حكايات عن ظرفاء بغداد وأسواقها

256

باسم عبد الحميد حمودي /

من آداب الطريق والحوار والمجالس
كتب أبو الطيب الوشاء الشهير بـ(الأعرابي) في كتابه (الموشى) فصلاً عن ظرفاء بغداد أشار فيه إلى عاداتهم وتقاليدهم ومجالسهم فقال: (كانوا لا يزورون أحداً قبل إعلامه، ولا يداخلون أحداً في حديثه، ولا يقطعون على متكلم كلامه، وكانوا أذكياء لا يجلسون في مجلس ينقلون عنه ولا يتصدرون في مكان بحيث يقامون منه، وهم لا يتجشأون ولا يتمطون ولا يشبكون أصابعهم ولا يمدون أرجلهم أو يحكون أجسادهم، فإذا تكلم واحد منهم فبتؤدة وهدوء وإيجاز وبيان لا يعلو له صوت).
ثم قال عن تصرفات ظرفاء بغداد في حركتهم في الشوارع والطرقات: (إذا مشوا في الطريق لا يسرعون ولا يتلفتون، ومن العيب أن يشربوا من ماء الطرقات أو يأكلوا مما يتخذ في الأسواق، ولا يصاحب احدهم وضيعاً ولا يماشي رذيلاً ولا يشتم رفيقاً، ولا يغمز بإنسان أو يسعى إلى سلطان ولا يخون عهداً ولا يخلف وعداً أو يماكس بائعاً أو يشارط صانعاً).
ربما كانت هذه هي الصورة المثلى للظريف البغدادي وأدبه وأخلاقه، لكن كان ذلك ناتجاً عن سلوك مجتمع متحضر، نجد فيه أن كل هذه الصفات والممارسات الاجتماعية في بغداد العباسية تشكل نوعاً من النظام الاجتماعي المتفق عليه وغير المدون وقد جرى مجرى العرف الذي تحول إلى عادة مستمرة وسلوك لا يخرج المرء عنه لشجب المجتمع لأي تصرف نافر لا يرضاه.
حكاية ذي النون المصري مع السقّاء البغدادي
اقتيد المتصوف المصري الشهير ثوبان الشهير بلقب ( ذو النون المصري) من مدينة الفيوم إلى العراق بأمر الخليفة العباسي المتوكل لاتهامه بالزندقة وهو البرئ منها، وكان يُمكن ان يُقتل ذو النون في مدينته لولا خشية الوالي من ذلك لعمق تأثير هذا المتصوف على الناس.
كان حراس ذي النون يسمحون له بالطعام والشراب على حسابه الذي يجلبه اثنان من أتباعه، وكان قد وصل إلى بغداد متعباً شديد العطش وهو يقول عن هذا الأمر:
(من أراد أن يتعلم المروءة والظرف فعليه بسقاء بغداد فقيل وكيف ذلك؟ قال: لما حُملت إلى بغداد رُمي بي على باب السلطان مقيداً، فمر بي رجل مؤتزر بمنديل مصري معمم بمنديل ديبقي بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط، فسألت:أهذا ساقي السلطان؟ قيل: لا، هذا ساقي العامة، فأومأت اليه أن اسقني، فتقدم وسقاني فشممت من الكوز رائحة مسك فقلت لمن معي أدفع اليه ديناراً فأعطاه الدينار، فأبى وقال: لست آخذ شيئاً، فقلت له: ولم؟ فقال الساقي: أنت أسير وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً، فقلت: كمل الظرف في هذا).
في سلوك ساقي العامة البغدادي مع المتصوف المصري نسق خاص لا يدل على الظرف فقط بل على المروءة والرجولة واحترام مقامات الناس حتى وهم في محنهم، وهو نسق يتخذ مجرى القاعدة الاجتماعية الآتية من ممارسة عامة متفق عليها وإن بدت صغيرة.
وكان أن التقى ذو النون بالمتوكل العباسي الذي لمس علمه وتدينه فأطلق سراحه بعد حين، وجال ذو النون في بغداد والبصرة ورحل إلى بلاد فارس مدة، ثم عاد إلى مصر ماراً بالشام.
أثنا عشرألف منزل بغدادي تنار ليلا
في أسواق بغداد القديمة في أزمنة تألقها التي يعرض تفاصيلها كثير من مؤرخيها مثل ابن الفوطي واليعقوبي ويشير إليه في كتبه أمثال ابن عبد ربه وأبو حيان التوحيدي وصولاً إلى دراسات الدكتور عبد العزيز الدوري عن الحالة الاقتصادية في بغداد قبيل سقوطها، تجد وصفاً لما يصل إلى الأسواق البغدادية من مواد غذائية يومياً من القرى والدساكر القريبة والبعيدة وما يستورد لها من أنحاء الدولة المترامية الأطراف.
حقق الاستاذ الدكتور صالح أحمد العلي كتاب ابن شاكر صاحب (عيون التواريخ)، كما حقق كتاب (بغداد) لابن الفقيه الهمداني، وفي الكتابين أرقام مذهلة عن تطور المدينة وأمكاناتها التي منها:
إن تكاليف بناء بغداد قد بلغت أربعة الآف وثماني مئة وثلاثة وثمانين درهماً وكان في بغداد في شارع الثلاثاء وحده أبواب ثلاثمائة موقع للتسوق وكان في بغداد أكثر من سبعين نوعاً من التفاح تدخل الأسواق صبحاً، وأن منازلها الأثنا عشر الفاً تنار يومياً ليلاً بدهن البزر على حساب الدولة!
ويجري الهمداني حساباً خاصاً لاستخدامات هذا الدهن في المنازل وفي الحمامات العامة إذ يقول إنها تبلغ الستين ألفاً وهو رقم مبالغ فيه، وفي قصور الخلفاء والوزراء والأعيان والمساجد فيقول أن بغداد تصرف في الليلة الواحدة ثلثمائة ألف رطل زيت قيمتها في السنة الواحدة سبعة وأربعون مليوناً وخمسمائة ألف دينار، وتستهلك من التمور والفواكه سبعين ألف رطل، ومن اللحوم ستمائة ألف جدي في عيد الفطر. وقد تكون في هذه الأرقام بعض المبالغة لكنها تدل على جزء من التطور الحضاري لبغداد.
أسواق وغناء وحضارة
أردنا بهذه المزاوجة بين تقاليد الأسواق البغدادية وحركة الأسواق العامرة فيها وبين علو كعب الفن والغناء وما يستلزمانه من مجالس وقواعد العمل الفني الإشارة الى ذلك التطور الحضاري الكبير والتدليل على رقي الإنسان البغدادي قبل أن يقسو عليه ضعف الدولة وتفككها زمن دويلات الطوائف وصولاً إلى سقوط العاصمة عام 1258 للميلاد على يد هولاكو، وذلك موضوع آخر.