حين يكون ادعاء الجنون سبيلاً للخلاص

445

أحمد السيد علي/

يمكن أن تقرأ هذه الحكاية في رواية لغابرييل غارسيا ماركيز، ويسحرك فيها حجم الخيال المنفلت، أو يمكنك أن تقرأها في بعض أعمال كافكا المؤلمة لشدة سوداويتها، يمكنك أن تقارنها بالجحيم الكابوسيّ لجورج أورويل في روايته (1984)، لكنْ لن يصدّقك أحد إذا قلت أنها حكاية واقعية حدثتْ لرجل من لحم ودم عاش بيننا على هذه الأرض. ولهذا فمن الأفضل لك ولنا أن تختصر المسألة لتقول إنها حكاية عراقيّة لرجل عراقيّ، حينها سيبدو الأمر طبيعياً. ففي العراق وحده، وبخاصة أيام النظام المقبور، أصبحت الغرائب والعجائب أمراً مألوفاً بل هي نمط حياتنا اليومية.
العودة الأخيرة
اسمه فاخر عبد العباس المنصوري، وهو مثل كثير من العراقيين وجد له ملجأ في إحدى دول أوروبا، وقد عاد إلى وطنه بعد سقوط الصنم مراراً، لكنّ المرة الأخيرة كانت عودة مأساوية.
أخبره أهله في الحلة بضرورة عودته هذه المرة ليستكمل إجراءات معاملته كسجين سياسيّ، لكنه تثاقل، لربما كان يشعر أن في هذه السفرة ستكون نهاية حياته المليئة بأوجاع وآلام نقشها وطنه على روحه وجسده. قال لأخيه: هل يمكنني أن أعمل لك وكالة وتباشر أنت بالإجراءات؟ كان الجواب بالنفي، فلا بدّ من مقابلة قاض للتحقيق في مؤسسة السجناء.
حزم فاخر أمتعته وغادر بلاد منفاه الباردة إلى حيث شمس العراق اللاهبة.
استقبله أخوه ثائر وأبناء أخيه الثلاثة في ساحة عباس بن فرناس القريبة من مطار بغداد ومنها غادروا إلى الحلة، وفي المحمودية انقلبتْ سيارة أخية وكانت الكارثة. فقد أنطفأ قلب فاخر واثنين من أبناء أخيه، ولد وبنت، ونجت بنت ثالثة.
لكنْ مهلاً، فقد كانتْ هذه نهاية مأساة فاخر، وإليكم بدايتها.
الكابوس
اعتقل فاخر في بداية الحرب العراقية الإيرانية، وحُكم عليه بالمؤبد لإدانته بانتمائه للحزب الشيوعي تنظيم الداخل وسجن على أساس تلك التهمة في السجن سيئ السمعة قديماً وحديثاً “أبو غريب”.
في العام 1982 كان صدام يريد تحسين صورته، فمؤتمر عدم الانحياز الذي كان مقرراً عقده في بغداد على الأبواب، وكان صدام شديد الإعجاب بكاسترو، أحد ضيوف المؤتمر القادم، الذي “بيّض” سجون كوبا في ذات السنة وأراد صدام أن يقلّده، ولم لا؟ فصدام كان في عيون البعض “كاسترو العرب”!
لهذا ولأسباب أخرى تتعلّق بتقرّب صدام ونظامه من الدول الاشتراكية آنذاك، أصدر النظام المباد عفواً عاماً شمل 200 شيوعي تقريباً، فأطلق سراح فاخر يوم 20/6/1982 حيث أصبح طليقاً مرة أخرى وجنّبه مصير كثير من رفاقه الذين دُفنوا أحياء أو فرمتهم المكائن العملاقة.
غير أن فاخر شيوعيّ يستحق اسمه، فما أن خرج من السجن حتى عاد لتنظيمه في منظمة الفرات الأوسط، وسرعان ما اعتقل مسؤوله المباشر واسمه “أبو رهيب” إثر تقرير كتبه أحد عيون السلطة، فابتدأت جولة جديدة من المتاعب.
داهم رجال الأمن بيت فاخر وكان خارج البيت، انتظروه، كمنوا له في حديقة البيت، وحين عاد حاول الهرب منهم من دون جدوى، فاستسلم لمصيره.
جنون العاقل
أيقن فاخر في هذه المرة أنّ الاعتراف يعني التصفية الجسدية، فقد علم أن رفاقاً له قدموا اعترافات ضدّه إثر تعذيبهم، في تلك اللحظة المجنونة قرر أن يصبح مجنوناً.
كانوا ينهالون عليه بأنواع العذاب وهو يضحك، تَبوّل على نفسهِ، تغّوطَ في ثيابه، تلبّس دور المجنون إلى حدّ أنه جعلهم يراقبونه وهو يأكل من برازهِ، حتى أيقنوا بعد مراقبته ليلاً ونهاراً أنه جُنّ.
أرسلوه إلى سجن مستشفى الشماعية للأمراض العصبية في منطقة الرشاد ببغداد.
هناك حاول فاخر جهد الإمكان أن لا يُظْهِرْ وجههُ للعاملين في المستشفى من خلال الجلوس ووضع كلتا يديه على وجههِ كما أطلق لحيته، وكانوا في المستشفى يعالجونه بالكيّ الكهربائي وزرق الإبر وهو يقاوم.
الهروب
في الزيارات المتباعدة للأصدقاء بعث رسالة شفوية عن طريق أخت أحد الأصدقاء إلى رفاقه في الحلة أن يأتي أحدهم في أول يوم العيد وأن يرتدي قميصين وسروالين وحذاءين ويخبئ في جيوبه مقصاً وموسى حلاقة ونظارة سوداء وعطراً.
في اليوم الموعود، وخلال الزيارة ذهبَ ثلاثة من رفاقه للمواجهة في مستشفى الشماعية، وكان هؤلاء الثلاثة كلاً من عدنان شبر وعلاء وفؤاد.
أثناء الزيارة، دخل فاخر إلى دورة المياه ومعه أحد الرفاق وأعطاه المطلوب، بسرعةٍ قص لحيته وحاول حلاقتها بالموسى، كان الماء مقطوعاً، فبال وحلق ببوله وغيّر ملابسه وكان قد تعطرّ من عطر أصدقائه ولبس نظارات شمسية وخرج مع الزوار وبمعيته رفاقه الثلاثة من الشماعية مختلطين مع جموع الزوار الخارجين.
خارج الجحيم
لم يشأ فاخر الذهاب إلى كردستان من دون أن يقطع الخطوط التنظيمية المتبقية في الحلة بعد أن عرف من خلال التحقيق أن هناك مندساً سوف يُوقِعْ بالآخرين. ذهب أولاً إلى الحلة وقطع هذه الخطوط التنظيمية وأخذ مجموعة من رفاقه وغادر إلى كردستان العراق ليكون مقاتلاً في قوات الأنصار.
الأدوية التي تعاطاها أثناء فترة “جنونه” والكيّ الكهربائي، أثرت جديّا في صحته وظلّ بقية حياته يعاني منها. لم يبقَ طويلاً في كردستان، سرعان ما غادر إلى إيران منتصف الثمانينات ومكث هناك بضعة أشهر، سافر بعدها إلى الدنمارك ليحط رحاله في كوبنهاكن العاصمة.
تعرفّ على فتاة أميركية من ولاية منيسوتا الشمالية المحاذية لكندا وتدعى “رينيه” عاش معها وتزوجها وأنجبت ولدين هما “أنجلو” و “أندريه” في بداية التسعينات وعاش معها مدة في أميركا ومن ثم عاد ليستقر في الدنمارك.
تقلبت صحة فاخر النفسية والجسدية بسبب ما لحق به من تبعات وتراكمات سابقة من الصعقات الكهربائية والأدوية المخدرة والحبوب المهدئة فانتهت حياته الزوجية بالانفصال بعد عقد ونصف تقريباً.
بعدها بفترة وجيزة تعرّف على فتاة روسية وتزوجها وأنجبت له بنتاً، ولم يدم هذا الزواج كثيراً هو الآخر، وظلّ فاخر طائراً محلقاً في دراما عراقية غريبة. أمضى أواخر عمره مع ابنهِ أندرية لاعب السلة الواعد.
عاد إلى وطنه مراراً لكنّ عودته الأخيرة أنهتْ هذه الحياة الباسلة والغريبة بعد أن منحته بلاده هداياها من الجنون والتعذيب والموت… الآن يمكن العودة لقراءة الموضوع من بدايته!!