جمعة زغير.. “الأستاذ”

272

أحمد هاتف /

للحياة هباتها أيضاً.. لها أجنحه تحملك من ضجرك ووحدتك وليلك وسكونك.. تمنحك ضحكاً وتعيدك ولداً تتجول في عفويتك.. الحياة هي أنت والآخر.. ذاك الذي يمنح روحك لونها ورفيفها وهناءاتها…

جمعة زغير هو ذاك الذي تختلف معه وتتفق.. يغضبك ويضحكك ويجعل الساعات طيِّعة والوقت ليِّناً والضجر سعادات.. لهذا الشاب الأسمر الذي كان يملأ أروقة معهد الفنون الجميلة بالضحك والجدل والتمثيل والعفوية.. له حضور يوكالبتوسة في صيف بغدادي.. عرفته هناك في الثمانينات ممثلاً على خشبة ذاك المعهد.. كنت أتابعه بشغف وهو يعمل برفقة الأستاذ عبد الله جواد في مسرحيات موليير التي دأب يقدمها عبد جواد كنمط مسرحي لم يستطع أحد أن يثريه كما أثراه عبد الله جواد وفريقه الشاب، وأتذكر منهم جمعة زغير وفالح كريم والعديد من الأصدقاء.. من هناك بدأ جمعة مشاغباً مسرحياً وممثلاً ينتمي إلى شخصيته بفرادة غريبه بحيث تظل صورته في تلك الشخصية تلاحقك زمناً طويلاً… عمل في العديد من المسرحيات من مسرح أونيل إلى المسرح المعاصر.. ولفرط ثقته بالمسرح نسي الشهرة وشاشة التلفزيون وبقي وفياً لإنسانه المسرحي…

لم أعرف صدقاً كما صدق جمعة زغير في انتمائه إلى المسرح.. ويوم تغيرت الحياة وانطفأت أنوار الستيج، ظل جمعة كما بطل مسرحية “أغنية التم” وحيداً مع عالمه وذكرياته وكتبه وبروشوراته… بقي جمعة ومضى الزمن.. حتى ابيضَّ شعره ونمت بعض خطوط السنوات المارقة على جبينه.. لكن هذا المشاغب بعفويته وجد في طلبته ملاذاً آمناً وجمالاً لايحد، فانتمى لعالم الطفوله وراح يحيا طفولاته مع صغاره مخرجاً وأباً ومعلماً وعاشقاً.. لم يكبر جمعة على الإطلاق، كل ما في الأمر أن الطفل نمت له سوالف بيضاء.. ويوم قرر أن يفتح باب التمثيل في التلفزيون.. صدمني بصدقه وعمق أدائه وميله إلى مدرسة الكبار في الأداء.. تميز جمعه حتى جعلني أكتب قائلاً “هذا هو الممثل”، وأشرت إلى دور السجين في مسلسل رفيق الجمال “باسل شبيب” الموسوم “رازقية”  الذي أدت دورها فيه باقتدار العزيزة آسيا كمال

ظهر جمعة كأنه وليد تلك الشاشه وعارف أسرارها.. وفاتح رموزها السرية.. كان ممثلاً أربك الجميع وجعلهم يعيدون النظر في الأداء التلفزيوني.. وهذا مافعله مع المبدع الصديق جلال كامل.. وفي العديد من مسرحياته الأخيرة.. فقد أظهر جمعة زغير وجهاً جديداً وغير مألوف للممثل، بل للأستاذ.. نعم، فهذا الرجل يستحق بجدارة أن نلقبه بـ ” الأستاذ” لأنه أصدق من ظهر على الشاشه وأنبل من يعوم على سطح الحياة.. إنه يتفرد كثيراً لأنه “إنسان” في زمن يندر فيه “الإنسان” كما يندر فيه الممثل الحقيقي.. لجمعة وجهه المميز، حبّه للمزاح وللحياة وللعفوية وللصدق وللانتماء إلى زمن نسيناه.. نعم، جمعة هو وجه الزمن الذي افتقدناه تماماً….

ولهذا سأشير إلى جمعه زغير بقلبي وأقول بكل غرور “هذا الأستاذ صديقي”

جمعة زغير أيها “الأستاذ”.. أنت مَثلنا الأعلى.