حين كنا نلوِّح بالأناشيد لقوافل الشهداء

111

فلسطين الجنابي /

كلما ضيَّقت علي وحدتي خناقها، انبعثت من تحت جلدي طفلة، تفتش في خزانة أبيها عن جورب قديم، يصلح أن يكون دمية تناسب حنانها، وحجم شوقها إليك.
كنت أواسي هذا الحرمان الجميل بصورة قد تخبرك كم أنا ضائعة، وكم أنا وحيدة وغريبة، لم أكن أسعى لأحظى بكلمة حب، أنت تعرف أني لم أكن يوماً امرأة الكلمة. تعرف أني امرأة لا تناسب إلا عصرك، لا تتشح بربيع الحياة إلا حين تشتلها بقلبك، وتزرعها على جفنين، تعرف أنهما حين يسدلان لن يحلما بك.

هل تعرف كيف تصير خيبة امرأة تنتظرك منذ الألف الأول للحب؟ ثم لا تتوسد منك غير جرح بحجم مخدة الدمع، الأسود لا يليق بي ولا بحلمي ولا بك، لا لون يليق بالحزن مذ علمتك على شارع القلب موقفاً لما لا يأتي أبداً،
لا لون يليق بالراحلين،
لا لون يناسب منديلي هذا المساء،
لا كحل يناسب عيني
ولا كلمة يمكنها أن تقال.

كحل الحرمان
قالت لي امرأة مخضرمة في عصر البكاء، أن لا دمع يمكنه أن يعبر حرمان البوح. قالتها وهي تمنحني منديلاً مختوماً بكحل حرمانها، ومطرزاً عليه اسم رجل، لم تتعد تهجئة حروف اسمه لفظة: خيبة.
الحزن لا يليق بي، ولا بضحكتي وبراءتي حين أعدو معك قاطعة شوارع لا أعرفها، لكن أصابعك القابضة على كفي تطمئنني، سأقطع معك المستنقع وأنا أحمل على رأسي صرة خبز الموتى، وأرمي بفتات الحياة للغربان التي تحوم حول الجثث العائمة، أنا التي شيّعَتك في أول موكب للرحيل حين علّقَت اسمك على نخلة ومضتْ، وكتبت على حجابها اسمك بالمقلوب كي يقيها شر شياطين الشوق والحنين ولعنَتْك في سرها، وبكت حين رأتك تقوم من ميتتك وتمنحها بركة الغفران والرضا والمحبة، وكل ما في الكون من سكينة وحنان.
أغنية قديمة
أريد أن أغني لك أغنية قديمة، بلحن قديم وكلمات قديمة، أغنية تنتمي لنا، لذكرياتنا، أغنية تشبه يوماً طويل للبكاء، حين كنا نصطف عراة وحفاة على شوارع المدينة، نلوِّح بالأناشيد لقوافل شهداء الحرب الاولى، مزينين بصورهم واجهات الشوارع الممتدة من جبهات القتال وحتى بوابة المقبرة ..المقبرة التي توسعت، حين لم أستطع أن أقول لك أن ابق معي فترة أطول.
نعم، أريدها أغنية حزينة وقديمة، بقدم هذا الوجع الذي يسكنني
وبعمر دموعي، حين لمحتك صدفة عند باب البيت، أغنية تشبه تماماً لون عينيك لتي لم أعرف من قبل أنهما سخيتان بالدمع، كعينيّ أيضاً.
السندباد المغامر
الحزن لا يليق بامرأة لا تحفظ حقيبتها غير تذاكر السفر، فتمد يدها لتقطف أسماء المدن الكثيرة التي دوَّنتها في أجندة الحلم، يوم كان الحلم بسيطاً وبريئاً، وحراً أيضاً، حراً بما يكفي لأن يجعلك معشوقاً سيداً، ويجعلني عصفورة تحوم حولك، فتكون أنت السندباد المغامر، وأكون ياسمينته الأميرة المجنحة، التي تقوده إلى جزر الفرح.. حيث يقيم العيد. لم يكُ العمر مخيفاً إلى هذا الحد، حتى استحال الغياب كأس شاي وحديثاً طويلاً.
كان الحديث مبللاً بالشوق ويعبق بأمل اللقاء، فكيف أنفرط هكذا…؟ وصار يشبه وصايا الموتى، وصار موعداً منك لم يحنْ بعد، يشظيني أشلاء ويطفئ طمأنينتي ويملأ رئتي بكل هذا الدخان.
لم أكُ حزينة حين كنتَ طفلاً على سلّم القلب تحبو، كنت أرعى فيك ولدي الوحيد،
لم أخش أن تغريك الأبواب المفتوحة، فتعشق عبرها درب الغياب.
وحين أهم أن أنام، تحدث ضجة كبيرة كي تجرب فزعي عليك.
لكنك الآن وحيد، كما أني وحيدة، كذلك يفعل الأطفال حين يكبرون، يهجرون أمهاتهم، ليرسموا وجوههن على حيطان الحلم، غير أنك لم تحفظ شكل وجهي ولا حتى لوعتي حين أبتسم، وأنا أحفظ لك في حقيبة القلب دمعة كبيرة، تساوي حجم خيبتي فيك، فلم ترسم مني على جدران غربتك غير صمتي وغيابك.
لم أك حزينة يومها، ولم يكن لون حدادي عليك أسودَ، أنا التي لم أحسن اختيار بداية تقليدية لحكايتي معك خطفتك من تنور الجوع والحرمان، كرغيف لا يصلح للصدقة.
سراب أبدي
وكنت هناك، أقرأ عليك سورة العطش، وأرفع إليك كأس الغياب، كي تظل تلاحقني.
أنا المرأة التي تجلّت في سراب أبدي، وحتى في قت الحرب والموت، ولم أنشد خلوداً كهذا، وماكنت حلمت به من قبل غير أني نسيت أن الطيور حين تستنبت الريح أجنحتها أحلام السماء، تطير، وكذلك هم الأولاد حين يكبرون، يرحلون.
لذا كان علي أن أكون مستعدة جداً لهذه الوحدة، وكان عليَّ أن أتحصن بأكبر قدر من الذكريات، وأن أطوي رائحتك تحت جلدي، كي لا أؤمن بغيابك، ولا أعتقد بالنسيان.
وكنت أنت كوعد الصائم بالثواب والغفران، لا تعرف الألفة ولا حاجة امرأة وحيدة إلى سبب للبكاء.