حامد الجبوري:تصفيات صدام الدموية للقياديين أشاعت الهلع بين البعثيين

512

الشبكة العراقية/

وجدت “الشبكة” أن الكثير من الروايات والقصص والحكايات، التي تروى على لسان شهود عيان، وتتناول أحداثاً خطيرة ومهمة، تسرد في مقابلات وحوارات تلفزيونية، وتمر مرور الكرام غالبا، إذ قد لايشاهدها كثيرون، لهذا خصصت “الشبكة” زاوية تحت عنوان “يوتيوب” تعيد فيها نقل الكلام الشفاهي الى كلام مكتوب، ونشر تلك الروايات توخياً للفائدة، مع الإشارة إلى اننا سنبقي كلام الشهود كما هو من دون تدخّل لتصحيح أخطائه اللغوية إنْ وجدت.

في حوار تلفزيوني على حلقات تحدث القيادي ووزير شؤون رئاسة الجمهورية ووزير الخارجية الاسبق في عهد النظام المقبور حامد الجبوري لاحدى الفضائيات عن المراحل الأولى للإنقلاب البعثي وكيف سيطر صدام حسين الذي كان يقود الذراع العسكري للبعث “حنين” على الأجهزة الأمنية .

ويعد الجبوري من الشخصيات التي زامنت مراحل التسلق البعثي الى السلطة وكان شاهدا على احداث مهمة في العهد الصدامي، ومطلعا عن كثب على تفاصيل التصفيات الجسدية التي نفذها صدام وكيف سيطرعلى نظام الحكم وحول البكر الى اداة شبه مشلولة ليستحوذ بعدها على السلطة المطلقة حتى قبل أن ينتزعها رسميا من البكرعام 1979، كما يروي الجبوري قصة علاقة صدام بشخصية رئيس جهاز المخابرات إبان الفترة الأولى لتسلم البعث السلطة (ناظم كزار) والدوافع التي جعلت صدام يرشحه لهذا المنصب. وخلاصة القول ان من يقرأ حقبة البعث انما يقرأ تاريخا مكتوبا بالدماء وليس بالحبر.

الشيخ البدري

يروي الجبوري كيف أسس صدام مكتب الارتباط أو مكتب الأمن وأسس أجهزة الأمن الأساسية، بعدما أدخل الأنظمة الأمنية السابقة فيها، وكان حينها نائب أمين سر للقيادة القطرية في الحزب (أحمد حسن البكر) ولم تكن له أية صفة رسمية، لكن باعتباره كان يرأس جهاز حنين داخل الحزب قبل 17 تموز 1968، فهو أستمر بهذه الصفة، وجهاز حُنين تحول الى مكتب العلاقات العامة، الذي تحول بعدئذ الى جهاز المخابرات «. وقد اقترح صدام تعيين ناظم كزار مديرا للأمن العام ومنحه رتبة لواء فخرية في الشرطة.
ويقول الجبوري أن وجود جهاز الأمن تحت يد صدام حسين، هو الذي جعل يده مطلقة وجعله الأقوى، وقد نفذ صدام عمليات تصفية دموية بشخصيات بعثية وسواها ومن دون علم البكر.

فقتل الشيخ البدري الذي كانت لديه علاقة حميمة جداً مع البكر وكان يلتقيه في مكتبه بالقصر الجمهوري.

ويروي الجبوري انه (..في أحد الأيام صباحاً، بداية الدوام، كنت معتادا أن أشرب الشاي مع الرئيس وندردش فشاهدت البكر مهموماً ويدخن بكثرة، فسألته ما الموضوع يا سيادة الرئيس، قال: «البارحة بالليل موجود بالبيت، طلبوا مقابلتي مجموعة من مشايخ بغداد المحترمين سبعة أو ثمانية. اجوني، لكني فوجئت بأنو وضعهم ليس طبيعيا وكانوا غضبانين. وسألوني لماذا الشيخ عبد العزيز البدري قتلتوه؟، فتفاجأت وسألت: الشيخ عبد العزيز أنقتل؟!

ويتابع الجبوري: وكان البكر يترجاني.. يقول لي أرجوك إذهب وقل لـ»صدام وربعه» اذا يريدون يقومون بعمل، على الأقل يخبرونني، حتى لا احرج أمام الناس، لأن هؤلاء المشايخ استغربوا، عندما قلت لهم معقولة) ويستطرد الجبور: (أن البكر كان متأثرا وكان منزعجا جدا ومنفعلا، فهو فقد صديقا عزيزا جداً بدون أدنى شك).

مقتل الحاني

وعن مقتل وزير الخارجية الأول في عهد البعث ناصر الحاني يقول الجبوري: (جرى ترشيح ناصر الحاني ليتولى المنصب، وبعد 13 يوماً من تسلمه مهام عمله جرت تصفيته سنة 1968 بعد ان اقتيد من بيته على يد أربعة أشخاص مجهولين وقتل ووجدت جثته مرمية في شارع القناة).

ويؤكد الجبوري (ان مقتل الحاني مثل مفاجأة للجميع بما فيهم البكر، ولم يتحدث أحد به، فقد كنا نتحاشى الحديث بموضوع مقتل الحاني ، لكنه مثل انعطافة في النظرة الى صدام الذي بات الجميع يحسبون له ألف حساب بعد تصفية وزير الخارجية ناصر الحاني)

حردان وعماش

ويقول الجبوري إن صدام بدأ يضيف كل يوم صلاحيات جديدة الى سلطته، كمدير للأجهزة الأمنية وكنائب للرئيس البكر في قيادة الحزب وليس في الدولة، ما أثار حفيظة حردان التكريتي وصالح مهدي عماش وهما نائبا رئيس الجمهورية.

وكان صدام يشعر أيضاً أن هذين الشخصين (عماش وحردان) منافسين له وعقبة في طريق طموحاته، ولهذا جرت تصفيتهما، لاسيما وانهما من خلفية عسكرية وصدام يتوجس من العسكريين دائماً ولذلك اسس جهازا أمنيا، فضلا عن أن حردان كان أكثر شعبية بكثير جدا من صدام داخل القوات المسلحة، لأن صدام ليس عسكريا، وحردان كان يشكل الخطر الحقيقي على صدام لأنه يحظى بولاء حقيقي من جانب القوات المسلحة، لسلوكه الشخصي ولخلقه العالي ولشجاعته المتناهية وشخصيته المحببة كثيرا.

ويروى الجبوري كيف تمت تصفية حردان (فقد أبعد أولا عن منصبه كوزير للدفاع ونائب لرئيس الجمهورية عام 1970 بينما كان في مهمة خارج العراق، واستغل صدام فرصة غيابه عن العراق، وعند وصوله الى بيروت في طريق عودته إلى بغداد أبلغه السفير العراقي في لبنان أنه ممنوع من العودة إلى بغداد وطلب منه البقاء في بيروت مؤقتا وأخبره انه أعفي من كل مناصبه الرسمية، لكن حردان أصر على ركوب الطائرة والمجيء إلى بغداد، وفعلا جاء الى بغداد، فطوقت طائرته في مطار بغداد وراحت مجموعة ألقت القبض عليه وأقتيد الى مكان مجهول قبل أن يجري ابعاده الى الجزائر.

مقتله في الكويت

واكد الجبوري (أن البكر لم يكن موافقاً على ماحدث لحردان لكنه لم يفعل شيئا لأنه كان مغلوباً على أمره، مبينا ان قيادة حزب البعث لم تعرف أو تطلع على الأسباب التي دفعت صدام إلى إبعاد حردان عن منصبه لكنهم يعرفون أن السبب الرئيس هو التنازع على السلطة، لا أكثر ولا أقل، وحتى يتخلص صدام من شخص ومنافس رئيس بالنسبة له.

وبين الجبوري الطريقة التي جرت بها تصفية حردان التكريتي بعد وصوله إلى الكويت، في مارس/ آذار عام 1970 وكان مريضا فتوجه إلى مستشفى في مدينة الكويت، برفقه السفير العراقي هناك مدحت إبراهيم جمعة الذي كانت له علاقة صداقة معه، فذهبوا الى المستشفى بسيارة السفير الرسمية وهناك فوجئ حردان بشخص يفتح له الباب ويؤدي له التحية، فلما نزل حردان من السيارة رماه هذا الشخص بعيارات نارية أمام المستشفى وبحضور السفير العراقي، وترك السفير ومن معه جثة حردان في الشارع وتركوا المكان، ثم عاد السفير مباشرة الى بغداد، وبعدها عرفنا أن محمد فاضل (عضو القيادة القطرية) هو رئيس المجموعة التي نفذت تصفية حردان التكريتي، وهذه المجموعة عادت الى بغداد بطائرة خاصة، وقد أحتفى بهم صدام حينما رجعوا.

واوضح الجبوري انه كان حينها وزيرا للإعلام، وعندما سمعنا بالقصة توجسنا خيفة مما آلت إليه الأمور وسوف تؤول الأمور إليه وبدأ الرعب والخوف يتسربان إلينا جميعا، مبينا ان الاعلام لم يمر على مقتل حردان مطلقاً.

واشار الجبوري انه في تلك الأيام كان هنالك اجتماع في القصر لمجلس قيادة الثورة وكنت حاضرا، وجاء مرافق البكر المقدم إبراهيم الدليمي في حينها، وكنت أجلس إلى جانب البكر مباشرة فسمعت إبراهيم الدليمي يهمس في أذن البكر أنه سيدي وصلت جثة حردان. ندفنها بتكريت؟ فأومأ له برأسه نعم من دون أن ينبس بشفة.

ويؤكد الجبوري أنه حتى قبل هذه الحادثة، كان البكر يستطيع أن يوقف صدام حسين عند حده، لكنه لم يفعل!

وحمل الجبوري المسؤولية التاريخية والتقصير الى البكر لما اقترفه صدام من جرائم كبيرة.

واكد الجبوري ان صدام اكمل في عام 1973 بناء الأجهزة الأمنية مشيرا الى انه كان يعتمد على مجموعة تدين بالولاء الشخصي له مثل سعدون شاكر الذي اصبح رئيس مخابرات ووزير الداخلية ومحمد فاضل أيضا تولى رئاسة المكتب العسكري فترة وأعدم بعدها في موضوع 1979 مع محمد عايش والمجموعة وشخص اسمه علي رضا باقر لا أعرف مصيره.

تصفية الشيوعيين

ويروي الجبوري انه بعد شهر فقط من انقلاب (تموز) 1968 في شهر أغسطس (أب)1968 ، وفي شهر تشرين الثاني، إعلن عن وجود مؤامرة اتهم بها الحزب الشيوعي، وبدأت التصفيات ضد الشيوعيين. في ثم اعلن عن مؤامرة لـCIA التي اتهم بقيادتها مدحت الحاج سري.

تصفية الشيعة

وروى الجبوري ان ملفي الشيعة والكرد في بداية الثورة كانت بيد البكر وانه (أي الجبوري) كان المنسق في هذه الأمور كونه شيعياً والى جواره في القصر، فكانت نظرية البكر، أنه يقول “ القصر الجمهوري ما يصير ما بيه شيعي من تأسيس الدولة العراقية، الى الآن” ولذلك كان يريدني أن اكون في القصر، لأنه أراد أن ينصف الشيعة ويعدل الأمور؟