حسن وحسين رحم: احد الجنود استشهد ليصد عنا رصاصة قناص

564

أحمد عبد الحسين/

كثيرة هي البطولات التي سطّرها شبّان العراق في معارك تحرير الموصل من قبضة إرهاب داعش، بعض هذه البطولات صار على كل لسان وانتشر في مواقع التواصل، وبعضها ظلّ مجهولاً، لكنْ يكفي أصحابه أن ثمرة هذه البطولات تحققت باستعادة مدينة عراقية بعد أن لفّها ظلام الإرهاب طيلة ثلاث سنوات عجاف.نعرف كثيراً عن بطولات المقاتلين، لكنّ هناك استبسالاً من نوع آخر، سطّره إعلاميون واكبوا وقائع الانتصار أولاً بأوّل. ومن هؤلاء الإعلاميين الأخوان التوأم حسن وحسين رحم اللذين كانا مراسلينِ حربيين لقناة “ان آر تي” ولموقع “الخوّة النظيفة” على فيسبوك، وساهما بنقل الحدث مباشرة وبشكل احترافيّ.

الأخوان التوأم أصبحا أيقونة ليس فقط بسبب تعرضهما للخطر حالهما حال المقاتلين بل بسبب علاقتهما الخاصة بالفريق الركن عبد الوهاب الساعدي حيث كانا يرافقانه أينما حلّ وارتحل، وأيضاً بسبب تطابق شكليهما تطابقاً تاماً، بحيث لا يستطيع الناظر إليهما معرفة من هو حسن ومن هو حسين، ومن يلوم الناس في ذلك إذا كانت أمهما لا تستطيع التفريق بينهما أحياناً.

توثيق وقائع التحرير

“الشبكة العراقية” التقت الأخوين التوأم فسألناهما أولاً عن أبرز المواقف التي اختبراها في معارك تحرير الموصل، فأجاب حسن رحم أن “الحديث عن المواقف التي مررنا بها أمر يحتاج أن نتأمل كثيراً ونحن ندوّنه، لأنّ هنالك حرباً وقتالاً عنيفاً ونزوحاً وسط اشتداد المعارك، ولا تخلو هذه الأجواء من عشرات المواقف اليومية، ربما كلها مواقف تستحقّ الكتابة. فمثلاً، من هذه المواقف، أن تشاهد الآلاف من المدنيين منهم المصابون والأطفال وكبار السن والنساء في مناطق الاشتباكات تحت قسوة رصاصات وقنابر الهاون التابعة لتنظيم داعش التي تلاحقهم، إذ اعتبر داعش أي مدني يخرج باتجاه القوات العراقية مرتداً يتوجب قتله، هذه مشاهد آلمتنا كثيراً”.

مشاهد مؤلمة

يكمل حسين “هناك مواقف أخرى منها أن امرأة تحمل طفلها الذي لايتجاوز عمره السنة الواحدة تركض باتجاه القوات الأمنية وهي لا تعلم أن ابنها قد فارق الحياة، حيث سمعناها تقول له “يا أمي خلصنا وراح الجيش ينطونا مي واشربك”، ونحن الذين كنا نسمعها كنا نعرف أنها تحمل طفلاً ميتاً.”

بطل من هذا الزمان

قلت لحسين: حدثني عن علاقتكما بعبد الوهاب الساعدي فأجاب “الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي رجل عظيم، يمتلك من الشجاعة والتواضع والذكاء ومن الصفات الأخرى ما يميزه عن غيره. علاقتنا معه لم تكن كعلاقة صحفي بقائد عسكري حسب، بل كالعلاقة بين أب وأبنائه، فقد كان يثق بنا كثيراً، لأنّ مرافقة القائد تجعلك، حتى دون أن تتقصد، مطلعاً على بعض حيثيات الخطط العسكرية. وهذا الأمر يحتاج إلى شخص تثق به، كان يخاف علينا كثيراً وكان دائماً ينصحنا بأن لا ندخل المعارك معاً، ويقول: لاسمح الله إذا ما حدث مكروه فإن ضربتين على الرأس تؤلمان! كنا أنا وحسن أكثر من لازمَ هذا البطل في المعارك وكذلك كان معنا الإعلامي عمار الوائلي.

لماذا يحبونكم؟

من يتابع صفحتي حسن وحسين على فيسبوك يلحظ الحبّ الذي يكنّه الموصليون لهذين الشابين القادمين من واسط، فأبناء الموصل يتعاملون معهما كأنهما موصليان. سألتُهما عن سرّ هذا الحبّ فقال حسين: “الموصليون أناس عظماء، فوجئنا بهم، يبدو أن هناك حملة إعلامية ممنهجة حجبت عنا طبيعتهم، فـ(المصالوة)، أعني الموصليين الأصليين يحبون العمل كثيراً ويحترمون القانون. وليس صحيحاً ما يشيعه البعض بأنهم بخلاء، فنحن لم نمر على دار إلا وضيفونا بكرم كبير، ولم ندخل على محل للتبضع إلا وقاموا بخفض سعر المواد إلى النصف، لقد واجهوا هجمة إعلامية وقنوات لم تنصفهم.”

عتب على الصحافة

عقّب حسن قائلاً: “بعض الصحفيين للأسف رأوا الموصليين وطبيعتهم وكرمهم وتعمدوا نقل صورة مغايرة للواقع. لذلك بقى شباب الموصل حذرين من الصحفيين ومن بعض الجنود كونهم كانوا يعيّرونهم بأنهم هم من أسقط الموصل وباعوا الأرض. والحقيقة هي أن الموصل سقطت نتيجة صراعات سياسية وضعف الأجهزة الأمنية آنذاك، فالموصليون كانوا يحتاجون إلى من ينصفهم وسط الهجمة الإعلامية المضادة، ونحن لم نفعل شيئاً سوى أننا نقلنا الواقع حول تعامل المدنيين والقوات المحرّرة من خلال المؤسسة الإعلامية التي نعمل فيها أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي إلى صفحة “الخوّة النظيفة” وهي الصفحة الأبرز في رأي الكثيرين لأن الفيديوهات التي نشرناها على هذا البيج وصلت الى ملايين المشاهدات.

قليلٌ من الإنصاف

يكمل حسين: “إذن هي مسألة إنصاف، وبسبب هذا الإنصاف أحبونا كثيراً، بعضم يتعمد أن ينادينا “هلا بولد الجنوب هلا بحسن وحسين”، كدلالة ورسالة إلى الصحفيين الذين يقفون معنا على أن الموصليين يحبون الجنوب”. ولهذا، يقول حسين، كان الشباب الموصليون يتدافعون في الساحات العامة وفي الأسواق لالتقاط الصور معنا، ليس الشباب فقط بل البنات أيضاً، وهم يراسلوننا إلى الآن ويقولون اشتقنا لكم، اشتقنا لبشاشتكم، يقولون إنكم أنتم والساعدي سكنتم في قلوبنا.

كنّا في عين الموت

حدثونا الآن عن المخاطر التي تعرضتما لها، فقد شاهدت لكما فيديو تسقط فيه قذيفة هاون قربكما تماماً.. حسن قال: “كنا دائما في الخطوط المتقدمة برفقة قوات الشرطة الاتحادية والجيش العراقي والرد السريع وحتى طيران الجيش العراقي، لكن مرافقتنا لجهاز مكافحة الإرهاب كانت الأكثر والأبرز، لذلك فالمخاطر موجودة كون المعارك هناك معارك شرسة ومن شارع إلى شارع بل من بيت إلى بيت. نعم تعرضنا لإصابات بشظايا سطحية لقذائف الهاون، كذلك ذات مرة استهدفنا القناص عندما كنا برفقة الفريق الساعدي حيث صدّها عنا أحد أفراد حمايته واستشهد، رحمه الله.”

استبسال المقاتلين أسطوري

كنتما شاهدَين على مواقف بطولية للقوات المسلحة، نحب أن نسمع شهادتكما عن مواقف رأيتماها بأعينكما، قال حسين إن “القوات الأمنية كلها قدمت مواقف بطولية، وبحسب القادة العسكريين فإن هذه المعركة هي الأعنف في العالم كله. في المدينة كنا نشاهد عناصر داعش من خلال المزاغل وكيف كانوا يحتمون بالمدنيين كدروع بشرية، وقد قام أحد مقاتلي عناصر مكافحة الإرهاب بلبس زي عناصر تنظيم داعش والاختباء بزيّهم واللثام يغطي وجهه بحيث اقترب منهم وقتلهم وأنقذ العوائل منهم. كذلك في حي الرفاعي في جانب الموصل الأيمن استطاع أحد سائقي البلدوزر صدّ عجلة مفخخة ومنعها من اجتياز الساتر والوصول إلى رفاقه.”حسن أضاف بأن المشاهد التي يحمل فيها المقاتل أطفالاً بيده لينقذهم وهو يقاتل باليد الأخرى أصبحتْ مشاهد تقليدية هناك، وهي كلها مشاهد بطولية شهدناها ووثقناها.

لا تظلموا الموصليين

قلت لهما أن بعض الطائفيين يصرّون على تجريم أهالي الموصل كلهم، هل لكما أن تحدثانا عن تعاطي الموصليين مع داعش وكيف كانوا ينظرون لهذا التنظيم الإرهابي؟

عن هذا السؤال أجاب حسين: “معروف أن تنظيم داعش فرض أحكاماً تطرفية كعدم حلق اللحى ومنع تدخين السكائر وكان يقتل الناس على هاتين (الجريمتين) فما بالك بمن يقف ضدّه؟ كانوا يأخذون الأموال بداعي الزكاة ويمارسون القتل المتعمد في الساحات. كلها أفعال جعلت الموصليين يكرهون عناصر تنظيم داعش ويحاولون الخلاص منهم بأية طريقة كانت، فهم يرون القوات الأمنية هي المخلّصة من هذا الجحيم وهذا الموت المحتم. الموصليون أثناء خروجهم من مناطق الاشتباكات تراهم يقبّلون المقاتلين ويؤازرونهم بالكلمات التحفيزية ويقدمون لهم المعلومات الاستخبارية عن عناصر التنظيم وعن أماكن تواجدهم. كلّ هذا وأكثر رأيناه بأعيننا، فلا صحة لمن يتهم الموصليين كلهم بالتواطؤ، نعم هناك داعشيون ومتعاطفون مع داعش لكنهم قلّة قليلة بكل تأكيد.”

التباس

ختاماً أقول إن الحديث المنسوب لحسن رحم يمكن لك أيها القارئ العزيز أن تنسبه لحسين، وبالعكس، فإن حديث حسين يمكن أن يكون لحسن، فأنا بصراحة لم أفرّق بين حسين وحسن!