خريف يحترق بدفء الربيع

389

رجاء خضير/

سارت بخطى ثقيلة نحو كرسيها الخاص في تلك الحديقة الواسعة ونظراتها الشاخصة نحو الباب الرئيس للدار:
ترى من تنتظر هذه المرأة المسنة؟ وهل يأتي؟ أم ينتهي يومها بلا لقاء احبتها كأيامها الخوالي.

جلستُ بهدوء بقربها وبدأت حديثي معها عن الدنيا، وعن الزمن الذي نعيشه وهو غير زمانهم..

قاطعتني قائلة.. لا تكملي، اعرف ماذا تريدين معرفته. قصتي وهؤلاء ممن تشاهدينهن متشابهة في أمور عدة..
تعرضنا لإنكار من أعز الناس وأقربهم الى قلوبنا ونحن على قيد الحياة فكيف إذا اصبحنا ترابا؟

اليك قصتي..

توفي زوجي وأنا في عنفوان شبابي بعد أن ترك لي أربعة أطفال وسلّة مملوءة بالديون والهموم.

توكلت على الله، وبدأت حياتي بمساعدة أمي التي وقفت بجانبي وساعدتني ماديا ومعنويا، لأن راتبي بسيط لا يكفي مستلزماتنا الضرورية، وهكذا مرت السنون بيسرها وعسرها وكبر اولادي ودخلوا أرقى الكليات. اولادي الاثنان دخلا كلية الطب، أما ابنتاي فكانت رغبتهما الهندسة. ضاعفت جهودي. وبدأت أعمل في التجهيزات الغذائية لأوفر لهم مايطلبون..

فرحتي لاتوصف وأنا أرى أيام تخرجهم. وتدخل اولاد الحلال وحصلوا لولديّ على وظائف مرموقة في دوائر حساسة، ومنها بدأت الاحظ تغيرهما تجاهي، ابتعدا عني تدريجيا، وباحساس الأم شعرت أنهما يخجلان مني ومن عملي، صارحتهما بما احسه.. لم ينكرا، بل أكدا لي بأنهما أستاجرا

شقة قريبة من مكان عملهما وبدآ بتجهيزها، وبمساعدة من يحبان.اخبراني بأنهما على علاقة بأختين في دائرتهما من عائلة غنية واتفقا على الزواج بهما.صرخت: وأنا

-تبقين هنا مع اختيّ لحين زواجهما. صمتّ ودخلت غرفتي. وأنا لا أصدق ما سمعت..
اولادي وما بذلته من اجلهم: فناء شبابي ودفن حياتي و … و ….. وكلها اصطدمت بجدار صلد..
نفذا ما صمما عليه، كانا يخشيان كلام الناس واحتقارهما لو عرفوا انهما من طبقة متوسطة وغير غنية، وامهما تعمل موظفة بسيطة، وتعمل في البيت ايضا لسد احتياجاتهما:

لم أنم ليلتها وفكرت كثيرا بما سيحل بي وبابنتيّ..

في الصباح صارحت الجميع بمخاوفي من الآتي، فأجابت ابنتي الكبيرة: لاتفكري يا أمي بنا ونحن ايضا اخترنا شركاء حياتنا وخلال فتره قصيرة سنرافقهما في عملهما خارج البلد،
صرخت.. يعني الهجرة؟

وأنا، ألم تفكروا بي؟

من سيبقى معي؟

من يرعاني اذا مرضت، إذا كبرت؟ و..

لم اسمع تعليقا يشفيني من صدمتي بهم جميعا..

وقررت التزام الصمت بقية حياتي معهم..

وتم كل ما ارادوه خلال فترة وجيزة. لأبقى وحدي في بيت بارد لادفء فيه ولاشمس.

في يوم جاء صاحب البيت ليبلغني بأن أتركه لأنه يريد استثماره في أمور اخرى، ما اضطرني

الى ان اتصل بابني الكبير الذي اقترح علي كي اتخلص من هذه المعاناة ان ادخل دار المسنين.

بحثت عن سكن رخيص حتى لو كان غرفة واحدة دون جدوى.

اتصلت بابنتي وولدي الصغير، لم يكن ردهم افضل من اخيهم الكبير..

يئست من الحياة وندمت على جهودي التي نثرتها عليهم لأحميهم من المجاعة والجهل والتشرد، لا سيما بعد وفاة والدهم.

ترى هل يعقل ما مررت به؟

وهل الزمن الذي نعيشه قد تنصل عن المبادئ والأخلاق والرحمة وبما اوصى به الله عز وجل؟

دخلت هذه الدار لأجد أن قسوة اولادي أهون بكثير مما سمعته ورأيته في هذا المكان..

أما اجابتي عن سؤالك لماذا انظر نحو الباب..

قلبي ينظر قبل عيني، لعلهم يتذكرون أن لهم أماً في هذا المكان ويأتون ليمنحوها الدفء.