دافيد مامت كثير الشكوك

92

مقداد عبد الرضا /

يقول المخرج الراحل ستانلي كيوبرك عن السينما والصوت الذي دخل عليها فيما بعد,السينما كانت عبارة عن مخيلة لاتحتاج الى معاون لها او يهدم ذاك الخيال,الحركة والايماءة وحدها كافية لان تعطينا توضيحا كاملا وهي بذاك كانت في اوج قوتها ومسعاها الرحب واللماح,لكن ما ان دخل الصوت كمساعد لها حتى انتهت السينما,احيانا يضع البعض زيادة على تلك النهاية بان يضع احدهم موسيقى غير ملائمة مثلا وبذلك يضيع كل الخطوات للاسف والامثلة كثيرة.
معظم مسرحيات مامت قصيرة الزمن والحدث فيها محدود, أنماط مختلفة من البشر كل يبحث عن نقيضه, الأضداد هم النماذج الذين يتصارعون فيما بينهم, هذه الطريقة استوحاها مامت من الشارع, لغته تبدو مكثفة ودقيقة في نفس الوقت، لكنة شوارع شيكاغو أنشأت العلاقة بين ممثليه من خلال التمارين, إحساسهم بلغته التي تبدو لأول وهلة صعبة ثم ما يلبثون أن يعتادوا عليها, يصر هو على أن ينفذ الممثل حواره كلمة بكلمة ((إنك تستطيع أن توصل أية مفردة مهما كانت صعبة عن طريق الممثل الذكي واللماح, أنا لا أحب الثرثرة وأعرف أن الكلمة يجب أن تأخذ مكانها المناسب دون زيادة, أعتمد على فعل الحدث بعيداً عن العاطفة, الحافز الداخلي للمثل هو ما أبغي وأعول عليه كثيراً (أكثر حتى من كتاباتي)).
الممثلون الذين يفضل مامت العمل معهم هم: الك بولدوين, لندسي كرو, ريكي جاي, مايك نسيم, وليم مكاي, جومونتيكا, ربيكابدكوين, كولن ستينتن. هؤلاء يستطيعون أن يوفقوا فعل الجسد مع الكلمة المنطوقة والتعامل مع الفضاء بما يتلاءم مع الفعل والإحساس به, إنهم مقتصدون في كل شيء, في الحب, في البغض, إنهم يتبعون برضا تام ما أبغيه، وهذا ما يقربنا من بعضنا البعض كثيراً. في العام 1987 قام مامت بإخراج أول فيلم له (منزل الألعاب) الذي كتب نصه أيضاً. ماذا يحدث حين يطلب محتال من محللة نفسية أن تترك عيادتها وتلتحق به في الشارع للإيقاع بالناس, وهل يثق أحدهما بالآخر, لقد منحتك ثقتي، لا بل أنا الذي منحتك ثقتي، لذلك فإن ما حصلنا عليه من مغامرات في الضحك على البشر هو درس بليغ في علم النفس, إن الخداع يوصل ماركريت، عالمة النفس، إلى المشاركة في سرقة مبلغ كبير من المال واعتقادها أنها قتلت رجلاً. في النهاية نراها تستعذب اللعبة حين تطلق النار على مايك المحتال كنوع من الهوس الذي أصابها من جرّاء استمرارها في الاحتيال والسرقة.
استقبل الجمهور والنقاد الفيلم بشكل جيد, لكن كان هناك أكثر من رأي بشأن النهاية, هل أن قتل مايك من قبل ماركريت يمثل الخطر الذي يحيق بالرجال من قبل النساء؟ خيال علاجي يسمح لماركريت أن تحرر نفسها من كل العواقب القانونية ومن كره الرجال الذين خدعوها. الفيلم كما يقول مامت عبارة عن حلم, لكن من الذي يحلم بهذه الطريقة؟ إنني دائماً أضع المشاهدين في مهمة غير مألوفة وصعبة, هي الانشغال الكلي والانغماس مع الحدث الدرامي، لا بل أذهب أكثر من ذلك بحيث يكون المشاهد في نفس موقع الأبطال الرئيسيين, أقودهم من خلال الحدث, هل مامت يمثل لعبة أو خديعة في عملية الإخراج التي يمارسها؟
الفيلم الثاني الذي أخرجه هو(اشياء تتبدل) 1988. يعتبر هذا الفيلم استثنائياً, فبالإضافة للحوار المبتسر القصير والشكل المسرحي, يدخل في رؤيا بصرية أخاذة تدلل على مقدرة مامت في معرفة واستيعاب الصنعة التي يمارسها. ولقد ساعده كثيراً ممثلاه: جومونتيكا و دون أميشي، فقد قدما مباراة في التمثيل استحقا عليها الاشتراك والترشيح لكأس (فالبي) في مهرجان البندقية لعام 1988. لقد ركز الفيلم على تلك العلاقة التي تنشأ بين جيري مونتيكا وجيواميشي، الرجل الكهل الذي تم إقناعه ليكون بديلاً عن قاتل في إحدى عصابات المافيا, وجيري عضو العصابة الجديد الذي تم تعيينه لحراسة جينو بالإضافة إلى كونه منفذاً بارعاً لعمليات القتل. إن أقدارنا تجعلنا نحتال عليها أحياناً، لكننا لا ندري بأنها ستأخذنا إلى أقدار أشد شروراً.
الفيلم الثالث أخرجه في العام 1991, (القاتل)، بطله الرئيس مونتيكا أيضاً وبعض الممثلين الذين يعملون بشكل مستمر مع مامت، كذلك قدم ربيكا بيدكون زوجتة, من خلال كاميرا محترفة قادها المصور روجردكنس. الكوادر والزوايا التي نفذها أعطت الجو الخانق والمتوتر, كولد مونتيكا، يسحب ضابط الشرطة رجلاً قبض عليه وهو يتاجر بالمخدرات وأثناء التحقيق نتعرف على أنه اطلق النار على صاحب محل في حي السود, لقد تعاطف كولد مع هذا الرجل, ونتيجة لتعاطفه ومساعدته يقوم بتفجير إحدى المؤسسات التى تنضوي تحت لواء الفاشية, يعود كولد إلى وحدته ليرى زميله سولفان قد لقي مصرعه, يصاب كولد أيضاً، لكنه ينجو من الموت ويتم طرده من الشرطة, هذه الحبكة المتشابكة التي يريد بها مامت أن يقول لنا إن العداء بين البيض والسود لايزال قائماً، لكن هناك حصاراً لانعرف من أية جهة يستولي على الجميع. فيلم (أولينا) الذي قام بإخراجه, يقول لنا في هذا الفيلم: “كلنا محاصرون, أي جانب أردت أن تأخذه فانت مخطئ, أين الجانب الصحيح إذاً؟” العلاقة بين الطالبة كارل والمدرس جون لا يمكن التعرف عليها بسهولة إذ تحاول أن توقع بمدرسها من خلال اتهامه بعلاقة جنسية معها, شكل من أشكال الاضطهاد والظلم الذي تمارسه فئة على أخرى. يوقع بنا مامت ويغرينا بالتعاطف مع الفتاة حتى أننا نتوق لمعاقبة جون على الرغم من معرفتنا ببراءته إذ يتم سوقه من قبلنا للاعتداء على كارل عن طريق السحر الذي يمارسه علينا.
في العام 1997 ينفذ مامت فيلمه الآخر السجين الإسباني، إذ ينتقل من جو الوهم والخديعة إلى جو الذي أكد أنه لن تتم مكافأته على عمله وأن جهده سيذهب إلى شخص جديد, يزداد الصراع بين جو وديل. يوضح لنا الفيلم تلك العلاقات التي تنشأ بشكل خاطئ, شكل كاذب, أحياناً أنت لا تعرف من هو الآخر. إن الفيلم لا يستطيع تعليم الناس أو تصديق الفيلم. فيلم مامت الأخير (فتى ونسلو) الذي أخرجه عام 1999 مأخوذ عن مسرحية (تيرانس ريتكان) التي كتبها عام 1945. إن المسرحية التي كتبها ريتكان هي بالأساس قصة حقيقية لطالب بحرية مبتدئ تم طرده لقيامه بسرقة بطاقة بريدية قيمتها خمسة قروش وصراع عائلته المحطمة اقتصاديا لتبرئته. لقد كانت فوضى من أجل لا شيء, خسارة فادحة للكل بمن فيهم الحكومة. إن هذا الشيء لا يمكن أن يحدث إلا في إنكلترا, إنه مؤشر على العجز الكلي على تفوق نظام يحمي الأفراد، ليس فقط بواسطة الوثائق بل بواسطة لاجدوى قاتلة وإهدار للوقت. بقي أن نعرف أن مامت متوقف عن العمل منذ العام 2014 وآخر افلامه كتابة كان بعنوان (عن ليلة أمس).