حكاية صورة

861

#خليك_بالبيت

مقداد عبد الرضا/

يقال إن للضرورة أحكاماً, وبما أننا محكومون في هذا الوقت العصيب بدخول وباء أربك العالم والبلاد والعباد، وجدنا من الضروري أن نعود إلى زمن مضى لنطَّلع على ما سطَّره الشاعر عبدالكريم العلاف ضمن يوميات كتبها عن بغداد، مستعينين قدر الإمكان ببعض الصور التي تساعد في هذا الموضوع. يقول العلاف: كان الأطباء في العصور الماضية في بغداد لا يتمتعون بنصيب وافر من الثقة بين الأهلين, وإن عجز الأطباء في ذلك الوقت كان يبدو أشنع ما يكون في الوقت الذي ينتشر فيه (وباء), وقانا الله منه، وكان أحدهم لا يهمّه سوى وقاية نفسه من العدوى، ولا يتقرب من المريض، وإنما كان يجس نبضه (بعصا صغيرة) ولا يفتأ يستنشق الروائح الوقائية لمنع هذا المرض عنه. أما الجراحة فكان حالها دون حالة الطب في وضعه! وإن الجراحين في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون شيئاً من المخدّرات! ولم يعمدوا إلى تخدير المريض عند إجراء عملية جراحية له! فتصور مبلغ الألم الذي كان يقاسيه رجل تبتر ساقه مثلاً! وعلى أي حال لم تكن الجراحة منتشرة آنذاك! وإنما كان الحرق والكي والنشتر (الفصد) والحجامة هي الوسائل التي تغني عن كل عملية جراحية، ما يدل على ضِعة المكانة التي كانت فيها الجراحة آنذاك، وكان الحلاق هو الطبيب! وأن الصغار والكبار يعرضون عليه أنفسهم للتشخيص والعلاج وإجراء العمليات.
ولم يكن هؤلاء الحلاقون جهلاء كل الجهل، كما يتبادر إلى الذهن، فقد ورث بعضهم هذه (الصنعة) عن أطباء قدماء مارسوا الطب بتجارب عديدة. وفي تلك الأيام كان العطار هو الذي يصرف تذاكر الدواء الشفوية التي يصفها الحلاقون بدلالة كتاب (تذكرة داود)، وهذه التذكرة هي المرجع الوحيد في صنوف الأدوية وطريقة تحضيرها.
وبعد كل هذا كان الأطباء يزعمون أنهم يعالجون مختلف الأمراض بهذا الوضع، فلا عجب إذاً أن ازداد عدد المرضى، وظلت بغداد تعاني من الآلام جراء هذه السخرية، حتى ظهر وباء الهيضة (أبو زوعة)، على حد تعبير أهالي بغداد وانتشاره بين ظهرانيهم، ظهر هذا الوباء الفتاك وانتشر في بغداد عام 1307 ه المصادف 1889 م، ونظرة واحدة يلقيها أحد المعمِّرين على ما أصاب هذا الشعب الآمن الرازح تحت كابوس الاستعباد العثماني تكفي ليعلم أنه كان وباءً قاسياً لا يراعي الشيخ الكبير ولا يرحم الطفل الصغير! ومن جرائه أقفلت الحوانيت وخلت الأسواق من المارّة، وامتلأت الجوامع بالمصلّين يبكون ويتضرعون إلى الله، عزَّ وجلّ، أن يكفّ عنهم هذا الضُر. وحكى لي شاهد عيان، قال إن الذين يمشون في الطريق كان يستحوذ عليهم الذعر، فما تسمع إلا صوت (هوع، هوع) من أحدهم ويتدفق من فمه ماء أزرق اللون ثم يقع على الأرض جثة هامدة.
والحق أن فداحة هذا الوباء وزيادة أعداد المصابين به البالغة ما ينوف على 150 نسمة في اليوم الواحد برّرت ذعر الرأي العام ويأس الناس من قدرة الأطباء على مقاومته وضعف ثقتهم بالتدابير الصحية والإجراءات الوقائية. وكان فريق من المتشائمين في ذلك العهد يرون ليل بغداد قاتماً مظلماً، لكن النفوس التي تؤمن بالقدر المحتوم تزداد قوة وصلابة عزم، وما كان اليأس يجد إلى نفوسهم سبيلاً، غير أن ضعفاء العقيدة والسراة والأغنياء أخذوا يفرون من بغداد إلى القرى المجاورة لها هرباً من الموت، ونسوا الآية الكريمة وقوله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم، أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة).
وبعد أن خفّت وطأة الوباء في بغداد من الإصابات رجع من نزح منها إليها، لكن العارفين كانوا يخشون أن ينتشر هذا الوباء في السنوات التالية، لا قدَّر الله، وبغداد خالية من المستشفيات والأطباء، سوى مستشفى الغرباء الذي شيّده الوالي مدحت باشا إبان نهضته العمرانية حينما شاهد بغداد وليس فيها مستشفى وأن تشييده يتطلب مبالغ جسيمة تثقل ميزانية الدولة، فشحذ همة الأهلين في بغداد للتبرع لهذا المشروع الإنساني، فانهالت التبرعات من الأغنياء والوجهاء بكل سخاء، فشيّد مستشفى بجانب الكرخ في الحديقة التابعة إلى وقف سليمان باشا وأطلق عليه اسم (مستشفى الغرباء).

 

النسخة الألكترونية من العدد  356 

“أون لآين -1-”