جبابرة العنف الأسري

56

#خليك_بالبيت

رجاء خضير /

قطعا لا تنال المشاعر من إنسان لا يملكها وتحول إلى آلة مسخرة لإيذاء من يحبّونه، فقد تجمدت عنده مفردات الانسانية التي كانت تسّير الكون، أما الآن فالجميع يسبح في بحر وهمٍ كبير: كيف ومتى الخلاص فالله أعلم !
(هـ) سمراء جميلة في عنفوان الشباب قالت وهي موقوفة على ذمة، قضية “حين تكون البيوت جدراناً قاسية، يفقد من فيها الأمان ويتوقون إلى بصيص من الحرية للانطلاق إلى عالم آخر”. وأضافت “وهذا ما كنّا نشعره أنا وأخواتي الأربع، فقد عانت أمي الكثير من المصاعب بل والمشاكل بسبب عدم إنجابها لولدٍ ذكر، وباءت كل محاولاتها لإفهام والدي وأهله أنّها ليست السبب في ذلك بالفشل، ولم يمر يوم بدون لومها، نشأنا في هذا الجو المتوتر، لم نشعر بالأمان التي تتحدث عنه صديقاتنا في المدارس، عن عوائلهن والعلاقات المتينة والجميلة التي تربطهن بأهلهن، وحين كنّا نسأل والدتنا عن سبب هذ الفرق، كانت تبكي وتتوسل بنا أن لا نطرح ما سمعناه أمام والدنا فقد يغضب بل ويضرب ويشتم إن سمع منا ذلك.”
كان تسلسل (هـ) الثالث بين شقيقاتها، لذا لم تحظ بالاهتمام أو الرعاية كالبنت البكر، كما أن والدها وأهله لا يحبون الإناث، لكنّها ومنذُ صغرها امتلكت قوة داخلية مكّنتها أن تواجه والدها القاسي وأهله، رغم أن أمها كانت تقف حائلا بينها وبين والدها خوفا عليها. وفي مرة من نوبات غضب والدها ضد أمها، تدخلت بعد أن غطت الدماء أمها ووقفت بينهما وطار صواب والدها الذي صرخ كيف تجرأت على هكذا تصرف وصفعها بقوة، “ولكن هذه الصفعة زادتني جرأة”، روت (هـ) وأضافت ” وتفوهتُ بما يكمن بصدري من ألم وحزن كبتّهُ منذ طفولتي”. لم يتفوه الوالد أمام ثورتها تلك، بينما تجمّع من في البيت حولهما وهم غير مصدقين ما رأوه وسمعوه، تسبّب الالم والغضب بانهيار (هـ) ووقوعها أرضا مغشيا عليها وحين صحت، وجدت أمها وشقيقاتها يبكين حولها وبنظراتهن ألف سؤال وسؤال، ولماذا؟ وقطعت (هـ) حبال الأسئلة بالقول: “كان عليّ أن أفعل ما فعلت منذ زمن، فنحن طالبات جامعيات ونعرف كيف تسير الحياة من حولنا” و”قبّلتني أمي وخرجت من الغرفة “…..
لم يطل الهدوء وبعد فترة وجيزة، سمعت الشقيقات أصوات صراخ وبكاء. هرعن خارج الغرفة وتفاجأن بأمهن ممددة على الأرض ووالدهن يكيلُ لها الضرب الشديد والشتائم وأهله يراقبون ولا يحركون ساكناً، أسرعت الفتيات نحوها ولكن والدهن وقف مانعاً بينهن وسحب (هـ) ودفعها بقوة نحو أمها، “وتلاقت دموعنا ونظراتنا وسمعتُ والدي يقول إن لا تعليم بعد اليوم ولا جامعات وغادرنا، ونهضتُ وساعدنا أمنا بالنهوض”. وبعد أن أخذت الأم قسطاً من الراحة حدثت (هـ) طويلاً، وأوصتها بعدم التدخل بينها وبين والدها وأفهمتها أنّ قراره بمنعها وشقيقاتها من مواصلة دراستهن كان بسبب تدخله بينها وبينه، لكنّها في الوقت نفسه طالبتها بعدم الحزن ! وسألتها (هـ) إن كان سيتراجع عن قراره؟ وكان جواب الأم شبح ابتسامة. “بعد أيام صدق حدس أمي”، تحدّثت (هـ) وأضافت “كان والدي مصمّماً على قراره بل والأقسى منه إبلاغه والدتي بالاستعداد لاستقبال أقرباء القادمين لخطبتي لابنهم”.
كان وقع الصدمة والمفاجأة كبيرا عليهن، فالعائلة القريبة المقصودة يعاني أغلب أفرادها أمراضا نفسية وتساءلت (هـ) كيف وافق والدها على طلبها. في اليوم الموعود، جاءت العائلة مع ابنها – الخطيب الذي كان وسيما وهادئا ولم يتحدث مع (هـ) التي استمرت ووالدتها صامتتين، بينما والدها سيد الجلسة الذي استجابت عائلة الخطيب لشروطه، بل إن والده أبدى استعداده لتلبية كل طلبات (هـ) أيضا التي استأذنت منهم واستأذنت والدها بأنّها تريد التحدث اليه على انفراد، وفي غرفتها منعها من قول أي شيء؛ ‘كان يشتاط غضباً وأمرني بالموافقة وتنفيذ ما يريده والا سأدفع ووالدتي الثمن، وما إن غادر الغرفة سمعت الزغاريد والتبريكات وتيقنت بأنه أخبرهم كذباً بموافقتي”، وأضافت (هـ) “لم أنم ليلتها وفكرت بالهروب، ولكن إلى أي جهة أذهب! فأهل والدي أقسى منه ألف مرة وغالبية أهل أمي في الخارج! واذا فعلت فستقع أمي شقيقاتي ضحية لهروبي”.
تسارعت الأحداث بشكل كبير، وتم كل ما أراده الوالد، وتزوجت (هـ) وسكنت في بيت كبير تتوفر فيه كل وسائل الراحة لدرجة رددت فيها مع نفسها (رُبّ ضارة نافعة) .. ومع أولى أيام الزواج، لاحظت بأن والدة زوجها تزورهم يوميا وبعد السلام عليها، تصطحب ابنها إلى الغرفة وتغلق الباب وبعد دقائق يخرجان معا: ومع استمرار هذه الزيارات، دفعها الفضول لفتح باب الغرفة وشاهدتها تزرق زوجها ابرة، وبعد أن انتهت، التفتت إلى (هـ) ووبختها لدخولها بلا استئذان ورغم اعتذارها، سمعت من والدة زوجها الكثير وبدأ الزوج بضربها بقسوة، كانت نوبة الضرب الاولى التي ستكرر وبشكل أقسى، وبعد أن تعب من الضرب خلد إلى النوم.
غادرت (هـ) الغرفة وطلبت من والدته معرفة الحقيقة “أنا زوجته ومن حقي أن أعرف ما هو مرضه”. وعرفت أنّه بدأ مؤخرا وقبيل الزواج يعاني من مرض نفسي كباقي أخوته وطالبته بعدم تذكيره بما حدث حين يستيقظ.
وشرحت (هـ) لأمها ما حصل معها ومرض زوجها النفسي، وبكينا معا وعرفت أن عقاب والدها لها بسبب دفاعها عن أمها كان قاسيا جدا، وعرفت أيضا أنّها لن تتمكن من إبلاغ والدها بحالة زوجها لأنّه لن يقف إلى جانبها أبدا.
“وامتثلتُ لنصيحة أمي بأن أقدم له الرعاية واهتم به علّهُ يشفى”، قالت (هـ)، لكن حالة زوجها لم تتحسن وبعد أسابيع بدأت تتدهور وانقطعت والدته عن زيارتهما بعد أن أبلغتها بأن الأدوية الخاصة بمرضه لم تعد موجودة في المذاخر وهي تنتظر وصول الكمية التي أوصت عليها من الخارج.. وتفاقمت حالة الزوج، بدأ بتكسير كل ما يقع تحت يديه ويضربها بشدة، اشتكت إلى أهله، لكنهم لم يصغوا اليها. واضطرت إلى الاتصال بوالدها وأخبرته بما بحدث معها من ضرب وشتائم وتحطيم أثاث البيت وألقت اللوم عليه لإرغامها على الزواج من شخص مصاب، وكان جوابه “احمدي الله على هذا الزواج! والا كنتِ ستبقين بلا زواج طول العمر” وأغلق الخط في وجهها. وضربة قوية على رأسها، التفت وكان زوجها الذي استمر بضربها وهو يصرخ بأنّه سمعها وهي تتحدث إلى والدها وتتهمه بالجنون.
حاولت الانكار وتوسلت اليه أن يسمعها، لكنّه استمر بضربها، وعندما رأت الدماء تغطي وجهها، ورغم معرفتها بأنه غير واع لما يفعله، لم تعرف إن كانت هذه الدماء التي تغطيها، دماءا هي أم والدتها وإن كان هذا الرجل القاسي التي يعذبها زوجها أو والدها! تمكنت (هـ) من تخليص نفسها من بين يديه وتوجهت إلى المطبخ ليسمعها الجيران الذين دائما يهرعون إلى إنقاذها، لكنه كان أسرع منها وقفل باب المطبخ واستمر بضربها والتقط سكينا لتعذيبها وربما لقتلها أمام أنظار الجيران الذين حاولوا فتح الباب وفشلوا وكانوا يصيحون عليه أن يتركها قبل أن تموت بين يديه وحين رأت أن دمها يغطي أرضية المطبخ، وكأنّها رأت أمها تنظف أرضية الصالة والغرف والمطبخ من دمها (دم أمها) بعد نوبة ضرب شديد على يد والدها، ولمحت مسحاة قرب الباب، وبلمح البصر، كانت المسحاة بين يديها وبكل القوة التي تمكنت من تجميعها، رفعتها وضربت بها على رأسه، وسقط أرضا وسكت الجيران الذين فتحت لهم الباب وهي تصرخ “لقد حطمت الرؤوس الوحشية جميعها التي لا ترحم امرأة ضعيفة تقع بين براثنهم”.
أنهت (هـ) حديثها “دخل الجيران؛ واحد منهم اتصل بأهلي وأهله الذين وصلوا مع وصول الشرطة، وكان وهو ساقط على الارض ما يزال ممسكا بالسكين، شهد الجيران جميعهم لصالحي، ولحظة ذهابي مع الشرطة التقت عيناي بعيني أمي التي افتهمت رسالتي الصامتة التي قالت لها بأنني انتقمت لها ولي ولكل النساء المظلومات من الجبابرة”.
وسكتت بانتظار ما سيؤول اليه مصيرها، متمنية أن يكون هناك حل أو بعضه لما تعانيه المرأة (ابنة وأخت وزوجة) من الظلم والعنف في مجتمعنا..