خان العطيشي.. من منجم حكايات الى مكب نفايات

54

علي لفتة سعيد /

واحد من أقرب الخانات الى مدينة كربلاء، وهو أحد سلسلة خانات تمتد من مدن عديدة باتجاه مدينة كربلاء الدينية.. وعلى الرغم من الاختلاف على التسمية والعائدية، كما في غالبية الآثار العراقية، فإن هذا الخان تحول الى مكبّ للنفايات، ما أدى الى تداعي جدرانه وأقواسه المشهورة، رغم أنه يقع في وسط مدينة الحسينية التي تحولت الى قضاء قبل سنوات لتتحول المنطقة الى ناحية العطيشي باسم هذا الخان.
مع أن الكثيرين يقولون إن بناءه يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وإنه شيّد ليكون مأوى للقوافل المتّجهة إلى كربلاء من الحلة أو بغداد، كما أنه يمثل مركزاً لسيطرة الجيش العثماني، وهو الخان الذي شهد اجتماعاً بين الثوار قبيل ثورة العشرين المعروفة.
تصميمه وبناؤه
شيد هذا الخان نحو عام 1774 في عهد الوالي العثماني سليمان باشا، كمحكم استراحة للزوار الذين يفدون من بغداد الى كربلاء، عرباً وأعاجم. يقع إلى الشمال الشرقي في مدينة كربلاء على الطريق القديم الذي يربط بين بغداد وكربلاء, حيث يقع على الكتف الغربي لناحية الحسينية. يقول الباحث مرتضى الأوسي إن نظام تخطيط عمارة الخان يشبه بناء الخانات الأخرى، وهو مستطيل الشكل، طوله 65 متراً وعرضه 51 متراً، وارتفاع جدرانه الخارجية نحو 5 أمتار، وسمكها متر واحد، وزود الجزء العلوي منها بمزاغل تستخدم للدفاع وحماية الخان من اللصوص. وأركان الخان الخارجية مدعمة بأربعة أبراج كبيرة يبلغ نصف قطر كل منها 4.5 متر. يضيف الأوسي أن لهذا الخان مدخلاً يتوسط الواجهة الجنوبية الغربية، وهو بارز عن مستوى الجدار، ويبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار وعرضه يبلغ مترين، يعلوه قوس كبير مدبب الشكل، وتتوسط الخان ساحة داخلية مكشوفة طولها 50 متراً وعرضها 35 متراً، تحيط بها الغرف التي تتقدمها أواوين ذات قياسات مختلفة تعلوها عقود آجرية وأقواس مدببة الشكل، أما الطريقة المتبعة في عملية تسقيف الغرف والأواوين فهي استخدام الأقبية المدببة.
تاريخ وحادثة المناخور
لم يكن الخان مجرد مكان لإيواء الزوار الى العتبات الدينية، بل شهد أحداثاً تاريخية جساماً مرّت بها كربلاء. يذكر الباحث الدكتور عدنان المسعودي أن من تلك الأحداث الشهيرة (حادثة المناخور) وهو قائد إسطبل خيول داوود باشا والي بغداد الذي استنجد بقبيلة عقيل والقصيم والأحساء لتأديب أهالي كربلاء؛ لأن الأهالي رفضوا مشروع استقلال العراق عن الدولة العثمانية المتهالكة الذي سعى لإقامته داوود باشا عام ١٨٢٤م . يضيف المسعودي أن جموع الجيش العثماني والقبائل تحركت فعسكروا في ضواحي كربلاء، واتخذوا من خان العطيشي نقطة تجمع وإدارة، وكانت مقدمة الجيش العثماني في القنطرة البيضاء، وهناك دارت أكثر من تسع منازلات مع الأهالي الذين أبدوا استبسالاً وشجاعةً في مواجهة عرب عقيل والقصيم، وفي جميع هذه المنازلات انكسر العثمانيون. ويمضي المسعودي في سرده للأحداث أنه بعد مقتل قائد جموع العثمانيين الشيخ صفوك الشمري وسقوط جثته في أرض الجويبة، انتدب داوود باشا المناخور، قائد إسطبل خيول ولاية بغداد، وكان داهية محنكاً، فسار بألف وخمسمئة من الجندرمة المدربين يجرّ معه المدافع، وانتدب المناخور قبيلة بني حِسن فأنجدته بلفيفٍ من الأعراب الذين تقدموا أمامه من ناحية باب المخيم فتسلقوه بعد قصفه بالمدافع، لكن أهالي كربلاء ردوهم على أعقابهم مندحرين، وبعد أربع سنوات من المقاومة المستمرة -كما يشير المسعودي- استسلموا بعد أن قطعوا عنهم ماء نهر السليمانية وعقروا مصادر تموينه.
ثورة العشرين واجتماع القادة
لكن الأهم في هذا الموقع المهمل الآن -كما يقول المسعودي- هو ما شهده الخان خلال أحداث ثورة العشرين، حيث نزل فيه الثائر ضد الإنكليز الشيخ حارث الضاري مع ثلّة من الثوار، فكان مركزاً لانطلاق عمليات الثوّار ضد مواقع الإنكليز المتقدمة في سدة الهندية وفي الوند.. وعن معلومة اجتماع قادة ثورة العشرين داخل الخان يقول المسعودي إنه “لا توجد مصادر موثّقة يمكن الاعتماد عليها في تأكيد اجتماع الشيرازي بقادة الثورة في خان العطيشي، ولكن هناك بعض الأدلة والمرجحات التي تؤيد مثل هذه الروايات ومنها أن خط المواجهة المباشرة ضد قوات الاحتلال الإنكليزي، يقع مباشرة في الخط الوهمي الممتدّ من سدة الهندية حتى مقاطعة الوند في الحسينية، وهذا الخط هو خط الصد الرئيس لحماية كربلاء ومركز تجمع ثوار عشائر الفرات الأوسط، فضلاً عن أنه كان لا بد من أن يكون الإمام الشيرازي على تواصل تام مع الثوّار، ويكون قد التقى بقادة الثورة مراراً في خان العطيشي. ولأن وجود قيادي كبير مثل حارث الضاري في مركز قيادة الثورة في خان العطيشي يجعل زيارة الشيرازي أمراً معقولاً.” ويذكر المسعودي أنه في عام ١٩٤١ قصفت الطائرات الإنكليزية خان العطيشي بعد أن أدركت وجود بعض عناصر انتفاضة ٤١ ضد الاحتلال الإنكليزي، لكنه، وبحسرة يقول، إن هذا الخان ربما يختفي خلال بضع سنوات فتزول صفحة مهمة من شواهد تاريخ وادي الرافدين العريقة، وهذا ما يرغب فيه أعداء العراق على الأخص.