هناك قبة فوق المرقد مبنية من الجص والطابوق وبجانب المرقد مصلى لأداء فرائض الصلاة اليومية ولم يكن المصلى بالحجم الكبير نظرا لأن رواد الجامع هم فقط من اهالي المنطقة.
في عام 1934م تم بناء مئذنة للجامع الموجودة حاليا بيد الأخوين الحاج جاسم والحاج زيدان خلف وعلى نفقتهم الخاصة وكان المرحوم السيد محمد الحيدري الذي تولى إمامة الجامع بعد وفاة والده السيد صالح السيد جواد الحيدري والمئذنة التي تم ذكرها مازالت قائمة لحد الان.
قاعة للمطالعة
يكمل السيد الحيدري: في عام 1945م باشر متولي وإمام الجامع ببناء مكتبة في احد جوانب الجامع تحتوي على قاعة كبيرة للمطالعة وقاعة كبيرة اخرى لخزن الكتب، وعند افتتاح المكتبة في عام 1955م اقام المرحوم العلامة السيد محمد الحيدري، الإمام والمتولي وبمساعدة نخبة من المثقفين على ارض قاعة المكتبة معرضا للكتاب العراقي ولجميع المطبوعات من الصحف والمنشورات إضافة الى الكتب. وقد افتتح المعرض العلامة الكبير الراحل الشيخ محمد رضا الشبيبي، وبذلك أصبحت مكتبة الخلاني العامة اكبر مكتبة اهلية عامة تقدم الخدمات، التي هي الان في طور الصيانة والتوسيع. قدمت هذه المكتبة خدمات كبيرة جدا للطلبة والباحثين في شتى المواضيع والمكتبة تضم مختلف المعارف والعلوم ولاسيما المصادر التي يلجأ اليها طلبة المدارس والكليات ورواد المعارف والمثقفين.
يتابع السيد الحيدري: تطور الجامع عمرانيا وثقافيا مع لقاءات ثقافية بين مؤسس الجامع وجمهرة من العاملين في حقل الثقافة. وقد كتب عنه نخبة من المفكرين منهم قاسم الخطاط من القاهرة وهاشم النعيمي، صحفي عراقي، وناجي جواد المحامي والعلامة الشيخ محمد رضا الشبيبي وجورج جرداق الأديب البناني المعروف الذي قال في كلمته: كانت مكتبة الخلاني اول وجه جميل من وجوه الحضارة السليمة طالعني لدى زيارتي الاولى لبغداد ولا عجب ان يرعى الفكر والمعرفة رجل كالسيد محمد الحيدري فهو وليد أولئك الادباء والمفكرين القدامى الذين منحتهم بغداد العربية.
الوائلي والجامع
يبين الحيدري انه في عام 1970م تم بناء القبة والمصلى أوسع مما كان عليه سابقا، وخلال فترة السبعينيات كان هنالك نشاط ثقافي وعلمي ملحوظ وكانت تقام مجالس عزاء في ايام شهر رمضان يحاضر فيها سماحة الشيخ الدكتور احمد الوائلي (رحمه الله)، وكان يحضر عدد كبير من الناس من مختلف انحاء محافظة بغداد، وفي نهاية السبعينيات صدر الأمر الأمني بمنع الدكتور الوائلي من القاء المحاضرات في المرقد. ويبين الحيدري ان النشاط الثقافي والعلمي وبتوجيه من العلامة السيد محمد الحيدري المتوفي سنة 1983م وهو إمام ومتولي الجامع منذ وفاة والده عام 1926م وكان مجلس السيد الحيدري آنذاك محل اهتمام في الحقلين العلمي والثقافي، وبعد وفاة المغفور له السيد محمد الحيدري اصبحت الإمامة والمتولية بيد أخيه عبد الأمير الحيدري، وهو حافظ للقرآن وخطيب بارز ومشهور انذاك وبعد وفاته اصبح المتولي وإمام الجامع السيد صالح السيد محمد الحيدري الذي اصبح بعد ذلك رئيس ديوان الوقف الشيعي بتوجيه من سماحة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله)، ثم اصبح وزيرا للحج والعمرة. والسيد صالح الحيدري ملتزم بإقامة الصلاة يوميا (جماعة).
ويضيف: بعد سقوط النظام وعودة العراقيين المهاجرين اصبح المجاهد السيد محمد الحيدري إمام وخطيب الجمعة الى وقتنا الحاضر. ويؤكد ان من الامور التي تقام في المرقد في ايام شهر رمضان ندوة لختم القرآن الكريم برعاية نخبة من القراء المميزين.
6000 مصلٍّ
يشرح السيد الحيدري: في فترة من الفترات كانت تقام صلاة الجماعة، وليس صلاة جمعة، عندما كانت في عهد النظام المباد صلاة الجمعة ممنوعة، فكنت استغل قراءة سورة الفاتحة وسورة اخرى من القرآن الكريم يوم الجمعة جهرا بصوت عال واختار سورة طويلة مثل سورة نوح، هذه السور الطويلة تغري الناس بالاستماع إليها ومعرفة ما فيها من معالم وأمور أخرى، وكان الحضور يتجاوز (6000) شخص في الصلاة.
إن أغلب أعمال الترميمات والإصلاحات البسيطة تنجز من اموال التبرعات ومن اموال المتولي دون تدخل حكومي، اغلب الناس تتبرع بمبالغ حتى لو كانت بسيطة، المهم أنهم يشاركون في اعمار هذا المكان الذي يزوره الشيعي والسني والمسيحي وباقي الأديان بدون تمييز.
اما من ناحية الحكومة ففي الخمسينيات من القرن الماضي كانوا يتبرعون للخلاني وللمكتبة خاصة سنويا 150 ديناراً ثم أن هذا المبلغ بقي ثلاث او اربع سنوات واذا بوزارة المعارف تصدر قراراً آنذاك بإيقاف هذا المبلغ من التبرع.
ويضيف: لا نسعي مثل باقي المزارات للاستثمار بل سوف نتوسع في العمران الى قاعات وتوسعات مقبلة والان هناك شركة تعمل في هذا العمل، وهي من الإمارات وضعت مخططات وان شاء الله تنفذ في القريب العاجل.
قبلة الوطنية
يقصد هذا المرقد عدد كبير من الزائرين من داخل العراق وخارجه، لما يمثله هذا الجامع، فهو تجسيد كامل لمعنى الوحدة الوطنية منذ بنائه حتى الان، فقد كان منبرا لثورة العشرين وخطيبها الدكتور محمد مهدي البصير الخطيب الرئيس فيه. كان الناس يشاهدون هنا الشخصيات المهمة والوطنية منهم المرحوم جعفر ابو التمن ويوسف السويدي والسيد عبد الكريم الحيدري وعلي البزركان وغيرهم. وبعد انتهاء الخطيب البصير تخرج من جامع الخلاني تظاهرات وطنية ضد الاحتلال البريطاني لتلتقي بأفواج أخرى من الوطنيين التي اتخذت من الحضرة الكيلانية وجامع الحيدر خانة أماكن للانطلاق نحو نفس الهدف ونفس المصير وهذه الحركة هي نشاطات القرن العشرين في مرقد وجامع الخلاني.
يستدرك السيد بالقول: بعد الحرب العالمية الاولى كانت تقام مجالس عزاء للإمام الحسين (ع) يتحدث فيها الخطيب عن الاحتلال البريطاني للعراق ما يؤدي الى خروج المستمعين خارج الجامع في مسيرة جماهيرية ضد قوات الاحتلال آنذاك.
في نهاية اللقاء قدم السيد شكره وترحيبه بـ “مجلة الشبكة” الغراء وتمنى لها الموفقية والنجاح.