د.سعد سلوم: وحدة العراق في التنوع

928

عامر جليل ابراهيم – عدسة: صباح الامارة/

التنوع مصدر غنى لأي مجتمع، ويجب أن تتم إدارته بحكمة، وإذا أردنا أن نقيم طريقة التعامل مع هذا التنوع الثر في تاريخ العراق المعاصر، فسنجد أن إدارة التنوع كانت وفق أنموذج الدولة/الأمة خلال 1921-2003 بمضمون قومي علماني عروبي، استبعد التقاليد الثقافية للجماعات السكانية المختلفة، دأبت مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية (منظمة مجتمع مدني غير ربحية) على نشر ثقافة التنوع وتقبل الاخر من خلال ندواتها ومطبوعاتها، التقت(الشبكة) الكتور سعد سلوم ستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ليؤكد لنا اهمية التنوع في العراق.

التعددية الدينية

* كيف يتم التعامل مع التنوع؟

مع أن العديد من هذه الجماعات تضرب بجذورها عميقا في حضارة بلاد ما بين النهرين، حيث نجد أن اغلب الجماعات السكانية لم تجد تمثيلا فعالا او فعليا في اعلى هرم السلطة او تمثيلا متوازنا في مؤسسات الدولة، فضلا عن عدم الاعتراف بالتعددية الدينية بحيث تشمل التنوع الديني العريض من موسويين ومسيحيين وإيزيديين وبهائيين وزدراشتيين وكاكائيين الخ، ولا التعدد اللغوي الذي يشمل العربية والكردية والتركمانية والسريانية والأرمنية والفارسية الخ. وبسقوط أنموذج الدولة-الأمة بفعل التغيير الخارجي والغزو الأميركي فسح مجالا لبديل جديد كان من وجهة نظري لا يقل سوءا عن النموذج القديم وهو نموذج دولة/المكونات الذي يقوم على رؤية خطرة تفتت المجتمع الى مجموعة “مكونات”، ففي النموذج الاول كان يتم تذويب التنوع في هوية قومية واحدة، وفي النموذج الجديد يتم تشظية المجتمع الى مجموعة مكونات، واعتقد أن افضل ما يمكن تخيله هو الدفاع عن نموذج بديل يتضمن الاعتراف بالتنوع على قاعدة المساواة.

صمام الأمان

* هل يساهم التنوع بتقوية المجتمع؟

-خصصت كتابين للإجابة عن أهمية التنوع بالنسبة لمستقبل العراق، الكتاب الأول حمل عنوان (التنوع الخلاق 2013) ويتناول مقاربة عن اهمية التنوع بوصفه مصدر الثروة الدائمة للبلاد، وتضمن بذورا لرؤية طورتها في ما بعد عن اقتصاد بديل لاقتصاد الطاقة أو الاقتصاد الريعي الذي كان سببا في تطوير انظمة استبدادية في تاريخ العراق المعاصر، وفي كتابي الجديد “نهاية التنوع في العراق” اتناول هذه الرؤية بمزيد من التحليل. أما الكتاب الثاني فهو (الوحدة في التنوع)، فيدافع عن مقاربة أن التنوع صمام أمان ضد محاولات تقسيم العراق، فالتنوع يعد فكرة حامية للهوية الجامعة من التقسيم وانفراط عقدها، وبقاء الأقليات في البلاد واختلاطها ببقية الجماعات، صمام أمان من تفكك البلاد الى هويات كبرى متصارعة على الحيز المكاني والسلطة والثروة. لذا، أعتقد بأن نهاية التنوع ستكون نهاية للعراق ككيان حضاري ومركز قوة أقليمي وكوحدة سياسة متماسكة، والدفاع عن التنوع في جوهره دفاع عن وحدة العراق ومستقبله وبقائه.

التعددية اللغوية

* ما أفضل طريقة يمكن أن يتصدى من خلالها البرلمان للحفاظ على التنوع؟

-اعتقد بأن سن تشريع للحفاظ على التنوع سيعد خطوة مهمة للحفاظ على ما ينطوي عليه العراق من تعددية ثرية، وقد عملت منذ عام 2011 على كتابة تشريع من هذا القبيل، نشرت نسخته الاولى عام 2013، وكانت اخر نسخة معدلة ومطورة قد نشرت في كتابي “العنف ضد الاقليات في العراق” 2017، ومن وجهة نظري فإن من المهم أن يحافظ هذا التشريع على هوية الأقليات من خلال ضمان الحق باختيار الهوية بالنسبة للأقليات، وعدم إجبارها على الاندراج ضمن هويات كبرى خاصة بالنسبة للهويات المركبة، أو الجسرية والصغيرة التي تبتلعها الجماعات الكبرى او تستخدمها سياسيا لصالحها، فضلا عن المطالبة بالحفاظ على هويتها المستقلة بوصفها حقاً إنسانياً أساسياً. وكذلك تعزيز التعددية اللغوية الغنية التي ينطوي عليها المجتمع العراقي، وحماية هذه اللغات من الاندثار أو الانقراض، مثلا؛ الحفاظ على المندائية التي يتحدثها رجال الدين في الطقوس والتي أدرجت في العام 2006 ضمن قاموس اليونسكو للغات المهددة بالانقراض.. الخ. ومن مخرجات هذا التشريع ايضا التشجيع على بناء سياسات تعليمية تعزز معرفتنا بثقافة الأقليات وتاريخها ولغاتها، مع ضمان حق الأقليات في التعلم بلغاتها الخاصة والتي تشكل جزءا من هويتها ويحافظ على ثقافاتها وتقاليدها، وعلى نحو يعزز التعددية الثقافية للمجتمع الذي يتكون من ثقافات عديدة. واعتقد أن البرلمان قد فشل خلال السنوات الماضية في تمرير تشريع مناسب للحفاظ على التنوع بسبب الصراعات السياسية داخله، وقد بدد ذلك ثروة التنوع، بل يعد من وجهة نظري مبدداً لثروة العراق الدائمة وتآمراً على مستقبله.

رسائل الكراهية

* ما سبب ابتعاد أنشطتكم عن وسائل الإعلام؟

– ربما من الأفضل توجيه هذا السؤال لوسائل الإعلام نفسها، وبرأيي أن بعض وسائل الاعلام باتت منخرطة في سوق الكراهيات التي تشكل بزنسا مربحا، أما عن فعالياتنا فهي لا تحقق مثل هذا الربح ولا عدد المتابعين، الإعلام لا يتوجه الى فعاليات تتضمن درجة الكراهية فيها “صفرا”. مع ذلك فقد توجهنا الى وسائل التواصل الاجتماعي التي هي اكثر تأثيرا، وقد اجرت مؤسسة مسارات دراسة عام 2017 تبين فيها بأن العراقيين فيسبوكيون بنسبة 70% وتضمنت الدراسة نسبا مذهلة عن انخراط بعض وسائل الاعلام في حرب الكراهية التي تجري في البلاد، تبلغ حصة المواطن العراقي 37 رسالة كراهية يوميا، ترتفع في مرحلة الأزمات الى 176 رسالة، وهذه وصفة لحرب اهلية ومنجم يوفر حقدا متواصلا في وقت نطمح فيه الى بناء استقرار دائم او على الأقل تخفيف الاحتقان الطائفي واعادة بناء الثقة في فترة ما بعد داعش.

الاعتدال والحكمة

* أنتم مؤسسون للمجلس العراقي لحوار الأديان، ما دور هذا المجلس؟
المجلس العراقي لحوار الأديان انطلق كتطوير لمبادرة الحوار الإسلامي المسيحي التي انطلقت بعد جريمة كنيسة سيدة النجاة عام 2010، و”مسارات” تعد احدى المؤسسات التي أسهمت في تأسيس المجلس بالاستناد الى

“دبلوماسية المسار الثاني” كمفهوم مرجعي، واعتقد أن المجلس هو التجربة الأنضج منهجيا في العراق والشرق الأوسط، إذ يقوم على “حوار الأديان” كشكل من دبلوماسية المسار الثاني لحل النزاعات. ففي حين يمثل دبلوماسية المسار الأول “الدبلوماسية الحكومية الرسمية” في التواصل والتفاعل بين الحكومات، فإن دبلوماسية المسار الثاني تمثل التفاعل غير الرسمي والتدخل من الجهات الفاعلة غير الحكومية. استثمر المجلس كإطار غير رسمي للحوار دور الزعامات الدينية التي تتصف بالإعتدال والحكمة من مختلف الخلفيات الدينية، الأمر الذي فسح فرصة لتخيل عمل جماعي عابر لخطوط التقسيم الدينية والطائفية. فضلا عن تظافر مؤسسات تنطوي على خبرة في الحوار الديني مثل مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في لندن التي تميزت بأنشطتها الحوارية على صعيد دولي.
خارطة التنوع

* الكثيرون منا لا يعرفون خارطة التنوع العراقي؟

– الجهل شبه التام بتركيبة التنوع القومي والديني واللغوي في البلاد قد ترك أثره على طريقة تجاوب وطبيعة تفاعل الدولة وحتى الفاعلين الدوليين مع التنوع الى حد تم فيه اختصار التعامل مع البلاد في مقاربة الجماعات الثلاث الكبرى ورؤيتها (الشيعة، السنّة، الأكراد).

وبشكل مختصر، فإن التنوع القومي والديني واللغوي يتركنا أمام خريطة ثرية تتضمن المسيحيين الذين لا يمكن اختصار هويتهم بسهولة، إذ يعترف القانون العراقي بـ 14 طائفة مسيحية، والصابئة المندائيين الذين يشكلون ثقافة ألفية خلال أكثر من عشرين قرنا من الزمن، والإيزيديين الذين تعود جذور ديانتهم الى عشرات القرون فضلا عن اليهود، ويضم التنوع الديني ايضا اقليات دينية مثل الكاكائيين والبهائيين الذين يعدون من الأقليات الدينية الصغرى التي تعتنق إحدى الديانات الحديثة في العالم المعاصر. واخيرا الزرادشتيين.

وفضلا عن هذا التنوع الديني هناك التنوع الإثني واللغوي الذي يضم التركمان الذين يعدون ثالث الجماعات العرقية الرئيسة في العراق بعد العرب والأكراد، والشبك : إحدى الأقليات التي تعيش شمالي العراق منذ ما يقارب الخمسة قرون. والفيليون الذين ينتشرون على طول خط الحدود مع إيران في جبال زاكروس وفي مناطق من بغداد. والعراقيون من اصول افريقية، وهم اقلية عرقية تنحدر من أصول افريقية متعددة، وقد جيء بأجدادهم عبر مراحل التاريخ الاسلامي، واستوطنوا أماكن مختلفة جنوبي العراق. واخيرا قبائل القفقاس العراقية من “شركس وشيشان وداغستان.”