دير “مار متّى” أحد أقدم الأديرة وأجملها

498

عامر جليل ابراهيم /

قليلة هي الأماكن التي تستطيع أن تأخذك في رحلة تأملية تنسيك صخب الحياة وضجيجها حيث الهدوء والسكينة بعيداً عن صخب المدينة، مكان لا تسمع فيه سوى صوت الريح وهي تضرب على جدران من صخور، رصَّت منذ قرون بسواعد 20 ألف عامل أبدعوا على مدى عشرين عاماً ليشيدوا واحداً من أجمل دور العبادة.
بنى ذلك المكان الناسك “مار متّى” ليكون ديراً للسريان الأرثوذكس على جبل الألفاف شمالي مدينة الموصل عرف بعد ذلك بدير “مار متّى” ويصبح من أشهر المعالم السياحية في العراق.
سنحاريب والتأسيس
“مجلة الشبكة العراقية” التقت السيد ماجد فرج سلومي، مدير عام شؤون المسيحيين، الذي زوّدنا مشكوراً بمعلومات عن الدير لنستكمل سلسلة (السياحة في العراق) لما للدير من أهمية في هذا الجانب المهم لإبراز جمالية بلاد مابين النهرين.
يقول السيد سلومي: يتبع الدير مطرانية السريان الأرثوذكس، أسسه مار متّى، الناسك السرياني، في القرن الرابع الميلادي، بمساعدة الملك سنحاريب وانضم إليه الكثير من الرهبان والموحّدين من نواحي نينوى، ويعد أقدم دير موجود في العراق.
ويقع دير “مار متّى” شمال شرقي الموصل بمسافة 30 كلم وبني في صدر جبل مقلوب “الفاف” ويحتل ثلثي مساحته ويرتفع 2100 قدم عن سطح البحر.
يستطيع الزائر الصعود إليه عبر طريق بين مرتفعين مرصوف بالحجارة في 32 استدارة وبمسافة تقدر بكيلومتر واحد تقريباً.
يشرف الديرعلى السهول والأودية وترى منه مدينة الموصل والكثير من قراها.
الجبل المقلوب
الدير بناء ضخم مهيب يشكل في مظهره تاجاً فوق قمة الجبل الذي يختلف في طبيعته عن بقية الجبال المحيطة به، فهو الجبل الوحيد الذي تتجه صخوره بعكس اتجاهات صخور الجبال الأخرى، ولهذا سمي بجبل مقلوب، كما سمي بجبل (ألفاف) وهي مفردة سريانية تعني بالعربية (ألوف أو آلاف).
كان أول رئيس يعيّن على الدير مؤسسه القديس “مار متّى”، الناسك السرياني, وانضم إليه بضعة آلاف من الرهبان والموحدين من كورة نينوى وغيرها من العراق وفارس، والتصميم الأول لهذا الدير مجهول بسبب الغزوات والكوارث التي عاشها وانعدمت فيه الآثار الفنية واندرست النقوش والزخارف, والباقي إلى يومنا هذا من أجزائه الأولى والأصلية المذبح وبيت القديس وهما جزء من الكنيسة وقلاية القديس “مار متّى” والصهاريج وكذلك بعض الكهوف والصوامع.
حياة القدّيس
ولد “مار متّى” في قرية “أبجر شاط” شمالي مدينة “آمد” في محافظة ديار بكر، وهي إحدى مدن تركيا حالياً في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي, من أسرة دينية تحكمها التقوى, توفي والده منذ صباه فدخل “مار متّى” دير “مار سرجس وباكوس” المجاور لقريته وكان يقرأ المزامير واللغة السريانية، وبعد أن بقي في هذا الدير سبعة أعوام التحق بدير آخر وهو “زوقنين” في ديار بكر وأحرز فيه قسطاً وافياً من العلوم الدينية والكنسية والروحية والعلوم الأخرى, تميزت حياة “مار متّى” بالعزلة والانفراد فغادر دير “زوقنين” يطوف باحثاً عن العزلة والفضلاء من القوم ليقيم معهم، لينتهي المطاف به صوب عين ماء ليسكن جوارها في أكواخ بسيطة لأربعة رهبان, بنى له كوخاً أقام فيه يتعبد قلبه بمحبة الله, وبسبب الاضطهاد والنزاع بين الدولتين الرومانية والفارسية آنذاك, حين كان العالم القديم مقسوماً بين هاتين الإمبراطوريتين اضطهد الروماني يولياس المسيحية والمسيحيين وطال هذا الاضطهاد مار متّى وجماعة من الرهبان وبسبب ذلك نزل هو ورفاقه على ضفة الخابور حيث ابتنوا لهم ديراً صغيراً.
الانتقال صوب نينوى
بعد كل هذه الاضطهادات قدم مار متّى إلى العراق حيث ولاية “آثور” بكورة نينوى, وكانت عاصمتها مدينة النمرود وكان الملك سنحاريب عاملاً وحاكماً عليها، وهي إحدى ولايات الإمبراطورية الفارسية (الساسانية) في تلك الحقبة ومعه خمسة وعشرون راهباً أشهرهم “مار زاكاي” و”مار أبروهوم” و”مار دانيال”, وجميع تلك الأحداث جرت بين عامي 361ـ 363 ميلادية.
إقامة مار متّى في صومعة صغيرة في جبل مقلوب لاتزال ماثلة إلى يومنا هذا متعبداً وناسكاً، اشتهر بتقواه وقداسته وممارسة أعمال التقشف, شرّفه الله بالكثير من الكرامات وكان يبرئ، بنعمة الله، الكثير من المرضى.
تأريخ الدير
بعد مرور مئة عام تقريباً من تأسيس الدير تعرض إلى حريق هائل عام 480م، وعلى إثر ذلك قضي عليه وبادت معالمه, وفي نهاية القرن الخامس عاد إليه بعض الرهبان واستأنفوا الحياة النسكية ورمموا الدير المحترق حتى برز اسمه من جديد في العام 544م ، فواصل مسيرته التأريخية بصورة منتظمة, وفي العام 1171م هجر بسبب الاعتداءات وظل مهجوراً حتى العام 1187م، ثم استؤنفت فيه النشاطات الكنسية في شتى المجالات, وبعد عام 1260م عانى الدير كثيراً من غارات المغول والتتر ومر بظروف قاسية جداً وصبر على اعتداءات العصابات طويلاً, وفي العقد الأخير من المئة الرابعة عشر ظهر “تيمور لنك” الطاغية الذي في عهده تمزقت أحوال الدير، وانتهى به الأمر الى أن أصبح مأوى لبعض المجرمين الذين استوطنوه فترة من الزمن, ونتيجة لذالك تشرد الرهبان وظل الدير مهجوراً منسياً لمدة تزيد على المئة وخمسين عاماً, ثم أخذ يجدد ذكره مرة أخرى بشكل خافت وضئيل في نهاية القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر الميلادي.
عاد مجده وتوهج بعد العام 1660م أي في العهد العثماني الثاني وتسلسلت أخباره حتى يومنا هذا، وسار سيراً طبيعياً خلال الفترة الواقعة مابين عامي 1833ـ1846م إذ تولاه الخراب على إثر غارة محمد باشا (ميراكور) ليخلو من السكان اثنتا عشرة سنة, وفي العامين 1970ـ 1973م تجدد الدير وأصبح من الصروح العمرانية البهية بكامل أجزائه, وتم إيصال التيار الكهربائي وتعبيد الطريق المؤدي إليه من مفرق عقرة والبالغ 10كم كما بلط طريق آخر يربط الدير بالطريق العام وهو اليوم يعتبر منطقة دينية وأثرية.
خزائن الكتب السريانية
عاش الدير عهوداً سياسية مختلفة منها الفارسية, الساسانية, المغولية, العثمانية, وأخيراً العربية. وفي دراسة تأريخية بتمعن نرى أن شهرته تنحصر ما بين أوائل القرن السابع الميلادي وسقوط الدولة العباسية في العام 1258م, وتتلخص شهرة الدير في ثلاث نقاط رئيسة أولها روحية عبر نشر الإنجيل, والاهتمام بالرهبنة, وكونه مزاراً كنسياً ثانياً، وثالثاً شهرة علمية متمثلة بالمكتبة التي حوت، إضافة إلى المصاحف من القرن الخامس الميلادي، كتباً كثيرة تعد في طليعة خزائن الكتب السريانية, ثم اندثرت حتى أخذت تبرز إلى عالم الوجود ثانية في القرن السابع الميلادي, وذاع أمرها وانتشر خبر مخطوطاتها في حدود العام 800م حتى العام 1771م، ونتيجة للهجمات على الدير اضطر الرهبان أن يحملوا الكتب ويغادروا إلى الموصل، وبعد العام 1241م نقلت إلى خزانة والي الموصل بدر الدين لؤلؤ, وفي العام 1369م هوجم الدير ونهبت المكتبة إلى أن جاءت سنة 1846م حين جمع فيها زهاء ستون مصحفاً, وهنالك عدد وفير من مخطوطات هذه المكتبة في خزائن المتحف البريطاني “كمبردج”,و برلين, والفاتيكان, والموصل, ودير الشرفة في لبنان.
وأخيراً المدرسة التي ازدهرت خاصة في المئتين السابعة والثامنة ومن أشهر تلامذتها: “مار ماروثا”, و”راميشوع وجبرائيل”،وقد أسهم أساتذة هذه المدرسة وتلامذتها بالحركة العلمية في العصر العباسي وتابعت سيرها حتى انقضاء القرن الثالث عشر.
جمالية الكنيستين
في الدير حالياً كنيستان تعرف إحداهما باسم القديس “مار متّى” والأخرى باسم كنيسة السيدة العذراء.
كنيسة القديس “مار متّى”: شيدت على الطراز المألوف في إنشاء كنائس المشرق وتشتمل على: المذبح, مدفن الآباء القديسين, الهيكل ومدفن الرهبان.
المذبح قديم جداً ينطق بقدمه بناؤه وقبّته الشاهقة البالغ ارتفاعها عشرة أمتار, وفيه “ترونسان” أحدهما كبير يقع في صدره، والثاني صغير يقع في أقصى الجهة الجنوبية, ووراءه في الجهة الشرقية “ترونس” ثالث بجانبه، وإلى الشمال الترونس الثالث، وهناك ترونس رابع في مذبح سري كانت تقدم عليه الذبيحة الإلهية في الظروف القاهرة.
مدفن الآباء القديسين هو المعروف ببيت القديسين وهو القسم الشمالي من المذبح، تعلوه قبة يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار تشبه ريازتها قبة المذبح المشار اليه, ويشتمل على أضرحة عدة منها ضريح القديس “مار متّى” مؤسس الدير وضريح العلّامة ابن العبري المتوفى عام 1286م.
الهيكل جديد أنشئ في العام 1858م وهنالك كتابة سريانية في واجهة المذبح تبين بتاريح بنائه، جداره الشمالي وضع على أساس قديم ويتألف من ثلاثة أنابيب اسطوانية، الجنوبي والأوسط متساويان، أما الشمالي فصغير، مدفن الرهبان مغارة صخرية كبرى تحت هيكل القديس “مار متّى” كانت قد اختفت مدة طويلة حتى اكتشفت عند وفاة أحد الرهبان عام 1910م.