حسين أمين:يوم قابلت أم كلثوم

735

عبد الجبار خلف/

قلت للدكتور حسين أمين، أول أمين عام لاتحاد المؤرخين العرب، في حوار اجريته عام 2000 ، هل يمكنك أن تتذكر لي يوماً مميزا أو ظريفا في حياتك لم يغطه النسيان، ابتسم الرجل مؤكداً أن هناك الكثير من الأيام التي لا يمكن أن يغطيها النسيان وتظل راسخة في الذاكرة أشعر بحلاوتها أو مرارتها حسب الموقف الذي عشته طبعا.
وبعد لحظات من التأمل والصمت، استذكر موقفاً ظريفا وطريفا في آن واحد حدث له في مصر أثناء شبابه مع المطربة الكبيرة السيدة أم كلثوم لم يسبق أن ذكره لأحد من قبل.
وراح يسرد لي تفاصيل ذلك اليوم قائلا: في عام 1947 ارسلتني دائرة البعثات الى جمهورية مصر العربية للدراسة في احدى الجامعات المصرية وأختيرت لي جامعة الاسكندرية حيث درست بكلية الآداب قسم التأريخ الاسلامي.
وأشار الى أنه يعشق الغناء ويحب أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب من المصريين تحديدا، لذلك حرصت منذ الأسابيع الأولى لوجودي في مصر أن احضر الحفلات الغنائية الشهرية لأم كلثوم متنقلا بين الاسكندرية والقاهرة، هذه الحفلات تقيمها الاذاعة المصرية وتنقلها مباشرة على الهواء فى الخميس الأول من كل شهر حتى صارت تقليداً استمر لمدة 40 عاما (1934 – 1973) وكانت أم كلثوم تقدم في كل حفلة أغنية جديدة.
ويستذكر الدكتور أمين رحلته من مدينة الاسكندرية الى القاهرة كل يوم خميس من رأس كل شهر وقطع مسافة أكثر من 200 كم من أجل حضور حفلة أم كلثوم وحرصه أن لاتفوته، لكن ما حدث في ذلك اليوم من عام 1951 كان ظريفا وطريفا في آن واحد، كانت الحفلة لأغنية (يا ظالمني) كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطى، وكما أتذكر كانت في دار (سينما ريفولي) حينها جئت الى القاهرة من الاسكندرية مع اثنين من أصدقائي، هما كامل العزاوي (الله يرحمه) وابراهيم الولي الذي صار سفيراً للعراق في روما، وكنت معتمداً على بعض الأصدقاء لحجز التذاكر لنا، ولكن ظهر أن جماعتي لم يحجزوا لنا تذاكر حضور الحفلة، فضلا عن أن التذاكر كانت قد نفدت وليس من حيلة أمامنا، لم أشعر بالحرج بقدر ما كنت اسمع الاحباط عند الصديقين اللذين اعتقدا انهما لن يحضرا الحفلة، وقابلت أم كلثوم وفجأة خطرت على بالي فكرة، فالتفت الى الصديقين وقلت لهما: ما عليكما أنا (ادبرها)، فجئنا الى المكان الذي تكون فيه الحفلة وهو (سينما ريفولي) وذهبنا الى المسؤول هناك، ونحن بكامل اناقتنا ولم يكن مسموحا لدخول حفلات السيدة إلا بالملابس الرسمية، وقلت له باللهجة العراقية: (نريد نشوف الست)، ومن دون أي رفض أو استفسار عما نريده من السيدة التي تستعد لتقديم الأغنية، اصطحبنا اليها بهدوء، وهناك في غرفتها استقبلتنا وسلمنا عليها فقلت لها: يا ست .. نحن وصلنا توا من بغداد ولم يتح لنا الوقت للحصول على بطاقات لنحضر هذه الحفلة ونحن سنرجع الى بغداد بعد اسبوع، فقالت على الفور وهي باسمة: (أمرك)، ثم نادت على شخص وقالت له: اعطهم ثلاثة مقاعد من مقاعدي!!.. وفي غمرة بهجتنا بما نسمعه من السيدة الرائعة، قالت لنا: (سلمولي على العراق.. أنا أحب العراق).
وابتسم الدكتور حسين أمين كأنه يرى وجه أم كلثوم وهو يشرق بتلك الكلمات المشرقة عن العراق وقال: وذهبنا مع الشخص هذا واجلسنا في الصفوف الأمامية في ذلك اليوم الذي غنت فيه (يا ظالمني).
وختم بالقول: هي المرة الأولى التي نجلس فيها بالصفوف الأمامية، وقد كان ذلك بفعل كذبة بيضاء.