حين تصبح المخاوف نبوءات

41

فدوى العبود /

لا يعتبر إعلان مارك زوكيربيرغ عن تقنية (ميتا فيرس) Meta: -الاسم الذي أطلقه على شركته-تأكيداً لمخاوف قديمة فحسب؛ بل هو علامة على أن الصراخ لا يمنع السيل من الجريان، وأن انحدار الأرض مناسب لدعسات الإقدام.. وأن السور المنخفض يغري بتسلقه.

فمذ تخلى الإنسان عن وجوده، بدأ وجوده يتخلى عنه؛ مذ تنازل عن حريته لأجل العمل استعبده الأخير، ومنذ قايض “فاوست” الشيطان، (المعرفة والملذات الدنيوية مقابل حياتي) خسر حياته.

حذر ماركس من عبودية الأشياء وأراد تحرير الإنسان عبر الوعي. وفعل ذلك يغفيني زمياتين في روايته “نحن” 1920 حين بشر بأن ما سيولد هو إنسان معوق فاقد للخيال.

 سايبورغ جديد مزيج بين الآلة والإنسان؛ دون أية إضافات، ألا يكفي تجريده من الخيال والإدراك السليم بالحياة ثم سلب واقعه وخلق نسخ منه ليصبح آلة؟

خشي ليوتار من كائن متطرف ناتج  عن هذه الحضارة (يمكن تأمل واقعنا لنرى إلى أين وصل نشاط الأشكال المعادية والمتطرفة التي نمت بالتزامن مع هذا النمو التكنولوجي).

 وكتب هربرت ماركيوز عن الإنسان ذي البعد الواحد، لا بد أنه ومنذ 2004 الإعلان عن فيسبوك وملحقاته ونحن أمام تمهيد جزئي لولادة إنسان جديد. ولا يمكن أن نبرئ كورونا التي كانت هي الفصل ما قبل الأخير من هذه التراجيديا.

ميتا / موت

دعونا نتلاعب قليلاً بالأحرف لننتج معاني جديدة، على طريقة العالم الجديد.

 بعيداً عن فكرة الأصالة، دعونا نرى مالذي يمكن أن نستخرجه من بطن هذه الكلمة (ما وراء –ماورائي – خرافي-غير واقعي-وهمي)، وهذه الكلمة الأخيرة تخص كلمة ميتافيزيقا التي ارتبطت بالفلسفة، التي كانت تدل عبر تاريخها على المفارق والبعيد واللاواقعي والخرافي بنظر البعض؛ إنها عند وليم جيمس: الأعمى الذي يبحث وسط الظلام عن قطة سوداء، وهي عند كانط ضرورة أخلاقية، لكن الميتافيزيقا، وهي تساؤل أصيل عن الذات والإنسان وموقعه في الكون وعما وراءه، انتهت مفسحة الطريق لميتا فيرس، وميتا إنسان.

 لكن يبدو أن كلما ميتا ولادة يمكن لها أن تبتكر معاني جديدة، مثلا ميتا الشمس (ما وراء الشمس وهي دلالة على من يختفي أثره، ماوارء الأكمة، ما وراء الخير والشر (بالإذن من نيتشه).

في الميتافيرس سيختصر العالم في نظارة، ستفعل كل شيء من خلالها، لتقريب الفكرة يمكننا الاستعانة بفيلم AVATAR

الذي يحكي قصة جندي أميركي مقعد، يرسل في مهمة ضد كائنات مسالمة زرقاء، من خلال صنع كائنات شبيهة بها، تحل بها روح الإنسان، وهذه النسخ الافتراضية تعرف بالأفاتار. الملاحظ أن الجندي في وجوده الواقعي بجسد مقعد، لكنه في نسخته الافتراضية يملك جسداً مختلفاً، ولاحقاً سيقرر البقاء في نسخته ومغادرة جسده الواقعي دون عودة.

شيء شبيه بفكرة القرين، أو النسخة، القرين ليس على طريقة بورخيس أو خوان خوسيه مياس، فالمثير أن نسختنا ستذهب إلى الجامعة وتدرس وتحاضر فيما نحن نرتدي النظارة في أسرّتنا.

 صحيح أن الميديا والإعلام البديل القائم عليها والصورة أدت إلى الفوضى والاختلال وتشظي المعرفة وضياع المعنى إلى حدود تجاوزت الإنسان، الذي بات فيضاً من التشكيلات الافتراضية السائلة، وتركته في وضع آيل للسقوط، صحيح أننا وصلنا حد إلغاء الواقع بواقع بديل، بـ “وهم الواقع”، حيث كل شيء متاح: وفرة في الصور، وفرة في الأجساد، وفرة في الطعام في العالم الافتراضي، وحرمان في العالم الواقعي؛ لكن لم نصل حد إلغاء أجسادنا، آخر نقاط ارتكازنا، اللمس والرائحة والنظر.

إن الأسئلة التي يجب على الفلسفة أن تتنبه لها: هي تأثير ذلك على العقل الإنساني، على نوع الإنسان الذي سنكون عليه نتيجة هذا الشكل الجديد للحياة، على التواصل الحقيقي حين تصبح لمسة إنسان لآخر شيء غريب؛ عن الحضور الجسدي الذي سيصبح ثقيلا على صاحبه.

وماتبعات هذا الواقع المصطنع،   غير الحقيقي، simulacra” أو “فوق الواقع hyper-realعلى العلاقات الإنسانية؟

وهل هي طريقة جديدة لاستعبادنا؟

وهل هي ميتافيزيقا جديدة؟

الآن يمكننا القول إن الواقع فاق مخاوف الفن والأدب والفلسفة مجتمعة؛ فلا يمكن كبح جماح هذا السير، هذه السيولة التي وصفها “باومان” (المعنى وضده عند بودريار) ضياع نقطة أرخميدس الثابتة التي أرقت ديكارت.

إنهم يقتلون الجياد. أليس كذلك؟

(إنهم سيقتلون الجياد)

هذا السديم الذي لا حدود فيه بين الواقع والوهم، الذي أقلق جان بودريار سيصبح حقيقة مع ميتا فيرس، وكأن كورونا كانت مقدمة قصيرة لفصل طويل.

كل ميتا تعني موت بطريقة ما، (كانت ميتافيزيقا تعني موت عالم الإنسان، لصالح الغيب. عالم الجسد لصالح الروح).  الماوراء، التجاوز، ميتا فيرس، وبما أن التسميات تبدو ظريفة لنقل ميتا إنسان، ولكن ما الذي نعثر عليه ما وراء الإنسان. (تهاوي العقل، موت القيمة والتاريخ والمفهوم، شيوع الفوضى والغريزة ونشاط طاقة الشر والأشكال المتطرفة، التشويش والفوضى التي تسود العالم!)

 باختصار (البربرية)

في مقطع له دلالته من رواية “حارس الفيسبوك”، للكاتب المصري شريف صالح، يطرح من خلاله مسألة الجسد الحقيقي والوهمي أو المتخيل، فكل الشخصيات تعيش تناقضاً حاداً بين واقع غارق في الرثاثة وفضاء وهمي بحيث تبتعد الصورة المصطنعة والمبنية تخيليّاً عن الصورة الحقيقة.

لا شك في أن هذا، وعلى طريقة فيلم آفاتار، يشير بأنه يمكن لإنسان معاق أن يتحول إلى عدّاء، في حلبة عالم افتراضي، ويمكن لسادي أن يمارس القتل دون تبعات، لكن كيف سينعكس ذلك وكيف تؤثر النسخة على الأصل. هذا الإحلال والتبادل المريعين في الأدوار، ما انعكاسهما على بلورة إنسان جديد مفرغ من أية لمحة ذكاء؟

تبدو الميتا وكأنها –بالإذن من تيري إيجلتون-: الفصل الأخير من المسرحية. تماماً كما يمكننا أن نفهم الفصل الأخير من مسرحية “الملك لير” من خلال الفصول الأربعة السابقة. ثمة واقع آخر يصاغ ويُفرَض علينا ونحن نتبناه دون وعي، واقع -لا إرادة الإنسان ولا عقله ولا خياله-لهم أي دور فيه.

 والسؤال: إلام سيفضي كل ذلك، وماهي أهم سمات هذا الفصل الأخير؟

 تجسد مسرحية الملك لير، انتقالات الأخير من الرشد إلى الهيجان ثم الخبَل وصولاً إلى الندم والحمق، وهما نتيجة منطقية لجنونه؛ فهل هذا ما سيحدث حين يتنازل الإنسان عن أغلى وأثمن ما يملك: جسده الواقعي، بعد أن تنازل عن خياله وحريته وصار تابعاً للآلة.

الميتا فيرس مشروع جذاب، لكن يحق لنا أن نسأل عما وراء هذا الميتا. أن نقلق على المعنى الأخير لكلمة إنسان (وربما تصبح هذه الكلمة ميراثاً من الماضي ذات يوم).